بين القتل والنزوح والجوع، تتعمق المأساة الإنسانية في السودان على نحو غير مسبوق، حيث يدفع المدنيون وحدهم كلفة حرب متواصلة حوّلت حياتهم إلى معركة يومية من أجل البقاء، ومع اتساع رقعة العمليات العسكرية، لا سيما في إقليمي دارفور وكردفان، باتت القرى والمدن مسرحًا لانتهاكات جسيمة، في نزاع يتآكل فيه الحد الأدنى من قواعد حماية المدنيين.
كم عدد المحتاجين للمساعدات في الأزمة الإنسانية في السودان؟
ووفقًا لبيانات الأمم المتحدة، يحتاج أكثر من 25 مليون شخص في السودان إلى مساعدات إنسانية عاجلة، بينما تجاوز عدد النازحين داخليًا واللاجئين إلى دول الجوار 8 ملايين شخص، في واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، كما تشير التقارير الأممية إلى أن النساء والأطفال يمثلون النسبة الأكبر من المتضررين، في ظل تزايد مخاطر العنف، وسوء التغذية، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية.
وتوثّق الأمم المتحدة ومنظمات دولية مستقلة ارتكاب انتهاكات جسيمة وواسعة النطاق بحق المدنيين، تشمل القتل خارج نطاق القانون، والهجمات العشوائية على المناطق السكنية، والتهجير القسري، وتدمير مصادر الرزق، خاصة في دارفور وكردفان، حيث تصاعدت وتيرة العنف خلال الأشهر الماضية.
ولم تفرّق هذه الانتهاكات بين امرأة وطفل أو مسن، ما عمّق من جراح مجتمع أنهكته حرب مدمرة منذ اندلاعها في إبريل 2023.
وفي ظل هذا الواقع الإنساني القاتم، وفي محاولة للوقوف ميدانيًا على أوضاع المدنيين، أجرى فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، زيارة إلى السودان في 14 يناير الجاري استمرت يومين، التقى خلالها مسئولين، وناقش سبل حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق الأكثر تضررًا، في وقت تتقلص فيه فرص الوصول الإنساني وتتزايد فيه الاحتياجات للمدنيين العزل والأكثر احتياجا.
في هذا الحوار، الذي أجرته "اليوم السابع" مع مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان عقب زيارته الأخيرة للسودان، يقدّم فولكر تورك تقييمًا مباشرًا للأوضاع الإنسانية على الأرض، ويتحدث عن طبيعة الانتهاكات الموثّقة، ودور المجتمع الدولي، والخيارات المطروحة لحماية المدنيين ووقف نزيف المعاناة في بلد يواجه واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم، فى الوقت الذى يبدو فيه إنهاء الحرب حلما بعيد المنال.
"كارثية"، بهذا الكلمة وصف فولكر تورك، الوضع الراهن لحقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية في السودان، في ظل استمرار الأعمال العدائية والتقارير الموثوقة من عدة جهات محلية ودولية عن انتهاكات جسيمة وتجاوزات بحق المدنيين، وأكد فولكر تورك، أن الأوضاع الإنسانية فى السودان، كارثية، وتابع :"لقد أغرقت الحرب البلاد في هاوية لا تُدرك أبعادها، إذ أنها تُؤثر على جميع أنحاء البلاد، وعلى جميع سكانها".
واستنكر فولكر تورك، تجاهل القانون الدولي الإنساني، وحقوق الإنسان بشكل تام، على حد وصفه، وأضاف فى تصريحاته :"منذ بدء النزاع قبل نحو ثلاث سنوات، قُتل آلاف المدنيين، وتضررت، ودُمرت البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المرافق الصحية والأسواق ومحطات توليد الكهرباء وشبكات المياه، وخلال مسار هذا النزاع، شهد انتهاكات جسيمة وتجاوزات للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وانتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني، لا سيما عندما يشتد القتال للسيطرة على مناطق جديدة".
وعن الأوضاع فى مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التى شهدت انتهاكات جسيمة وواسعة النطاق لحقوق الإنسان، أكد تورك لليوم السابع، أن عملية الاستيلاء على الفاشر، من قبل الدعم السريع، فى أواخر أكتوبر 2024، اتسمت بعمليات إعدام عشوائية وبإجراءات موجزة واسعة النطاق، واستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب، ومعاملة لا إنسانية، وعمليات اختطاف مقابل الحصول على فدية.
وأشار إلى أن الهجوم سبقه حصار خانق دام 18 شهرًا، وهو ما منع المدنيين من الحصول على الغذاء والرعاية الصحية وغيرها من الاحتياجات الأساسية، مع استمرار هجمات متواصلة وعنيفة على المناطق السكنية والبنية التحتية المدنية.
