السنوات الماضية فى سوق الدراما المصرية شهدت إنتاجات ضخمة، وعلامات ستبقى بارزة فى تاريخ الفن المصرى والعربى، لأنها شكلت ركائز محطة فاصلة شهدت تحولًا استراتيجيًا قادته الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، هذا التحول ركز بالأساس على جودة المحتوى وضخامة الإنتاج، وصدر للعالم العربى صورة تليق بحجم الدولة المصرية وإمكانياتها الفنية والبشرية.
المتأمل فى مضمون وطبيعة الأعمال ذات الإنتاج الضخم التى قدمتها المتحدة، يدرك أن الهدف لم يكن استعراض حجم الإنتاج فقط، بل التأكيد على جودة المحتوى وإثرائه، عبر تقديم رسائل فكرية وتاريخية مغلفة بإنتاج عالمى دون مبالغة، أعاد الاعتبار لفكرة المشروع الدرامى المتكامل القائم على البحث التاريخى الدقيق، والإمكانات الفنية المتطورة، والكوادر البشرية المدربة، والميزانيات التى تليق بحجم المسؤولية الثقافية والإعلامية.
ووفرت الشركة إمكانيات مادية وفنية غير مسبوقة، من بناء مدن كاملة وتصميم ديكورات تحاكى عصورًا سحيقة، وصولًا إلى الاستعانة بأحدث تقنيات التصوير والجرافيك، هذا الإنفاق السخى كان ضرورة لتقديم أعمال تستطيع المنافسة فى عصر المنصات العالمية، وهو ما تحقق بالفعل فى سلسلة من الأعمال التى أصبحت علامات مسجلة فى تاريخ الدراما.
مسلسل رسالة الإمام
تنوعت هذه الأعمال، فمنها من ذهب لاستعادة حكايات شخصيات شكلت وجدان الأمة، مثل مسلسل رسالة الإمام، والذى تناول سيرة الإمام الشافعى، بعيدًا عن مجرد السرد التاريخى الجامد، بل جاء كمحاولة جادة لتصحيح المفاهيم وتقديم وسطية الإسلام من خلال رؤية فنية بصرية مذهلة قادها المخرج الليث حجو.
هذا العمل كشف عن حجم الجهد المبذول، حيث خضع الممثلون لتدريبات مكثفة على ركوب الخيل والمبارزة، وتمت مراجعة كل كلمة فى السيناريو من قبل مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف لضمان الدقة التاريخية واللغوية، ما جعل العمل وثيقة فنية وتاريخية للأجيال القادمة.
ولم يتوقف الطموح عند السير الذاتية، بل امتد لتوثيق نضال الشعب المصرى كما رأينا فى مسلسل «سره الباتع» هذا العمل الذى مزج بين زمنين مختلفين، مسلطًا الضوء على الهوية المصرية الأصيلة ومقاومة المحتل، ما أعاد الروح الوطنية إلى الشاشة الصغيرة وربط الماضى بالحاضر فى قالب درامى مشوق جذب ملايين المشاهدين.
مسلسل الحشاشين
وفى قمة النضج الإنتاجى، جاء مسلسل «الحشاشين» ليكون بمثابة إعلان رسمى عن قدرة الدراما المصرية على الوصول للعالمية، وتصوير العمل فى 3 قارات وبناء قلاع وقصور ضخمة تعبر عن حقبة هى الأصعب فى التاريخ الإسلامى، يعكس جرأة الشركة المتحدة فى التصدى لموضوعات شائكة تتطلب ميزانيات فلكية.
العمل الذى تناول طائفة الحشاشين وزعيمهم حسن الصباح، كان مشروعًا ثقافيًا تنويريًا يحلل جذور التطرف الفكرى باستخدام أحدث التقنيات البصرية التى جعلت المشاهد يشعر وكأنه يعيش داخل تلك القلاع الحصينة.
ولأن الفن المصرى لا يكتمل دون سحر الخيال، اقتحمت المتحدة عالم الفانتازيا من خلال مسلسل «جودر» بجزئيه الأول والثانى، هذا العمل الذى يستلهم حكايات ألف ليلة وليلة، مُعيدًا للجمهور متعة الحكاية الأسطورية ولكن بأدوات القرن الحادى والعشرين، وعبر إنتاج ضخم تكلف الكثير واستعان بكوادر فنية كانت على مستوى الحدث، وبدا واضحًا فى المسلسل أن هناك جيشًا من المصممين والتقنيين عملوا على خلق عالم مواز يجمع بين الواقع والسحر، ما أثبت أن الدراما المصرية قادرة على تقديم أعمال الخيال العلمى والفانتازيا بمستوى لا يقل عن الإنتاجات الغربية.
ما أنجزته الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية عبر هذه الإنتاجات الضخمة، يأتى فى سياق مشروع قومى بامتياز، نجح فى حماية الذوق العام وتشكيل الوعى الشعبى من خلال دراما تحترم عقل المشاهد تواكب التطورات وتليق بمكانة مصر كمنارة للفن والإبداع فى الشرق الأوسط.
والتجربة خلال السنوات الماضية تؤكد أن الاستثمار فى الإنتاج الضخم المدروس، والاهتمام بالتاريخ والتراث، قادران على صنع أعمال تترك أثرًا يتجاوز حدود الموسم، وترسخ وجود الدراما المصرية فى مكانتها التى طالما تميزت بها.
