لم يكن حتى أشد المتفائلين فى المعسكر الديمقراطي يتوقع المكاسب الهائلة التي حققها الحزب في انتخابات التجديد النصفي، والتي مكنته من انتزاع السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، فيما يعكس رفضًا واسع النطاق للرئيس ترامب، وذلك بعد عامين فقط من عودته إلى قلب البيت الأبيض.
حيث تعرض الحزب الجمهوري لخسائر قاسية في انتخابات التجديد النصفي، حيث تمكن الديمقراطيون من استعادة السيطرة على مجلسي الكونجرس، فتمكنوا من تأمين 54 مقعدًا في مجلس الشيوخ مقابل 44 للجمهوريين، ولم يُحسم مقعدان بعد.
وفي مجلس النواب، حصد الديمقراطيون 240 مقعدًا، مقابل 147 مقعدًا للجمهوريين، بينما لم تُحسم نتائج 48 مقعدًا بعد.
وقالت صحيفة نيويورك تايمز إن الديمقراطيين، وفي ظل مخاوف الناخبين بشأن تكاليف المعيشة، إلى جانب حالة من الاستياء العام تجاه ترامب، تمكنوا من انتزاع ما لا يقل عن سبعة مقاعد في مجلس الشيوخ، في ولايات مين وأوهايو وكارولاينا الجنوبية وكارولاينا الشمالية وتكساس وكانساس وأيوا، في ظل خريطة انتخابية كانت تبدو بالغة الصعوبة بالنسبة للحزب، وذلك وفقًا للنتائج التي تم رصدها حتى مساء الأربعاء.
الديمقراطيون يخترقون معاقل الجمهوريين التقليدية
ولم يفز ديمقراطي بمقاعد مجلس الشيوخ في معظم هذه الولايات منذ انتخاب الرئيس السابق باراك أوباما في عام 2008، أما في ولاية كانساس، فلم يحدث ذلك منذ قرابة قرن من الزمان.
وقد امتد هذا الصعود الديمقراطي إلى ولايات طالما اعتُبرت معاقل محافظة، حيث حقق الديمقراطيون انتصارات غير متوقعة في كانساس وكارولاينا الجنوبية، كما انتزعوا الفوز في تكساس، التي كانت حتى يوم الثلاثاء أكبر الولايات المحافظة من حيث عدد السكان، وتُعد رمزًا للحزب الجمهوري.
5 ولايات صوتت لترامب في 2024 تحولت إلى الديمقراطيين
وترى نيويورك تايمز أن من أبرز دلالات انتخابات التجديد النصفي لهذا العام حجم التغييرات التي طرأت خلال عامين فقط. ففي ظل هذا المناخ السياسي المنقسم، بدا في الانتخابات الأخيرة أن شريحة ضئيلة فقط من الناخبين مستعدة لتجاوز الانتماءات الحزبية، لكن انتخابات الثلاثاء بددت هذا الاعتقاد إلى حد كبير، إذ اختارت خمس ولايات، كانت قد صوتت لصالح ترامب بفارق تجاوز 10 نقاط في عام 2024، منح أصواتها للديمقراطيين.
وقد خسر الجمهوريون قطاعات رئيسية من الناخبين الذين أوصلوا ترامب إلى السلطة قبل عامين فقط. ووفقًا لبيانات تايمز فوتير تريند، فإن المجموعات التي تحولت بشكل ملحوظ نحو الديمقراطيين في الولايات السبع التي تغيرت فيها النتائج، شملت الناخبين من أصول إسبانية، والشباب دون سن الثلاثين، والبيض من الطبقة العاملة ممن لا يحملون شهادات جامعية.
خسارة سوزان كولينز تحمل دلالات خاصة
ورغم أن هذا التحول يعود إلى تحولات جذرية في توجهات الناخبين، فإن هناك حالة استثنائية واحدة، وهي ولاية مين؛ فطالما مالت هذه الولاية تاريخيًا نحو الديمقراطيين. وكانت السيناتور سوزان كولينز، الجمهورية الوحيدة التي تمثل منطقة نيو إنجلاند (التي تشمل 6 ولايات) في الكونجرس، تمثل الاستثناء؛ لذا فإن خسارتها تُعد بمثابة استفتاء على علاقتها بالرئيس ترامب أكثر من كونها تحولًا نحو الحزب الديمقراطي، علمًا بأن ترامب خسر هذه الولاية في عام 2024 بفارق سبع نقاط.
