كذبة تمثيل الدين والمجتمع.. كيف احتكرت جماعة الإخوان الإرهابية الحديث باسم الإسلام والمصريين وأقامت مشروعها على فكرة الصفوة التنظيمية التي ترى نفسها الأحق بالقيادة والتوجيه وامتلاك القرار؟

الجمعة، 06 نوفمبر 2026 10:00 م
كذبة تمثيل الدين والمجتمع.. كيف احتكرت جماعة الإخوان الإرهابية الحديث باسم الإسلام والمصريين وأقامت مشروعها على فكرة الصفوة التنظيمية التي ترى نفسها الأحق بالقيادة والتوجيه وامتلاك القرار؟ الاخوان

كتب عزوز الديب

من أخطر الأفكار التي حاولت جماعة الإخوان الإرهابية ترسيخها في خطابها العام الربط بين هويتها التنظيمية والدين الإسلامي، بما يصنع انطباعا بأن الجماعة ليست مجرد تنظيم سياسي أو حركة ذات أفكار واجتهادات بشرية، وإنما تمثل الإسلام في صورته السياسية والاجتماعية.

وتكمن خطورة هذا الخلط في أنه يمنح التنظيم مساحة معنوية تتجاوز حجمه الطبيعي، ويجعل الاعتراض على مواقفه قابلا للتصوير باعتباره اعتراضا على الدين، رغم أن الجماعة تظل كيانا بشريا له أفكاره وقياداته وحساباته وأخطاؤه ومصالحه.

فالإسلام أوسع من أن تحتكره جماعة، والمجتمع المصري أكبر من أن تختزله حركة سياسية، والتدين لا يعني بالضرورة الانتماء إلى تنظيم أو تبني مشروعه.

الصفوة المحتكرة.. منطق الجماعة في التعامل مع المجتمع

تقوم فكرة الصفوة التنظيمية على تصور أن هناك مجموعة محددة تمتلك الوعي والرؤية والقدرة على قيادة المجتمع، بينما يحتاج بقية المواطنين إلى من يوجههم ويحدد لهم الطريق.

وفي هذا الإطار، لا يصبح التفوق مرتبطا بالعلم أو الكفاءة أو الإنجاز أو القدرة على خدمة الناس، وإنما قد يرتبط بالانتماء إلى الدائرة التنظيمية ومدى الالتزام بقواعدها.

وهنا يظهر التناقض بين مفهوم المواطنة الذي يقوم على المساواة، وبين منطق التنظيم المغلق الذي يمنح أعضاءه مكانة خاصة على أساس الانتماء والولاء.

فالمواطن الذي لا ينتمي إلى الجماعة لا تقل قيمته أو وعيه أو حقوقه عن عضو فيها، كما أن رفض مشروع سياسي لا يعني رفض الدين أو معاداة المجتمع.

احتكار التمثيل.. كيف تختزل الجماعة مجتمعا متنوعا؟

لا يمكن لأي تنظيم سياسي أن يدعي امتلاك تمثيل حصري للمجتمع، فالمصريون ينتمون إلى اتجاهات فكرية واجتماعية وسياسية متعددة، ولديهم رؤى مختلفة بشأن مستقبل الدولة وأولوياتها.

لكن خطاب الاحتكار يسعى إلى تقديم الجماعة باعتبارها التعبير الأكثر اكتمالا عن هوية المجتمع، وهو ما يضعف الاعتراف بالتعددية، ويحول المنافسة السياسية إلى محاولة لإثبات من يمتلك الحق في الحديث باسم المواطنين.

وتكمن المشكلة في أن تمثيل المجتمع لا يُكتسب عبر الشعارات أو الادعاءات، وإنما من خلال الإرادة الحرة للمواطنين، والقبول بالتنافس، والخضوع للمحاسبة، واحترام الاختلاف.

التنظيم قبل الوطن.. عندما تتقدم المصلحة الحركية

من أبرز الإشكاليات المرتبطة بفكرة الصفوة التنظيمية احتمال تقديم الولاء للجماعة على الاعتبارات الوطنية الأوسع، بحيث تصبح حسابات التنظيم وأولوياته مرجعا لتقييم المواقف والأحداث.

وتظهر خطورة ذلك عندما تتراجع مساحة التفكير المستقل لصالح الالتزام بالرؤية الجماعية، وعندما يصبح السؤال الأساسي هو مدى توافق الموقف مع توجهات التنظيم، بدلا من البحث عن مدى توافقه مع مصلحة الدولة والمجتمع.

فالمواطنة تقتضي أن يكون الانتماء الوطني هو الإطار الجامع الذي يستوعب الاختلافات، بينما يؤدي الانغلاق التنظيمي إلى خلق دوائر من الولاء قد تتعارض مع مقتضيات المصلحة العامة.

الدين في مواجهة التوظيف السياسي

يمثل توظيف الدين في الصراعات السياسية أحد أخطر مداخل التأثير على وعي المواطنين، خصوصا عندما يجري تقديم الاختيارات التنظيمية باعتبارها واجبا دينيا، أو تصوير الخلاف السياسي باعتباره خلافا عقائديا.

وهذا الأسلوب يضعف قدرة المواطنين على تقييم البرامج والأفكار بصورة موضوعية، لأنه ينقل النقاش من مساحة السياسة والمصالح والنتائج إلى مساحة المشاعر الدينية والالتزامات المعنوية.

والأصل أن تظل الجماعات السياسية خاضعة للنقد والمراجعة والمحاسبة، مثلها مثل أي كيان بشري، دون أن يمنحها استخدام الخطاب الديني حصانة من المساءلة.

تفكيك الوهم.. المجتمع لا يحتاج إلى وصاية

إن تفكيك فكرة احتكار الدين وتمثيل المجتمع يبدأ من استعادة مجموعة من الحقائق الأساسية: لا توجد جماعة سياسية تمتلك الحقيقة المطلقة، ولا يحق لتنظيم أن ينصب نفسه وصيا على المواطنين، ولا يمكن قياس وطنية الإنسان أو وعيه بمدى قربه من حركة أو تيار.

كما أن الكفاءة لا تقاس بالولاء التنظيمي، والاختلاف لا يعني العداء، والانتقاد لا يمثل خروجا عن الدين، والمواطنة لا تحتاج إلى شهادة انتماء من أي جماعة.

وتكشف هذه المعادلة جوهر الأزمة في فكرة الصفوة المحتكرة؛ فهي لا تتعلق فقط بمحاولة الوصول إلى السلطة، وإنما بتصور يجعل التنظيم مركزا للحقيقة والقرار والتمثيل، ويضع المجتمع في موقع المتلقي الذي ينتظر التوجيه.

لا جماعة تحتكر الدين ولا تنظيم يمثل المصريين وحده

تظل المواطنة والتعددية واحترام إرادة المواطنين هي الأساس الذي يجب أن تقوم عليه العلاقة بين أي تيار سياسي والمجتمع، بعيدا عن ادعاءات امتلاك الحقيقة أو احتكار التمثيل.

فالدين لا تختزله جماعة، والوطن لا يحتكره تنظيم، والشرعية لا تصنعها الشعارات، وإنما ترتبط بحقوق المواطنين وإرادتهم الحرة وقدرتهم على الاختيار والمحاسبة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة