تثير التجربة السياسية لجماعة الإخوان الإرهابية تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بين التنظيم والمجتمع، ومدى اعتراف الجماعة باستقلال المواطنين وحقهم في تبني خيارات سياسية مختلفة عن المشروع الذي تطرحه.
وتتمثل إحدى الإشكاليات الرئيسية في مفهوم الوصاية السياسية، الذي يقوم على افتراض امتلاك جماعة منظمة رؤية أكثر صوابا للمصلحة العامة، بما يمنح قيادتها شعورا بأحقيتها في توجيه المجتمع وتحديد أولوياته.
ويختلف هذا التصور عن الممارسة الديمقراطية التي تقوم على التنافس بين البرامج السياسية، والاعتراف بحق المواطنين في الاختيار والمحاسبة وتغيير السلطة.
وتتحول الوصاية إلى أزمة عندما يجري تفسير رفض المجتمع لمشروع سياسي باعتباره نتيجة ضعف الوعي أو عدم إدراك المصلحة العامة، بدلا من الاعتراف بأنه تعبير مشروع عن اختلاف المصالح والتوجهات.
التنظيم والدولة.. صراع المرجعيات
تمثل العلاقة بين الهياكل التنظيمية المغلقة ومؤسسات الدولة إحدى أبرز القضايا التي ظهرت في النقاشات المتعلقة بتجربة حكم الإخوان في مصر بين عامي 2012 و2013.
فوجود قيادة تنظيمية تمتلك سلطة توجيه الأعضاء يثير تساؤلات بشأن استقلال المسؤولين المنتمين إليها عندما يتولون مناصب عامة، وحدود التزامهم بالمؤسسات الدستورية مقارنة بالتزاماتهم الداخلية.
وتصبح هذه الإشكالية أكثر تعقيدا عندما تتداخل المصلحة التنظيمية مع المصلحة العامة، أو عندما تستخدم الأغلبية الانتخابية لتبرير قرارات لا تحظى بتوافق مجتمعي واسع.
وقد شكل الإعلان الدستوري الصادر في نوفمبر 2012، خلال رئاسة محمد مرسي، إحدى المحطات التي فجرت خلافات سياسية وقانونية واسعة بشأن حدود السلطة التنفيذية واستقلال المؤسسات.
المواطن ليس تابعا لأي جماعة
يقوم مفهوم المواطنة على أن المصريين أصحاب الحق الأصيل في تحديد مستقبل دولتهم، وأن الأحزاب والجماعات السياسية أدوات للتعبير عن مصالح المواطنين وليست جهات وصاية عليهم.
ولا تمتلك أي جماعة الحق في الادعاء بأنها الممثل الوحيد للشعب أو الأقدر على تفسير إرادته، لأن التمثيل السياسي يستمد مشروعيته من القواعد الدستورية والانتخابية وليس من الادعاءات الفكرية أو الدينية.
وتؤكد التجارب السياسية أن تجاهل التعددية يؤدي إلى اتساع فجوة الثقة بين القوى الحاكمة والمجتمع، خاصة عندما تتحول المنافسة السياسية إلى صراع حول شرعية وجود الأطراف الأخرى.
ومن هنا تبرز أهمية ترسيخ فكرة أن الدولة تتسع لجميع المواطنين، وأن الاختلاف مع أي تنظيم سياسي لا ينتقص من الوطنية أو الحقوق الدستورية.
قال طارق البشبيشي، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، إن خطاب الوصاية السياسية يمثل أحد أبرز الإشكاليات المرتبطة بفكر جماعة الإخوان الإرهابية، موضحا أن أي تنظيم يعتبر نفسه الأقدر على تحديد مصالح المجتمع يواجه أزمة حقيقية في فهم التعددية السياسية.
وأضاف أن المجتمع المصري يمتلك تنوعا فكريا وسياسيا واجتماعيا لا يمكن اختزاله في مشروع جماعة واحدة، وأن محاولات احتكار تمثيل المواطنين تؤدي إلى تعميق الانقسام وإضعاف الثقة بين الأطراف السياسية.
وأوضح أن تجربة حكم الإخوان كشفت أهمية الفصل بين الالتزامات التنظيمية والمسؤوليات الدستورية، لأن إدارة الدولة تتطلب مؤسسات تعمل وفقا للقانون وتخضع للمساءلة العامة، وليس وفقا لتوجيهات هياكل سياسية مغلقة.
وأشار إلى أن الاختلاف مع الجماعة أو رفض مشروعها السياسي لا يجوز تفسيره باعتباره نقصا في الوعي، مؤكدا أن حرية المواطنين في اختيار توجهاتهم تمثل أساس أي نظام سياسي يقوم على المشاركة والمحاسبة.
وأكد أن الدولة الوطنية تستند إلى مبدأ المساواة بين المواطنين، وأن الشرعية السياسية لا تنشأ من ادعاء امتلاك الحقيقة، وإنما من احترام المؤسسات والقانون والإرادة الشعبية.