"دولة موازية داخل الإخوان" من يحكم التنظيم ويحاسب قياداته؟.. باحث يكشف كواليس الصراع على النفوذ والتمويل ومراكز القرار.. هيكل مغلق يُعطل تداول السلطة ويُهمش الكفاءات ويبقي الانقسامات رهينة صراع المصالح والقيادة

الجمعة، 06 نوفمبر 2026 02:00 م
"دولة موازية داخل الإخوان" من يحكم التنظيم ويحاسب قياداته؟.. باحث يكشف كواليس الصراع على النفوذ والتمويل ومراكز القرار.. هيكل مغلق يُعطل تداول السلطة ويُهمش الكفاءات ويبقي الانقسامات رهينة صراع المصالح والقيادة الاخوان الارهابية

كتبت: منة الله حمدى

لا تتوقف أزمة جماعة الإخوان الإرهابية عند تعدد الجبهات وتنازع القيادات على النفوذ، بل تمتد إلى طبيعة البناء التنظيمي وآليات اتخاذ القرار وحدود مشاركة الأعضاء في رسم مستقبل الجماعة ومحاسبة المسؤولين عنها، فالتنظيم الذي اعتمد لعقود على هيكل إداري متدرج ومراكز قيادية محددة، يواجه، وفق تحليلات وشهادات منشورة، تساؤلات بشأن مدى قدرته على تجديد قياداته واستيعاب الكفاءات وإدارة الخلافات بعيدًا عن الصراع على الشرعية والموارد.

وفي هذا السياق، تكشف تصريحات طارق البشبيشي، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، لـ"اليوم السابع" عن أبعاد الأزمة التنظيمية، إذ يرى أن فهم ما يجري داخل الجماعة يتطلب النظر إلى العلاقة بين القيادة والتمويل ومراكز النفوذ، بدلًا من التعامل مع الانقسامات باعتبارها خلافات فكرية بالضرورة.

هيكل مغلق ومراكز متعددة لصناعة القرار

قال طارق البشبيشي إن طبيعة البناء التنظيمي لجماعة الإخوان تقوم على مستويات إدارية ودوائر داخلية متدرجة، ترتبط فيها المسؤوليات بمراكز قيادية تتولى توجيه العمل التنظيمي. فإن السرية والانضباط والثقة في القيادة كانت عناصر أساسية في تشكيل العلاقة بين العضو والتنظيم، مع توزيع الأدوار بما يجعل الاطلاع على تفاصيل العمل متفاوتًا بين المستويات المختلفة.

طارق البشبيشي الباحث في شؤون الحركات المتطرفة 


وتكمن أهمية هذا البناء في السؤال المتعلق بحدود الرقابة على أصحاب القرار؛ فوجود هيكل إداري متماسك لا يعني بالضرورة وجود آليات فعالة للمحاسبة أو تداول المسؤولية. وعندما تتركز سلطة التوجيه في دوائر محدودة، تصبح قدرة بقية المستويات على مراجعة القرارات أو الاعتراض عليها مرتبطة بطبيعة القواعد التنظيمية ومدى تقبل القيادة للنقد.

وأوضح البشبيشي، في معرض حديثه عن البنية الداخلية للجماعة، أن الثقة والطاعة والالتزام التنظيمي تمثل عناصر مهمة في اختيار الكوادر وتحديد مواقعها، وهي آليات يرى أنها أسهمت في ترسيخ الانضباط، لكنها تثير في الوقت نفسه تساؤلات بشأن مساحة التفكير المستقل وإمكانية مراجعة الخيارات القيادية.

تداول السلطة.. أزمة تتجاوز أسماء القيادات

وأضاف البشبيشي أن الخلافات بين جبهات الجماعة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التنافس على القيادة ومصادر التمويل والقدرة على إصدار القرارات، مشيرًا إلى أن تعدد الأطراف التي تقدم نفسها باعتبارها الممثل الشرعي للتنظيم يعكس أزمة في آليات حسم النزاعات الداخلية.

وتظهر هذه الأزمة بوضوح في الخلافات التي برزت بين قيادات الجماعة في الخارج، حيث لم يعد النزاع مقتصرًا على تحديد المسؤوليات الإدارية، بل امتد إلى امتلاك المنابر الإعلامية وشبكات العلاقات والموارد المالية التي تمنح كل جبهة قدرة أكبر على التأثير.

وأشار البشبيشي إلى أن بعض القيادات سعت إلى بناء دوائر نفوذ مستقلة نسبيًا، تستند إلى العلاقات الشخصية والمصالح المالية وشبكات التواصل الممتدة عبر دول مختلفة، وهو ما أسهم في تعدد مراكز التأثير داخل التنظيم.

وتكشف هذه التطورات عن فارق جوهري بين تداول السلطة وفق قواعد مؤسسية معلنة، وبين إعادة توزيع النفوذ نتيجة الصراعات الداخلية؛ فالأول يقوم على إجراءات واضحة للمراجعة والمساءلة وتحديد المسؤوليات، بينما قد يؤدي الثاني إلى استمرار الأزمة حتى مع تغير الأشخاص المتصدرين للمشهد.

المال ومراكز النفوذ.. من يملك الموارد يمتلك التأثير

وأشار البشبيشي إلى أن التمويل أصبح أحد المحاور الرئيسية لفهم الصراع بين أجنحة الجماعة، إذ ترتبط القدرة على إدارة الموارد بتمويل المنصات الإعلامية، والحفاظ على شبكات التواصل، وتوفير احتياجات النشاط التنظيمي. إن التنافس على الموارد لم يعد منفصلًا عن الصراع على القيادة، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في إعادة تشكيل موازين القوة داخل التنظيم.

