لا يتوقف تأثير الانضمام إلى جماعة الإخوان الإرهابية عند حدود الاقتناع بأفكارها أو المشاركة في أنشطتها، بل قد يمتد إلى إعادة تشكيل هوية الفرد وطريقة نظرته إلى نفسه وإلى المجتمع المحيط به.
ففي التنظيمات المغلقة، يمكن أن يتحول الانتماء إلى مصدر أساسي للشعور بالقيمة والمكانة، ويصبح الفرد أكثر ارتباطا بالدائرة التنظيمية التي ينتمي إليها مقارنة بعلاقاته الاجتماعية الطبيعية.
وتزداد خطورة هذه الحالة عندما يُربط التميز الشخصي بمدى القرب من الجماعة، فيشعر العضو بأنه ينتمي إلى مجموعة تمتلك وعيا خاصا ومهمة استثنائية، وأن بقية المجتمع لا يدرك حقيقة ما يجري.
شهادات المنشقين.. كيف تتشكل النظرة إلى الآخرين؟
تكتسب شهادات المنشقين عن التنظيمات المغلقة أهمية خاصة في فهم الآليات النفسية والاجتماعية التي تحكم علاقة العضو بالجماعة، لأنها تتيح دراسة التجربة من الداخل، ومقارنة التصورات التي كان يتبناها الفرد أثناء انتمائه بما توصل إليه بعد الابتعاد عن التنظيم.
ومن أبرز الأسئلة التي تطرحها هذه التجارب: هل كان العضو ينظر إلى نفسه باعتباره مواطنا بين مواطنين متساوين، أم باعتباره جزءا من مجموعة أكثر وعيا وتميزا؟ وهل كان يقيس قيمة الآخرين على أساس مواقفهم وأخلاقهم وكفاءتهم، أم على أساس قربهم من المشروع التنظيمي؟
وتكشف هذه الأسئلة أهمية مراجعة الخطاب الداخلي للجماعة، ومدى تأثيره في تشكيل علاقة الأعضاء بالمجتمع.
من الشعور بالتميز إلى العزلة الاجتماعية
تقوم بعض آليات الاستقطاب التنظيمي على تعزيز الروابط الداخلية بين الأعضاء، وهو أمر قد يبدو في بدايته شكلا من أشكال التضامن الاجتماعي، لكنه يصبح إشكاليا عندما يتحول إلى وسيلة لعزل العضو فكريا عن المحيط الخارجي.
فكلما ازدادت مركزية الجماعة في حياة الفرد، تراجعت مساحة المصادر المستقلة التي يستقي منها معلوماته، وأصبح أكثر اعتمادا على التفسيرات التي تقدمها الدائرة التنظيمية للأحداث والأشخاص والمواقف.
وقد يؤدي ذلك إلى بناء تصورات مسبقة عن المختلفين، بحيث يصبح تقييم الآخرين مرتبطا بمواقفهم من الجماعة، وليس بقدراتهم أو سلوكهم أو ما يقدمونه للمجتمع.
الخروج من التنظيم.. إعادة اكتشاف المجتمع
يمثل الانشقاق عن التنظيم نقطة تحول مهمة في حياة بعض الأعضاء السابقين، إذ يواجه الفرد تحديا يتعلق بإعادة بناء علاقته بالمجتمع خارج الإطار الذي اعتاد أن يرى العالم من خلاله.
وتبدأ هذه المراجعة بطرح أسئلة حول طبيعة العلاقة بين الدين والتنظيم، وحدود الطاعة، وحق الفرد في الاختلاف، ومدى صحة التصورات التي جرى ترسيخها بشأن المجتمع والمخالفين.
كما تكشف هذه التجارب أن استعادة الاستقلال الفكري لا تتعلق فقط بترك العضوية، وإنما تحتاج إلى مراجعة طويلة للمفاهيم والأفكار التي تشكلت خلال سنوات الانتماء.
الفوقية التنظيمية تصنع عزلة نفسية بين أعضاء الإخوان الإرهابية والمجتمع
قال محمد ربيع الديهي، الخبير السياسي، إن دراسة ظاهرة الانغلاق داخل جماعة الإخوان الإرهابية تكشف أهمية العلاقة بين الانتماء التنظيمي وتشكيل الهوية الشخصية للأعضاء، موضحا أن التنظيمات المغلقة قد تعمل على بناء روابط داخلية قوية تجعل العضو أكثر ارتباطا بالدائرة التنظيمية مقارنة بمحيطه الاجتماعي الأوسع.
وأضاف أن خطورة هذه الحالة تظهر عندما يتحول الانتماء إلى مصدر أساسي للشعور بالقيمة والمكانة، ويبدأ الفرد في تقييم نفسه والآخرين وفقا لموقعهم من التنظيم، بدلا من الاعتماد على معايير الكفاءة والسلوك والقدرة على المشاركة في المجتمع.
وأوضح أن شهادات المنشقين تمثل مدخلا مهما لفهم طبيعة هذه الظاهرة، لأنها تكشف الفارق بين التصورات التي كان العضو يتبناها أثناء الانتماء والمراجعات التي يجريها بعد الابتعاد عن التنظيم.
وأكد أن المواطنة الحقيقية تقوم على المساواة بين المواطنين واحترام الاختلاف، وأن أي محاولة لبناء حواجز نفسية بين أعضاء التنظيم وبقية المجتمع تمثل عائقا أمام التعددية والتعايش.