اختتمت، اليوم الأحد، فعاليات الدورة الـ 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن، وسط تحذيرات أوروبية هي الأشد لهجة منذ عقود، حيث أن النظام العالمي دخل مرحلة التدمير الذاتي، حيث لم تعد الولايات المتحدة تلعب دور الضامن للاستقرار، بل تحولت إلى طرف يساهم في تفكيك القواعد التي أرستها واشنطن تاريخيا.
وأشارت صحيفة لاراثون الإسبانية إلى أن القادة الأوروبيين يعيشون حالة من الذعر الاستراتيجي بسبب ما وصفوه بـ دبلوماسية البلدوزر التي تنتهجها إدارة ترامب، والتي تضع المصالح النفعية الضيقة فوق التحالفات التاريخية.
وقال المستشار الألماني فريدريش ميرز، قوله إن النظام الدولي يترنح، محذرا من أن استمرار واشنطن في مقايضة الأمن بالولاء الاقتصادي سيعجل بانهيار حلف الناتو من الداخل. هذا الطرح عززه مركز السياسات الأوروبي (EPC) في ورقة بحثية وزعت خلال المؤتمر، أكدت فيها أن التهديدات الهجينة وتراجع الغطاء الأمني الأمريكي فرضا على أوروبا الاستقلال القسري .
واشنطن من حارس إلى معول هدم
كان الحدث الأبرز هو التقرير السنوي للمؤتمر الذي وضع الولايات المتحدة، لأول مرة، في خانة القوى التي تعمل على تفكيك النظام الدولي بدلاً من حمايته، التقرير أشار بوضوح إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية تتبنى سياسة البلدوزر لكسر الجمود المؤسسي، مما أثار قلق الحلفاء الأوروبيين.
ورغم محاولات وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، تقديم رسائل تهدئة، إلا أن اللهجة الأمريكية كانت حازمة في التأكيد على أن واشنطن لن تدعم أي هياكل دولية لا تخدم مصالح الشعب الأمريكي أولاً وبشكل مباشر.
الاستقلال الاستراتيجى الأوروبي
في مواجهة حالة عدم اليقين القادمة من واشنطن، شهدت جلسات 14 و15 فبراير صرخة أوروبية موحدة، المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكدا أن أوروبا لم يعد لديها رفاهية الاعتماد على المظلة الأمريكية.
أهم التوجهات التي تم الاتفاق عليها ضمنياً ورسمياً
توطين الصناعات الدفاعية، حيث يتم البدء الفورى فى خطة لتقليل تكلفة إعادة التسلح عبر مبادرة دفاعية متعددة الجنسيات.
الردع النووي الأوروبي، مع بدأ الحديث بشكل جدي عن تطوير منظومة ردع نووية تعتمد على القدرات الفرنسية والبريطانية لتكون بديلاً في حال تراجع الضمانات الأمريكية.
كما أجمع القادة الأوروبيون على أن الهجرة غير الشرعية لم تعد قضية إنسانية فقط، بل أصبحت "تحدياً أمنياً سيادياً" يستلزم سياسات صارمة لحماية هوية القارة.
التهديد الروسي والحرب الهجينة
ناقش مؤتمر ميونيخ للأمن تصاعد العمليات الروسية التي تستهدف البنية التحتية الأوروبية، خصوصاً التشويش على نظام GPS الذي أثر على 40% من حركة الطيران الأوروبي، بريطانيا، على لسان رئيس وزرائها كير ستارمر، أكدت أن أمن لندن جزء لا يتجزأ من أمن أوروبا، مشدداً على ضرورة الاستعداد لـ سيناريوهات القتال لحماية الشعوب، مع استمرار الضغط على موسكو للجلوس إلى طاولة المفاوضات وفق خطة الـ 20 نقطة المقترحة.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى
تحول المؤتمر إلى ساحة لمناقشة سيادة البيانات، تم التحذير من أن الفجوة التكنولوجية مع الصين وأمريكا قد تحول أوروبا إلى مجرد مستهلك رقمي فاقد للقرار الأمني. لذا، تم التوصية بزيادة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي العسكري والأنظمة الذاتية (الدرونز) لتعويض النقص في القوة البشرية العسكرية.
وأشارت صحيفة لابانجورديا الإسبانية إلى أن مؤتمر ميونيخ 2026 يعتبر خرج باعتراف ضمني بأن عصر السلام الأمريكي (Pax Americana) قد انتهى، وأن العالم يتجه نحو صفقات نفعية بدلاً من المبادئ والقانون الدولي، حيث تعتبر أوروبا الآن في سباق مع الزمن لتتحول من مظلة تحميها واشنطن إلى ترسانة قادرة على حماية نفسها، وسط عالم لا يعترف إلا بالقوة والفاعلية الاقتصادية.