ولم يحظى الديمقراطيون بأغلبية في مجلس الشيوخ بهذا الحجم منذ عام 2014، حين كان الحزب يسيطر على 55 مقعدًا.
من ناحية أخرى، قالت صحيفة جارديان البريطانية إن الكثير من المرشحين الجمهوريين المدعومين من الرئيس ترامب قد خسروا السباقات التي خاضوها في انتخابات التجديد النصفي، مما يثير تساؤلات حول مدى تأثيره.
وأظهر تحليل أجرته الصحيفة أن عشرات المرشحين الجمهوريين الذين حظوا بدعم مباشر من دونالد ترامب قد خسروا سباقاتهم في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، وهو ما يثير تساؤلات حول فاعلية الدعم الذي يقدمه الرئيس للمرشحين الجمهوريين.
خسارة نصف مرشحي ترامب في سباقات مجلس الشيوخ
في الانتخابات السابقة، كان الحصول على دعم ترامب أمرًا مرغوبًا فيه بشدة. وفي المراحل الأخيرة من حملة هذا العام، حثّ ترامب الناخبين بوضوح على التصويت وكأنه هو نفسه مدرج على بطاقة الاقتراع.
ووفقًا للإحصاء الذي أجرته جارديان، فإنه حتى الساعات الأولى من صباح اليوم الخميس، لم يفز سوى نصف المرشحين الـ26 الذين دعمهم ترامب لعضوية مجلس الشيوخ.
أما بالنسبة للمرشحين لمنصب حاكم الولاية الذين حظوا بدعم ترامب، وعددهم 23 مرشحًا، فلم يفز منهم سوى تسعة، بينما مُني 12 آخرون بالهزيمة، في حين لا تزال نتائج سباقين اثنين غير محسومة.
مرشحو مجلس النواب يحققون نتائج أفضل نسبيًا
وكان أداء المرشحين لعضوية مجلس النواب الذين دعمهم ترامب أفضل نسبيًا، حيث فاز نحو 60% منهم، رغم أن العديد منهم في الدوائر الانتخابية التنافسية قد خسروا سباقاتهم.
وبشكل إجمالي، خسر حتى الآن 46 مرشحًا لعضوية مجلس النواب ممن حظوا بدعم ترامب، ويبدو أن تراجع معدلات تأييده الشعبي قد بات يشكل تحديًا لنفوذه وتأثيره من خلال دعمه العلني للمرشحين الجمهوريين.
وتعليقاً على نتائج الانتخابات، قالت صحيفة فاينانشيال تايمز الموجة الزرقاء التي اجتاحت مجلسي الكونجرس هي انتصار لافت للديمقراطيين الأمريكيين، والأهم من ذلك، أنها تمثل انتصارًا تاريخيًا للديمقراطية الأمريكية، معتبرة أنها بمثابة بداية النهاية لعصر ترامب.
الموجة الزرقاء تعكس رفضًا شعبيًا غير مسبوق لترامب
وفي افتتاحيتها عن نتائج الانتخابات النصفية، قالت الصحيفة إنه منذ تنصيب دونالد ترامب رئيسًا، تعرضت آليات الضبط والتوازن في نظام الحكم الأمريكي لضغوط غير مسبوقة، مدفوعةً بالنزعات السلطوية للرئيس. لذلك، فإن الرد الذي وجهه الأمريكيون عبر صناديق الاقتراع يؤكد أن الركائز الأساسية للديمقراطية لا تزال صامدة؛ وهو ما يفتح الباب -إذا ما أحسن الديمقراطيون استغلال الفرصة، وإذا ما استعاد الجمهوريون صوابهم- للبدء في إصلاح النظام السياسي الأمريكي.
لقد واجه رؤساء أمريكيون سابقون انتكاسات قاسية في انتخابات التجديد النصفي؛ بدءًا من خسارة جورج دبليو بوش السيطرة على مجلسي الكونجرس عام 2006 على خلفية حرب العراق، وصولًا إلى الهزيمة الساحقة التي مني بها باراك أوباما في عام 2010. لكن سيطرة الديمقراطيين على كلا المجلسين، وما حققوه من مكاسب واسعة حتى في معاقل جمهورية ظلت راسخة لعقود -مثل تكساس وكنساس- هي أقوى تعبير عن رفض شعبي لرئيس في منصبه هو الأشد منذ عام 1994 على الأقل.