في عالمٍ باتت فيه الشاشاتُ هي النوافذَ والبيوت، وفي وقتٍ تظن فيه أنك بمأمن خلف جدرانك وبين طيات هاتفك الذكي، كان هناك شر مستطير يُنسج خلف البحار، وتحديداً في أقصى القارة الآسيوية، حيث التقت عقولٌ إجرامية شيطانية لتنفيذ مخطط يتجاوز حدود الخيال والحدود الجغرافية.
الجريمة تبدأ بـ"رابط إلكتروني"
لم تك الجريمة هذه المرة بسكين أو مسدس، بل كانت عبارة عن "رابط إلكتروني" وسطر من الأكواد الخبيثة، استهدفت جيوب البسطاء وأحلام الكادحين عبر استغلال تطبيق الدفع اللحظي "إنستاباي"، لتبدأ فصول واحدة من أكثر القضايا إثارة وخطورة في سجلات مكافحة جرائم النصب الإلكتروني بوزارة الداخلية، والتي نكشف الستار عن تفاصيلها الدرامية التي تحبس الأنفاس.
بدأت خيوط المؤامرة بـ "طعم" لا يقاوم، وهو الوعد بمشاهدة كافة القنوات المشفرة والفعاليات الرياضية العالمية مجاناً وبلا مقابل، عبر تطبيق إلكتروني وهمي تم الترويج له باحترافية شديدة على منصات التواصل الاجتماعي.
الضغط على زر يوقع الضحايا في شباك النصابين
لم يدرك الضحايا أن الضغط على زر "تحميل" هو بمثابة التوقيع على صك تسليم مفاتيح حياتهم الرقمية لهذا التشكيل الدولي، فبمجرد تفعيل التطبيق، كانت الأجهزة الأمنية بقطاعي نظم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والأمن العام ترصد تحركات مريبة لبيانات رقمية تخرج من الأراضي المصرية متجهة إلى سيرفرات مشبوهة في إحدى الدول الآسيوية.
لقد تحول الهاتف في يد صاحبه إلى "جاسوس" يعمل لصالح العصابة، حيث سيطر القراصنة تماماً على نظام التشغيل، وبدأوا في ممارسة لعبة القط والفأر مع الضحايا عبر إرسال رسائل نصية وهمية توهمهم بسحب مبالغ مالية من حساباتهم، لإثارة ذعرهم ودفعهم للوقوع في الفخ الأخير.
أسرار الاستيلاء على سحابات انستاباي
في تلك اللحظات الدرامية، كان الضحية يسارع مرتبكاً لفتح تطبيق "إنستاباي" الرسمي ليتأكد من رصيده، وما أن يشرع في إدخال الرقم السري "PIN Code" ظناً منه أنه في مأمن، حتى تكون العيون الرقمية للعصابة الآسيوية قد رصدت كل نقرة على الشاشة في بث حي ومباشر.
وبسرعة البرق، يتم سحب الأرصدة بالكامل وتحويلها إلى "مثلث الشر" داخل مصر، وهم ثلاثة عناصر إجرامية اختيروا بعناية ليكونوا "المحلل المالي" لهذا التشكيل الدولي، حيث كانت مهمتهم استقبال الأموال المسروقة على محافظ إلكترونية تم تفعيلها بأسماء وهمية وشرائح هاتفية مجهولة، ثم تحويلها فوراً إلى عملات رقمية مشفرة "كريبتو" لإخفاء أثر الجريمة وقطع الطريق أمام أي تتبع مصرفي، قبل إرسالها مجدداً للقادة في آسيا.
ضربات أمنية من الداخلية لعصابة دولية
لكن يد العدالة كانت أسرع مما ظن هؤلاء، فبينما كانت العملات المشفرة تتطاير في الفضاء الإلكتروني، كان رجال الظل في وزارة الداخلية قد نجحوا في فك شفرات التواصل بين العناصر المحلية والدولية.
وعقب تقنين الإجراءات، وفي ساعة الصفر التي حُددت بدقة متناهية، انطلقت المأموريات الأمنية لتداهم أوكار التشكيل العصابي داخل البلاد في وقت واحد. المشهد كان أشبه بفيلم سينمائي؛ حيث باغت رجال الأمن المتهمين وهم غارقون وسط ترسانة من التكنولوجيا والأموال والذهب.
أسفرت المداهمات عن ضبط 35 هاتفا محمولاً كانت تستخدم كغرف عمليات لإدارة السرقات، و32 شريحة هاتفية، وجهازي كمبيوتر محمول يحويان أسرار العمليات، فضلاً عن 8 كروت بنكية ومبالغ مالية طائلة.
تحريز مغارة علي بابا مع المتهمين
المفاجأة الكبرى التي صدمت الجميع كانت في حجم الثراء الفاحش والتحويلات التي عُثر عليها؛ حيث تم ضبط 5 حسابات بتطبيقات تداول العملات الرقمية غير المشروعة، وبجانبها كنز من المعدن النفيس شمل 7 كيلو جرامات من الفضة وقرابة كيلو جرام من الذهب، في إشارة واضحة إلى محاولات المتهمين غسل الأموال المسروقة وتحويلها إلى أصول مادية يصعب تتبعها. وقُدرت القيمة المالية الإجمالية للمضبوطات بنحو 8 ملايين جنيه، وهو ما يعكس حجم المأساة التي تعرض لها مئات الضحايا الذين سرقت أموالهم في غفلة من الزمن. وبمواجهة المتهمين، انهاروا أمام الأدلة الدامغة والتحريات الفنية التي لا تقبل الشك، واعترفوا بدورهم كوسطاء ومسؤولي تحصيل لصالح الرؤوس المدبرة في الخارج، وتم اتخاذ كافة الإجراءات القانونية حيالهم وتقديمهم للنيابة العامة لتسطر كلمة الفصل في هذه الجريمة البشعة.
إن هذه القضية ليست مجرد ضبط لصوص، بل هي جرس إنذار يدوي في كل بيت مصري، حيث جددت وزارة الداخلية تحذيراتها الصارمة من الولوج إلى أي روابط مجهولة أو تحميل تطبيقات "مشبوهة" تعد بالمجانيات الزائفة.
الأمن الرقمي اليوم لا يقل أهمية عن الأمن الجسدي، والوعي هو الدرع الأول ضد قراصنة العصر الذين لا يرحمون ضعفاً ولا يتركون أثراً.
ستظل العيون الساهرة بوزارة الداخلية مرابطة في الفضاء الإلكتروني كما هي مرابطة في الشوارع، لتقطع دابر كل من تسول له نفسه العبث بمقدرات المواطنين، ولتثبت دائماً أن التكنولوجيا مهما تطورت، ستظل طوعاً في يد القانون لضبط الجناة وإرساء قواعد العدل