وأضاف أن تعدد الواجهات والكيانات التي تتحرك من خلالها بعض دوائر الجماعة يزيد من تعقيد تحديد مراكز النفوذ، خصوصًا عندما تتداخل العلاقات الشخصية والمصالح المالية مع الأدوار التنظيمية. وتبرز هنا أهمية الشفافية المالية والإدارية في أي كيان يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره مؤسسة قادرة على إدارة شؤونه ومراجعة قراراته.

وأشار طارق؛ إلى أن هذه الصورة إلى أن غياب قواعد معلنة لتوزيع الموارد وتقييم الأداء قد يجعل النفوذ مرتبطًا بقدرة الأطراف المتنافسة على الاحتفاظ بمصادر التمويل وشبكات العلاقات، بدلًا من ارتباطه بمعايير واضحة للكفاءة أو المسؤولية. غير أن إثبات وجود مخالفات مالية محددة يظل بحاجة إلى مستندات وأحكام قضائية أو أدلة مستقلة، ولا يكفي فيه مجرد تبادل الاتهامات بين الأطراف المتصارعة.

غياب المحاسبة.. لماذا تتراجع فرص الإصلاح الداخلي؟

وفيما يتعلق بالمحاسبة، قال البشبيشي: أن التنظيم المغلق طرح تساؤلًا حول قدرة الأعضاء على مساءلة القيادات عن القرارات التي تتخذها، خصوصًا في أوقات الأزمات والانقسامات. فالمحاسبة المؤسسية تتطلب قواعد محددة لاختيار المسؤولين، وتقييم أدائهم، ومراجعة القرارات، وإتاحة الاعتراض دون أن يتحول الخلاف إلى صراع على الولاء والانتماء.

وأشار البشبيشي إلى دراسة تحليلية نشرها المركز العربي بواشنطن عن المشكلات والانقسامات داخل جماعة الإخوان في مصر، أشار الباحثون إلى مركزية صنع القرار، وضعف الشفافية والمساءلة الداخلية، وتأثير ثقافة الولاء والطاعة في قدرة الأعضاء على الاعتراض على القيادات. كما تناولت الدراسة انعكاسات اعتقال عدد من القيادات عقب عام 2013 على تماسك الهيكل التنظيمي وقدرته على الاستجابة للتطورات.

وأكد البشبيشي إتفاق هذه الدراسة مع ما تكشفه الانقسامات المتكررة من صعوبة حسم الخلافات عبر آليات تحظى بقبول جميع الأطراف. فعندما تتنازع أكثر من جبهة شرعية تمثيل التنظيم، ولا توجد قواعد متفق عليها لحسم النزاع، تصبح كل تسوية مؤقتة معرضة للانهيار مع ظهور خلاف جديد حول القيادة أو التمويل أو توزيع المسؤوليات.

وتابع البشيبيشي؛ أن غياب المحاسبة لا ينعكس فقط على إدارة الخلافات، بل يمتد إلى فرص الإصلاح؛ لأن أي مراجعة جادة تحتاج إلى الاعتراف بالأخطاء وتحديد المسؤولية عنها، وهو ما يصعب تحقيقه عندما تكون الأولوية للحفاظ على مواقع النفوذ بدلًا من تقييم التجربة التنظيمية.

الكفاءات خارج دائرة القرار

وأكد البشبيشي أن الالتزام التنظيمي والطاعة يمثلان عنصرين مؤثرين في تشكيل الكوادر وتحديد أدوارها. ويثير ذلك تساؤلًا بشأن موقع أصحاب الخبرات والرؤى المستقلة داخل هيكل لا تتساوى فيه بالضرورة قيمة الكفاءة مع مستوى الالتزام بتوجيهات القيادة. فالمؤسسات التي تتيح تداول المسؤولية تستفيد من اختلاف وجهات النظر، وتمنح أصحاب الخبرة فرصة المشاركة في صنع القرار، وتسمح بمراجعة السياسات عند ظهور نتائج سلبية. أما حين تتقدم اعتبارات الولاء على القدرة على الإنجاز، فقد تتراجع فرص الاستفادة من الكفاءات، ويصبح تجديد القيادة مرتبطًا بإعادة توزيع المواقع داخل الدوائر القائمة، بدلًا من فتح المجال أمام أفكار جديدة.

الانقسامات تكشف أزمة بنيوية

وكشف البشبيشي عن أزمة تتجاوز أسماء القيادات المتنافسة؛ إذ تتصل بطبيعة الهيكل التنظيمي، ومركزية القرار، والعلاقة بين التمويل والنفوذ، ومدى وجود قواعد مستقرة للمحاسبة وتسوية الخلافات. مؤكدًا أن الانقسامات داخل الجماعة ترتبط في جانب أساسي منها بالتنافس على القيادة ومصادر التمويل والقدرة على اتخاذ القرار، ولا تعني بالضرورة حدوث مراجعات فكرية جوهرية.

وتبقى النقطة الأساسية أن تغيير القيادات أو ظهور جبهات جديدة لا يمثل في حد ذاته إصلاحًا تنظيميًا؛ فالإصلاح الحقيقي يتطلب قواعد واضحة للمساءلة، وإجراءات معلنة لتداول المسؤولية، وضمانات تسمح بمراجعة القرارات والاستفادة من الكفاءات.

وبين تعدد مراكز النفوذ واستمرار الخلافات، يظل السؤال الأهم: هل تستطيع جماعة اعتادت العمل من خلال هيكل مغلق أن تعيد بناء آلياتها على أساس الشفافية والمحاسبة، أم أن استمرار الصراع على القيادة والموارد سيبقي الانقسامات قائمة، مهما تغيرت الأسماء والواجهات؟.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة