يعد ملف الزراعة في مصر الركيزة الأساسية للأمن القومي، غير أن علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضى، يواجه اليوم حزمة من التحديات الهيكلية والمناخية التي تفرض واقعاً جديداً على الأرض السمراء، فبينما تحاول الدولة جاهدة التوسع أفقيًا في قلب الصحراء، يواجه الوادى القديم ضغوطاً غير مسبوقة تهدد استدامة الإنتاج، مما يجعل من تطوير هذا القطاع معركة وعى وتكنولوجيا.
التعدى العمراني واختناق الرقعة القديمة
وتظل مشكلة تآكل الأراضي الزراعية في الدلتا والصعيد واحدة من أخطر الأزمات التي استنزفت أجود أنواع التربة على مدار عقود، بسبب التعديات.
ورغم القوانين الصارمة، إلا أن الزحف العمراني حول مساحات شاسعة من الأراضي عالية الخصوبة إلى كتل خرسانية، مما أدى إلى انحسار المساحات الخضراء، و هذا الضغط الديموغرافي لم يقلص المساحة فحسب، بل أدى إلى اضطراب في النظم البيئية المحلية، وحوّل الكثير من المناطق الزراعية إلى وحدات سكنية تفتقر للخدمات، مما وضع الدولة أمام تحدي استعادة هيبة الأرض الزراعية.
تفتت الحيازة
وتعد معضلة تفتت الحيازة واحدة من أعقد المواريث الاجتماعية والقانونية التى تنهك جسد الزراعة، حيث أدت قوانين المواريث مع مرور الأجيال إلى انقسام المساحات الكبيرة إلى "فتات" من القراريط المبعثرة.
هذا الوضع خلق واقعاً مأزوماً يمنع تطبيق أي فكر زراعي حديث، فالمساحات الضيقة تجعل من المستحيل دخول الآلات الزراعية الكبيرة (الميكنة)، مما يضطر المزارع للارتداد إلى الوسائل البدائية والجهد اليدوي المكلف، وهو ما يرفع تكلفة الإنتاج ويخفض جودته في آن واحد، ويحول دون تحقيق "اقتصاديات الوفرة" المطلوبة للمنافسة عالمياً.
الفقر المائى وحتمية التحول للرى الحديث
تقف مصر تحت خط الفقر المائى العالمى، وهو التحدى الذى يفرض إعادة نظر شاملة في إدارة كل قطرة مياه، ومع ثبات الحصة التاريخية من مياه النيل وتزايد السكان، أصبح الاعتماد على "الرى بالغمر" ترفاً لم يعد ممكناً.
هذا الواقع دفع الدولة لتبنى مشروعات عملاقة لمعالجة مياه الصرف الزراعي وإعادة تدويرها، لكن التحدي الأكبر يظل فى إقناع المزارع التقليدى بالتحول نحو الرى بالرش أو التنقيط، وهو تحول يتطلب تمويلاً كبيراً ودعماً فنياً مستمراً لضمان عدم تأثر دخل الفلاح البسيط.
تغير المناخ.. ضيف ثقيل يهدد المحاصيل الاستراتيجية
لم تعد المحاصيل المصرية التقليدية، كالقمح والقطن والموالح، بمنأى عن تأثيرات الاحتباس الحراري، فالتغيرات المفاجئة فى درجات الحرارة والشتويات الدافئة أدت إلى اضطراب في إنتاجية بعض المحاصيل وإصابتها بآفات زراعية جديدة.
كما أن خطر ارتفاع منسوب مياه البحر يهدد أراضي شمال الدلتا بـ "التملح"، مما يستوجب استنباط سلالات جديدة من البذور قادرة على تحمل الملوحة والجفاف، وهي مهمة ملقاة على عاتق مراكز البحوث الزراعية التي تسابق الزمن لمواكبة هذه التبدلات الجوية المتسارعة.
التحول الرقمي
أمام هذه التحديات ، يرى الخبراء أن الخروج من عنق الزجاجة يتطلب تغييرات إدارية وتقنية، وتأتي فكرة "التجميع الزراعى كحل سحرى لمواجهة تفتت الحيازة، عبر روابط للمزارعين تتيح زراعة أحواض كاملة بمحصول موحد، مما يسمح بالميكنة وتخفيض التكاليف.
هذا التحول يجب أن يتوازى مع تفعيل الزراعة التعاقدية، التي تضمن للفلاح سعراً عادلاً وتؤمن احتياجات الدولة، فدمج التكنولوجيا، من "الدرون" لمراقبة الحقول إلى تطبيقات الإرشاد الرقمي، هو الضمانة الوحيدة لتحويل الزراعة إلى محرك اقتصادي جبار يحقق الاكتفاء الذاتي ويفتح آفاق التصدير للعالم.