جلس الشيخ محمد رفعت كعادته أمام الميكرفون بمسجد «فاضل باشا» يوم، 5 نوفمبر، مثل هذا اليوم، 1942، وأرهف بجوار أجهزة الراديو ملايين من أنحاء العالم الإسلامى ليستمعوا إليه وهو يرتل القرآن الكريم بصوته الساحر، وفقا لمجلة «آخر ساعة» فى عددها رقم 772، الصادر فى 10 أغسطس 1949، مضيفة: «الشيخ فى تلك المرة لم يستطع القراءة فقد احتبس صوته الذهبى على أثر إصابته بالزغطة اللعينة».
كان الكاتب، الناقد الموسيقى، المؤرخ الفنى كمال النجمى شاهدا على هذا الحدث المشؤوم، ويكشف تفاصيله فى مقاله «أعظم صوت أحيا ليالى رمضان»، بمجلة «الكواكب، عدد 853، يوم 5 ديسمبر 1967، قائلا، إنه بعد مجيئه للقاهرة من قريته بالصعيد، مشى على قدميه صباح يوم جمعة، يسأل الناس عن مسجد «فاضل باشا»، حتى وصل وجلس على مقربة من الشيخ محمد رفعت ليستمع إلى «أعظم القارئين جميعا».
يصف «النجمى» صوت رفعت، قائلا: «لم أسمع طوال حياتى صوتا ضيق الحجم، خافتا كصوت الشيخ رفعت، يحتوى برغم ضيق حجمه وخفوته على ثمانى عشرة درجة موسيقية، أو ثمانية عشر مقاما موسيقيا سليما، ويمتد على قسمين كاملين من أقسام الأصوات الرجالية الثلاثة المعروفة عند الموسيقيين، وله فوق هذا كله استعارة صوتية عجيبة تتألف وحدها من ثلاث درجات موسيقية ساحرة، ما سمعنا مثلها حتى يومنا هذا، فاجتمعت بذلك لصوته العبقرى مساحة موسيقية هائلة تضم واحد وعشرين مقاما تقريبا، منطوية فى ذلك الحجم الضيق، كما تنطوى الطاقات الهائلة فى الذرة الصغيرة».
يضيف «النجمى»: «بهر الشيخ رفعت معاصريه، وملأ دنياه وشغل سماعيه، ولكنه كقارئ، لم يكن موهبة صوتية باهرة فحسب، بل كان فى الحقيقة إنسانا مخصوصا لقراءة القرآن - إن صح هذا التعبير - كأنما وجد فى الدنيا ليتلو القرآن، ويرتله على الناس ترتيلا، عارضا عليهم معانيه وألفاظه من جديد، وكان حين التلاوة يضع قلبه فى معانى آياته، وروحه فى حروف كلماته، متدبرا ما يتلو تدبر المؤمن الورع، كأنه يرفع أمام بصيرته فى كل وقت هذا السؤال القرآني:»أفلا يتدبرون القرآن؟»، إذا تلا آية من آيات الثواب والرحمة رفع صوته عندها فرحان مستبشرا كأنه يستقبل رائحة الجنة، وإذا مر بآية من آيات العقاب والنقمة، سرت فى صوته الرعدة والرجفة والخشية كأنما يخشى أن يختل توازنه فوق الصراط، وكان صوته العجيب يمثل لسامع القرآن الكريم معانى التوبة والدعاء والضراعة، والتنزيه، والتسبيح، والندم، والاستغفار، وكانت دموع قلبه تجرى فى نبرات صوته، فتلاوته حزينة باكية، ووجدانه ممتلئ بهذه الآية: «إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا»، كان صوته خاشعا دامعا حزينا، يستدر دموع السامعين، ويستحضر خشوعهم، وقد لبث يبكيهم ويرفق أفئدتهم بآيات الثواب والعقاب زمنا طويلا، حتى أبكاهم فى نهاية أمره على نفسه، وأسال دموعهم على صوته».
يتذكر»النجمى» اليوم المشئوم، قائلا: «فى المرة الأخيرة التى سمعته فيها كان يتلو سورة الكهف بمسجد فاضل باشا يوم الجمعة كعادته، فلما بلغ الآية «واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا»، غص واحتبس صوته فى كلمتين أو ثلاثة، فسكت قليلا يقاوم ماورد عليه من الغصة والاحتباس، ثم عاد يتلو تلاوة متقطعة، حتى ملأت الغصة حلقه وحبس صوته تماما، وهنا حنى الشيخ العظيم رأسه، جريح القلب، لايدرى ماذا يصنع، ثم أخرج من جيبه زجاجة صغيرة فيها سائل أحمر، يبدو أنه دواء حضره له بعض الصيادلة، فاحتسى قليلا، ثم انتظر برهة وعاد يحاول التلاوة، فأطاعه صوته فى آيتين أوثلاثة، ثم قهرته الغصة، وكسرت شوكة الدواء الأحمر، فتوقف الشيخ العظيم حائرا بعض الوقت، ثم غادر مجلسه تاركا إياه لشيخ آخر يتلو ماتيسر من السور».
يصف»النجمى» هذه اللحظة، بأنها «قاسية عنيفة اهتزت لها أعصاب الحاضرين فى المسجد، فضجوا بالبكاء، ولطم بعضهم الخدود حزنا وأسفا، وارتفع صراخ المقرئين الشبان الذين كانوا يلتفون حول الشيخ العظيم كل جمعة، ليتلقنوا بعض أسرار صناعته وفنه، وبعد الصلاة خرج الناس عيونهم فيها الدموع، وقلوبهم تحف بالشيخ الحزين، لايدرون أيواسونه أم يواسون أنفسهم؟.»
يتذكر»النجمى» أن مقرئا صغيرا كفيفا كان يحث السامعين على الانصات فى أول الأمر، ثم وقف فيهم خطيبا يحثهم على الصبر، ثم خانه صبره فجهش باكيا، وضج الناس وراءه باكين، ويعلق: «كلما سمعت شريطا مسجلا من تلاوة الشيخ رفعت، أفيق من نشوتى السماوية على ذلك المشهد التاريخى الرهيب منذ ربع قرن، فالمرض عطل تلك الأوتار السماوية، ثم أسكتها الموت «9 مايو 1950»، ولم يبق منها إلا ظل باهت يتمثل فى التسجيلات التى نسمعها، إن هذه التسجيلات على مابذل فيها من جهد ومال ليست إلا صورة مهتزة من ذلك الأصل الرائع العظيم الذى التقطت منه».
لزم الشيخ منزله مريضا، وفشلت كل محاولات علاجه، وكشف ابنه الأكبر محمد لآخر ساعة، أن والده يرفض أن يستمع إلى تسجيلاته الصوتية، لأنه كلما استمع إلى صوته يتأثر وتنهمر الدموع من عينيه كالأطفال.