لم يعد معرض القاهرة الدولي للكتاب مجرد حدث سنوي لشراء الكتب أو لقاء الكُتّاب، بل تحوّل في دورته السابعة والخمسين إلى ساحة ثقافية تفاعلية مفتوحة، تتداخل فيها الأدوار بين القارئ، والناشر، وصانع المحتوى الثقافي، في مشهد جديد باتت جروبات القراءة على مواقع التواصل الاجتماعي أحد أبرز أبطاله.
ظاهرة تستحق التوقف
ولأن جروبات القراءة على مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت ذات تأثير فعال خاصة على الأجيال الجديدة، وفي إطار متابعة آراء الفاعلين في المشهد الثقافي حول الدورة التي اختتمت خلال الأيام القليلة الماضية، تكشف شهادات مؤثرين وقائمين على جروبات قرائية كبرى حصل عليها «اليوم السابع» كيف انتقلت هذه المساحات الرقمية من مجرد تبادل ترشيحات إلى قوة مؤثرة في تشكيل تجربة المعرض وصناعة النقاش الثقافي العام.
هذه شهادات تكشف أن جروبات القراءة لم تعد مجرد مساحات افتراضية، بل تحولت إلى فاعل ثقافي حقيقي، أعاد تشكيل علاقة القارئ بالمعرض، وخلق تجربة أكثر تفاعلية وإنسانية، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل هذه الظاهرة، ودورها المتصاعد في دعم القراءة وصناعة النشر.
المعرض.. من سوق كتاب إلى مساحة يومية للاكتشاف
يُعد معرض القاهرة الدولي للكتاب الحدث الثقافي الأوسع جماهيريًا في مصر والمنطقة، لكن اللافت هذا العام لم يكن فقط كثافة الحضور، بل حالة التفاعل غير المسبوقة بين القراء ودور النشر وصناع المحتوى الثقافي، حيث لم يعد المعرض مجرد سوق لبيع الكتب، بل مساحة يومية للاكتشاف والمشاركة، وتبادل الترشيحات، وصناعة النقاش العام حول القراءة، وهو ما انعكس على تنامي الحضور الرقمي الموازي للمعرض على منصات التواصل الاجتماعي.
سما زيادة.. المعرض ملتقى حي بين القارئ والكاتب والناشر
في البداية، قالت سما زيادة، مؤسسة وأدمن جروب «حكايات نقوش»، إن معرض القاهرة الدولي للكتاب يُعد محفلًا ثقافيًا عامًا تتلاقى فيه ثقافات مختلفة وأنماط متعددة من البشر بذائقات أدبية متنوعة، مؤكدة أنه يمثل نقطة التقاء حقيقية بين القارئ والكاتب والناشر في مساحة واحدة.
وأضافت سما زيادة، في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، والتي درست النقد الأدبي ومارست إدارة الندوات ومحاورة الكُتّاب منذ عام 2022، أن الدورة الحالية من المعرض تميزت بشيئين أساسيين؛ أولهما الزخم الشديد في عدد الفعاليات والندوات الثقافية، وبشكل خاص مجموعة ندوات «أثر نجيب محفوظ»، التي كان لها ثقل واضح من حيث الرؤية وأسماء المتحدثين، وفتحت نقاشات ثرية وصفتها بأنها «حديث ذو شجون».
وأوضحت أن الأمر الثاني اللافت هذا العام تمثل في الكم الكبير من الخصومات التي قدمتها دور النشر، خاصة العربية منها، إلى جانب بعض الدور المصرية، لدرجة أن بعض الدور طرحت عروض "باكدجات" كاملة بأسعار مخفضة، مؤكدة أن هذا الحجم من الخصومات لم يكن حاضرًا بنفس الكثافة في الدورات السابقة.
وعن المبيعات أشارت إلى وجود تفاوت واضح بين دور النشر، قائلة: «بعض الدور أكدت أن المبيعات جاءت في حدود المعتاد، بينما تحدثت دور أخرى عن تراجع نسبي، وهو ما أرجعه إلى هيمنة فكرة الكتب الأكثر مبيعًا وتهافت القراء على عناوين بعينها».
