ـ المستقبل للتكنولوجيا والطاقة الخضراء والرعاية الصحية.. وثلث شباب المنطقة العربية خارج التعليم والتدريب والعمل
قالت بيتينا شالر، رئيسة الاتحاد العالمى للتوظيف «WEC»، إن سوق العمل الدولى يمر حاليا بمرحلة من «الاستقرار الهش»، فبالرغم من تراجع معدلات البطالة عالميا لمستويات منخفضة تاريخيا، فإن هذا الهدوء لا يعكس حقيقة الأزمات البنيوية التى تواجه ملايين العمال، خاصة فيما يتعلق بجودة الوظائف واتساع فجوة المساواة.
وأكدت شالر، فى حوار خاص لـ«اليوم السابع»، على هامش فعاليات النسخة الثالثة للمؤتمر الدولى لسوق العمل، والذى عقد بمدينة الرياض، أن العالم لا يواجه أزمة فى توفر الوظائف بقدر ما يواجه تحديا فى «نوعية» هذه الفرص، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعى لن يحل محل البشر، بل سيعيد تشكيل طبيعة العمل ليخلق نحو 170 مليون فرصة عمل جديدة بحلول عام 2030، شريطة التركيز على إعادة تأهيل المهارات.. وإلى نص الحوار:
كيف تنظرون إلى حالة سوق العمل الدولى فى ضوء التحولات الاقتصادية العالمية؟
يشهد سوق العمل الدولى فى بداية 2026 حالة من الاستقرار الظاهرى الملحوظ، حيث تبقى نسب البطالة عند مستويات منخفضة تاريخيا بواقع 4.9 % على المستوى العالمى و5.0 % فى دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، بالرغم من تباطؤ النمو الاقتصادى وتزايد حالة عدم الوضوح فى المشهد التجارى.
لكن هذا الاستقرار يخفى واقعا أكثر ضعفا، فنوعية الوظائف لا تتحسن، والتحسن فى الأجور يبقى غير متوازن، بينما تتوسع الفجوة فى عدم المساواة، مع وجود نحو 408 ملايين شخص لا يستطيعون الحصول على فرص عمل بالأجر الذى يبحثون عنه، واستمرار 2.1 مليار عامل فى القطاع غير المنظم فى مختلف أنحاء العالم.
يلاحظ قطاع التوظيف الخاص تحسنا فى ثقة قطاع الأعمال، وارتفاعا فى الحاجة إلى مرونة القوى العاملة، وتسارعا فى استخدام أدوات التوظيف القائمة على الذكاء الاصطناعى، وتظل العمالة المؤقتة وعقود العمل المحددة المدة هى الأساس فى القطاع، حيث تمثل قرابة 89 % من الإيرادات فى الأسواق الكبيرة كالولايات المتحدة، مع تصدر منطقة آسيا والمحيط الهادئ معدلات النمو، واحتفاظ منطقة أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا بأكبر نصيب إقليمى من الإيرادات العالمية.
بصورة عامة، يتأقلم قطاع التوظيف مع سوق عمل يتميز بنقص فى المهارات، واختلافات ديموغرافية، وارتفاع فى مستويات التذبذب، من خلال التوسع فى الحلول الرقمية والعابرة للحدود والمتخصصة، فى ظل استمرار حذر العملاء وحساسيتهم تجاه التكاليف.
وتزداد الاختلافات الديموغرافية وضوحا، حيث تواجه الاقتصادات ذات الدخل المرتفع تقدما فى عمر القوى العاملة وضعفا فى توليد الوظائف، بينما تشهد الدول ذات الدخل المنخفض نموا سريعا فى أعداد القوى العاملة، لكن فى وظائف ذات نوعية متدنية فى الغالب، وفى الوقت نفسه، يعيد استخدام الذكاء الاصطناعى، وتغيير قواعد التجارة، وتباطؤ الإنتاجية تشكيل الاحتياجات من العمالة، ما يقلل بعض فرص الدخول إلى سوق العمل ويزيد من الفجوات فى المهارات، وعلى الرغم من صمود سوق العمل الدولى فإنه يبقى عرضة لمخاطر بنيوية كبيرة قد تضعف المكاسب الأخيرة بسرعة.
فى ظل تراجع معدلات البطالة عالميا، هل يعانى العالم من أزمة فى توفر الوظائف أم فى نوعيتها، وكيف أثر الذكاء الاصطناعى على واقع التوظيف الدولى؟
يقف العالم اليوم عند نقطة متناقضة؛ فبالرغم من استمرار البطالة العالمية عند مستوى منخفض تاريخيا يبلغ 4.9 %، لا يزال الملايين يفتقرون إلى فرص العمل الملائمة، كما يتضح فى فجوة عالمية تصل إلى 408 ملايين وظيفة، ووجود 2.1 مليار عامل فى القطاع غير المنظم، ما يعكس سوق عمل مستقرا فى الظاهر لكنه هش فى البنية.
فى المقابل، تفتح التحولات التكنولوجية والديموغرافية والبيئية فرصا جديدة غير مسبوقة، مع توقع إيجاد 170 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2030، وصافى زيادة قدرها 78 مليون وظيفة بعد حساب الوظائف التى قد تزول.
وفى ظل هذه التحولات، يبقى جوهر خدمات الموارد البشرية إنسانيا فى طبيعته، فمهما تقدمت التكنولوجيا، لا يمكن أتمتة فهم الدوافع والطموحات والقدرات البشرية، وتكمن القيمة الحقيقية للقطاع فى قدرته على الجمع بين الابتكار والتعاطف، بما يضمن أن يعزز التقدم التكنولوجى إنسانيتنا بدلا من إضعافها.
وتحدث تقنيات الذكاء الاصطناعى تغييرا جذريا فى واقع التوظيف الدولى من خلال أتمتة الأعمال الروتينية، وخلق أنواع جديدة من الوظائف، وتغيير المهارات اللازمة للبقاء تنافسيا فى سوق العمل.
وعلى الرغم من القلق الواسع حول خسارة الوظائف، فإن الواقع أكثر تعقيدا؛ إذ يغير الذكاء الاصطناعى طبيعة العمل أكثر من كونه يلغى الوظائف، وعند تطبيقه بشكل مدروس، يمكن أن يصبح محركا فعالا للإنتاجية وتوسيع الفرص الوظيفية عالميا.
ما القطاعات التى يتوقع أن تحقق نموا واضحا فى التوظيف خلال الفترة المقبلة؟
تتضمن القطاعات المتوقع أن تسجل أعلى معدلات نمو فى التوظيف: قطاع التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعى، مع استمرار الحاجة إلى المهارات الرقمية وأمن المعلومات؛ قطاع الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، بسبب ارتفاع أعمار السكان، قطاع التعليم والتدريب، نتيجة الحاجة المتزايدة لبرامج إعادة التأهيل المهنى، قطاع الطاقة الخضراء والمتجددة، مع التوجه نحو أنظمة مستدامة.
كما ينتظر نمو فى التوظيف فى مجالات الخدمات اللوجستية والتوصيل بفضل توسع التجارة الإلكترونية، والزراعة فى الاقتصادات الناشئة ذات النمو السكانى المتسارع، بالإضافة إلى تقنيات الموارد البشرية وخدمات التوظيف الرقمية، مع تبنى المؤسسات لنماذج العمل المرنة وأدوات التوظيف القائمة على الذكاء الاصطناعى.
ما أبرز التحديات التى تواجه أسواق العمل فى المنطقة العربية؟
تواجه أسواق العمل فى المنطقة العربية تشابكا معقدا من التحديات البنيوية، فى مقدمتها ارتفاع معدلات بطالة الشباب، التى تفاقمت مقارنة بفترة ما قبل الجائحة، حيث ارتفعت من 27 % عام 2019 إلى 28 % عام 2023 فى عدد من الدول العربية، ما يضع المنطقة ضمن أعلى المناطق عالميا من حيث بطالة الشباب.
ويرافق ذلك ارتفاع نسبة الشباب غير المنخرطين فى التعليم أو العمل أو التدريب، والتى تصل إلى قرابة ثلث الشباب فى العديد من الدول، ما يعكس فجوات عميقة بين نتائج التعليم واحتياجات سوق العمل، كما تستمر مشكلات تدنى نوعية الوظائف، وانتشار العمل غير المنظم، وضعف الحماية الاجتماعية فى الحد من الحراك الاجتماعى، بجانب الضغوط الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية والتغيرات الديموغرافية.
وفى الوقت ذاته، تظل مشاركة المرأة فى سوق العمل منخفضة تاريخيا، بمتوسط إقليمى يبلغ نحو 19 %، نتيجة القيود الاجتماعية وصعوبات التنقل ونقص خدمات رعاية الأطفال والتحيزات المؤسسية، إلا أن الإصلاحات فى دول مثل السعودية والأردن والإمارات أثبتت أن إزالة العوائق تؤدى إلى ارتفاع سريع فى مشاركة المرأة، كما حدث فى السعودية، حيث ارتفعت من 22 % إلى 35 % خلال سنوات قليلة فقط.
كيف تقيمون سوق العمل المصرى فى ضوء التعاون القائم مع منظمة العمل الدولية، وما ملامح رؤيتكم لمستقبله؟
سوق العمل المصرى يمر بمرحلة تحول أساسية، مدفوعة بالإصلاحات الاقتصادية، والاستثمارات القومية الكبرى، وتسارع التحول الرقمى، وتتمثل رؤية الاتحاد فى دعم بناء سوق عمل مرن، تنافسى، وشامل، قادر على مواكبة التغيرات العالمية السريعة، مع تحقيق التوازن بين متطلبات النمو الاقتصادى وحماية حقوق العاملين.
ويؤكد الاتحاد أن التطوير المستمر فى منظومة قوانين العمل الجديدة يعكس مرونة أكبر فى استيعاب أنماط العمل الحديثة، ويعزز قدرة السوق المصرى على جذب الاستثمارات وخلق فرص عمل مستدامة، خاصة فى القطاعات ذات النمو المرتفع.
ويقود الاتحاد فى مصر جهودا مكثفة لتعزيز الحوار بين القطاعين العام والخاص، ودعم برامج تطوير المهارات وإعادة التأهيل المهنى، وضمان توافق سياسات التوظيف مع احتياجات السوق الفعلية، بما يرسخ مكانة مصر كسوق عمل واعد وقادر على التكيف مع التطورات الإقليمية والدولية.
وفى هذا السياق، ركزت اللقاءات التى جرت فى القاهرة مع منظمة العمل الدولية على ضرورة إنشاء أطر تنظيمية ملائمة لقطاع خدمات التوظيف الخاص، وتعد اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 181 أداة رئيسية فى هذا المجال، ويشارك اتحاد التوظيف العالمى فى حملة دولية لتشجيع المصادقة على هذه الاتفاقية من قبل دول أكثر، ومن بينها مصر.
ويمثل التنظيم المناسب الأساس لتطور صحى للقطاع، خاصة فى الدول ذات إمكانات النمو العالية، على أن يترافق ذلك مع ضمان ظروف عمل عادلة لعمال الوكالات، بما فى ذلك عدم فرض أى رسوم على الباحثين عن العمل مقابل فرص التوظيف.
كيف يمكن تعزيز التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص لتطوير فرص التوظيف؟
أقرت مؤسسات دولية مثل منظمة العمل الدولية ومنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، بضرورة تعزيز التعاون بين خدمات التوظيف العامة والخاصة لتحسين التوافق بين العرض والطلب على العمالة ودعم الاندماج فى سوق العمل.
ويعمل أعضاء اتحاد التوظيف العالمى كشركاء موثوقين لدعم التحولات الكبرى فى أسواق العمل، بما فى ذلك معالجة نقص المهارات، وتوفير الاستقرار فى أوقات عدم الوضوح الاقتصادى، والتعامل مع التحولات التكنولوجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعى، مع الالتزام بمدونة أخلاقية تضمن استخداما إنسانيا ومسؤولا لهذه التقنيات.
كما تمثل مبادرات الشراكات الدولية للمواهب، مثل منصة المواهب الأوروبية، أدوات فعالة لمعالجة نقص المهارات وتعزيز حركة العمالة، وتؤدى مصر دورا مهما فى هذا الإطار من خلال مواءمة قواها العاملة الماهرة مع احتياجات سوق العمل الأوروبى، بدعم من قطاع خدمات التوظيف الخاص بوصفه عاملا رئيسيا فى سوق العمل.
ما تقييمكم لانعقاد الدورة الثالثة من المؤتمر العالمى لسوق العمل، وما أهم الرسائل التى يجب توجيهها؟
يعتبر المؤتمر العالمى لسوق العمل محطة سنوية مهمة للتعاون الدولى من أجل تطوير أسواق عمل أكثر قدرة على المنافسة والاحتواء، من وجهة نظر قطاع خدمات التوظيف، تتضمن المقومات الأساسية لأسواق العمل الفعالة: المرونة فى السوق، الاستفادة من التحول الرقمى والتقنى، تسهيل حركة العمالة، وترسيخ ممارسات التوظيف العادلة، وتشكل حركة العمالة ومسارات الهجرة المنظمة أدوات أساسية لتحقيق التوازن بين العرض والطلب فى سوق العمل، ولمساعدة المؤسسات فى الوصول إلى الكفاءات التى تحتاجها لتحقيق نمو مستمر.

بيتينا-شالر

بيتينا شالر رئيسة الاتحاد العالمي للتوظيف