وأعرب المفوض السامي لحقوق الإنسان، عن قلقه البالغ من خطر تكرار الجرائم والفظائع التي ارتُكبت أثناء وبعد الاستيلاء على مدينة الفاشر، في إقليم كردفان، الذى يشهد تصاعد النزاع بسرعة كبيرة منذ أواخر أكتوبر.
وأكد تورك، أن ولايات كردفان تشهد حالة من عدم الاستقرار الشديد، حيث تشهد مواجهات عسكرية متواصلة، وقصف مدفعي كثيف، وهجمات بطائرات مسيرة، وغارات جوية مكثفة، مما يتسبب في دمار واسع النطاق وانهيار الخدمات الأساسية، مضيفا :"كل ذلك، مرة أخرى، يُخلف خسائر فادحة في صفوف المدنيين"، وفقا لحديثه.
وأضاف فى حديثه لليوم السابع :"تتقدم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال باتجاه مدينة كادوقلي الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية، ونشهد استمراراً في نزوح أعداد هائلة من المدنيين من المدينة المحاصرة، كل هذا في ظل انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع تأكيد وجود ظروف مجاعة في كادوقلي، وخطر المجاعة في مناطق أخرى، بما في ذلك ديلينج".
وأكد مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أنه حث المسئولين، على ضمان عدم تكرار الجرائم التى ارتُكبت أثناء وبعد السيطرة على الفاشر في كادوقلي وديلينج ومنطقة كردفان عموماً، فى اجتماع مع وفد من قوات الدعم السريع.
وأثار فولكر تورك، عدة مخاوف بشأن التقارير المتعلقة، بالقتل غير القانوني للمدنيين، الهجمات على المناطق المدنية، العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والتهجير القسري وتدمير ممتلكات المدنيين، وأكد أنه دعا مرارا الأطراف المعنية إلى الوفاء بالتزاماتهما بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وخلال زيارته الأخيرة للسودان، التقي فولكر تورك، بمسئولين حكوميين، ومسئولين محليين، ومنظمات غير حكومية محلية ودولية، وجهات فاعلة في المجال الإنساني، وصحفيين، ومحامين، وأشخاص فروا من الفاشر في شمال دارفور، والذين لجأوا الآن إلى مخيم "العفاض" للنازحين داخلياً في محلية الضبّة بالولاية الشمالية، على بُعد 1200 كيلومتر عن الفاشر.
وأكد فولكر تورك لليوم السابع، أنه خلال مناقشاته مع المسئولين السودانيين، أثار مسألة وضرورة المساءلة والمحاسبة للانتهاكات والتجاوزات بحق المدنيين.
وفيما يخص حديثه مع السلطات السودانية، بخصوص تدابير حماية المدنيين، والتعاون مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان وآليات الأمم المتحدة، قال تورك أن الحوار بين مفوضية حقوق الإنسان والتعاون مع السلطات السودانية بشأن الأولويات المشتركة، مستمر، مشددا على أنه ناقش أهمية ضمان آليات مساءلة نزيهة وفعالة فيما يخص الجرائم المزعومة بموجب القانون الدولي.
ويرى المفوض السامي لحقوق الإنسان، أنه ولضمان حماية المدنيين، ومنع المزيد من الانتهاكات، وتحسين وصول المساعدات الإنسانية في جميع أنحاء السودان، يجب اتخاذ عدة خطوات، وأهمها فتح ممر آمن للمدنيين لمغادرة مناطق النزاع، وقال لليوم السابع :"كخطوة أولى فورية، يجب على جميع أطراف النزاع ضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية؛ وضمان ممر آمن للمدنيين لمغادرة مناطق النزاع، بما في ذلك كادوقلي وديلينج؛ وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق".
وتابع :"وتُعدّ تدابير مثل المعاملة الإنسانية للمحتجزين، وتحديد مصير المفقودين، والإفراج عن المدنيين المحتجزين بتهمة "التعاون" مع الطرف الآخر، من الأولويات أيضاً".
وأشار تورك فى حديثه، أن حقوق الإنسان يجب أن تكون أساسية لبناء الثقة وإنهاء هذه الحرب، واستئناف المهمة الصعبة المتمثلة في بناء سلام مستدام.
وفى ختام حديثه أكد فولكر تورك، أن المفوضية السامية لحقوق الإنسان، تواصل عملها فى توثيق الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها، إذ قال :"يواصل مكتبنا العمل يوميًا لتوثيق الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها، تمهيدًا للمساءلة".