وأعربت سما زيادة عن أملها في تنظيم أفضل للندوات مستقبلًا، موضحة أن تزامن أكثر من ندوة مهمة في الوقت نفسه تسبب في تشتت الجمهور.
وعلى المستوى الشخصي أكدت أن للمعرض مذاقًا خاصًا بالنسبة لها، خاصة مع مشاركتها في إدارة عدد من الندوات، وحرصها على التحضير المسبق وحضور فعاليات متعددة.
وفي سياق دعم الكُتّاب الشباب، أوضحت أن جروب «حكايات نقوش» أطلق منذ أربع سنوات مبادرة «أنا كاتب شاب»، لإتاحة الفرصة للكتّاب الشباب أصحاب الإصدارات الجديدة للتعريف بأنفسهم من خلال بث مباشر حصري، مؤكدة أن المبادرة حققت تفاعلًا كبيرًا وأسهمت في اكتشاف أصوات جديدة.
شيريهان محمد: 35 مسابقة ولايفات يومية
من جانبها، قالت شيريهان محمد، مؤسسة جروب «فنجان قهوة وكتاب»، إن الجروب قدم خلال فعاليات المعرض أكثر من 35 مسابقة، إلى جانب لايفات يومية وتغطيات حصرية للفعاليات وحفلات التوقيع.
وأكدت حرصها على التواجد اليومي داخل أروقة المعرض، قائلة: «كنت بروح المعرض كل يوم علشان أغطّي الفعاليات وحفلات التوقيع، وده خلاني أكون قريبة من الحدث ومن القارئ في نفس الوقت».
وأضافت أن تجربة التغطية هذا العام كانت من أجمل تجاربها، مشيرة إلى أن الهدف الأساسي كان أن يكون الجروب جزءًا من تجربة القارئ، لا مجرد ناقل للحدث، وأن النجاح الحقيقي يُقاس بصناعة لحظات فرح وذكريات جميلة.
مرام شوقي: خصومات 80% وكتب بـ50 جنيهًا
بدورها، قالت مرام شوقي، مؤسسة جروب «بوك زون»، إن الدورة الحالية شهدت ملامح إيجابية مؤثرة، أبرزها الخصومات الكبيرة التي قدمتها دور النشر، خاصة عبر «ساعة الحظ»، والتي وصلت أحيانًا إلى أكثر من 80%.
وأشادت بإطلاق التطبيق الرسمي للمعرض، ودوره في تسهيل التنقل وتنظيم الوقت، كما أثنت على الاحتفاء بالرموز الثقافية مثل نجيب محفوظ ويوسف شاهين، وإطلاق مبادرات مثل «مكتبة لكل بيت».
وأوضحت أن الجروب حرص على دعم القراء فعليًا من خلال التعريف بـ«استاند التخفيضات» الذي وصلت فيه أسعار الكتب إلى 50 جنيهًا، وتنظيم جولات داخل دور النشر، وتوفير خصومات إضافية، وإقامة لقاءات مع كُتّاب وقراء.
إسلام وهبان: 5000 منشور ومليونا مشاهدة
أما إسلام وهبان، الصحفي المختص بالشأن الثقافي ومؤسس جروب «مكتبة وهبان»، فأكد أن هذا العام كان من أكثر الأعوام نشاطًا وتأثيرًا للجروب، موضحًا أن الهدف كان ألا يكون مجرد منصة متابعة، بل مساحة حقيقية للتفاعل والدعم.
وأشار إلى إطلاق أكثر من 20 مسابقة، وتقديم أكثر من 100 كتاب ورواية، إلى جانب مبادرة «سنة أولى معرض» لدعم الكُتّاب الجدد، وتنظيم «جولة مكتبة وهبان» التي شارك فيها عشرات القراء.
وأوضح أن الجروب نفذ أكثر من 30 تغطية فيديو وحوارًا مباشرًا، وأن التفاعل تجاوز 5000 منشور خلال أقل من 15 يومًا، بإجمالي مشاهدات تخطت مليوني مشاهدة.