-
أستاذ قانون دولي: عقود الموارد القمرية تسبق استخراجها.. ونحتاج قواعد ملزمة للتعدين الفضائي
-
أستاذ فلك: الوصول إلى ثروات الفضاء يحتاج تكنولوجيا واستثمارات وخبرات متخصصة
-
خبير قانوني: حظر تملّك القمر لا يحسم جميع تفاصيل ملكية موارده المستخرجة
-
خبير قانوني: المبادئ الدولية لا تمنح الدول النامية حصة مالية تلقائية من العوائد
-
مستشار بعلوم الفضاء: التعاون العربي والإفريقي ضرورة للانتقال من المتابعة إلى المشاركة
-
مستشار بعلوم الفضاء: وجود المياه والمعادن لا يعني جاهزية القمر والمريخ لاستيطان البشر
ثلاثة لترات من الهيليوم-3 القمري، يُفترض أن تصل إلى الأرض بحلول أبريل 2029، بهذه الكمية والمهلة أعلنت شركة «إنترلون» الأمريكية، في مايو 2025، اتفاقًا لتوريد النظير إلى برنامج النظائر بوزارة الطاقة الأمريكية، وبعد أربعة أشهر، أُعلن اتفاق مع شركة «بلو فورس» الفنلندية لشراء ما يصل إلى عشرة آلاف لتر سنويًا، للتسليم بين عامي 2028 و2037. عقود تسبق الاستخراج، وتضع موارد القمر داخل حسابات تجارية قبل إثبات القدرة على إنتاج الكميات المتعاقد عليها ونقلها إلى الأرض.
وخلف هذه الاتفاقات، يتسع سباق تشارك فيه الولايات المتحدة والصين وروسيا وشركات خاصة، بحثًا عن وجود طويل الأمد خارج الأرض، وقدرة على استخدام المياه والمعادن والغازات في دعم البعثات أو تلبية احتياجات صناعية على كوكبنا.
السباق يفتح أسئلة تتجاوز التكنولوجيا: من يملك حق استخراج هذه الموارد وبيعها؟ وما نصيب الدول التي لا تمتلك صواريخ أو برامج فضائية متقدمة؟ وهل تكفي مبادئ التعاون الدولي لضمان استفادتها من المعرفة والعوائد؟ ثم إلى أي مدى يمكن أن يتحول القمر أو المريخ إلى بيئة صالحة لإقامة البشر، بدلًا من بقائهما وجهتين للاستكشاف والتجارب؟.
من خلال الاتفاقات المعلنة والوثائق العلمية والقانونية وشهادات متخصصين، يتتبع «اليوم السابع» هذا الملف، مع التمييز بين الموارد المرصودة والاحتياطيات القابلة للاستغلال، وبين الخطط المستقبلية والإنجازات المتحققة، وبين إتاحة الفضاء لجميع الدول وامتلاك القدرة الفعلية على الوصول إليه.
عقود توريد قبل اكتمال سلسلة الإنتاج
يرتبط الاهتمام بالهيليوم-3 باستخدامات صناعية قائمة، إلى جانب الأبحاث المتعلقة بمستقبل الاندماج النووي، وتوضح «بلو فورس» أن النظير يدخل في أنظمة التبريد شديدة الانخفاض في الحرارة، اللازمة لتطوير الحواسيب الكمية وتشغيلها؛ ومن ثم لا يعتمد الطلب عليه كله على وعود إنتاج الطاقة مستقبلًا.
غير أن وجود طلب لا يحسم إمكان توفير المادة من القمر بتكلفة مجدية، فقد أوضحت «إنترلون»، عند إعلان اتفاقها مع برنامج النظائر الأمريكي، أن إنتاج ثلاثة لترات يتطلب معالجة كمية كبيرة من التربة القمرية وفصل المادة في موقعها، بدلًا من إعادة التربة إلى الأرض لمعالجتها.
وتصف الشركة الاتفاق بأنه أول شراء لبرنامج النظائر بوزارة الطاقة الأمريكية لمورد طبيعي من مصدر خارج الأرض، لكن الإعلان يظل متعلقًا بتوريد مستقبلي، ولا يعني أن الاستخراج أو التسليم قد تحققا، كما لا يقدم بمفرده تقييمًا مستقلًا لتكلفة التشغيل أو أداء المعدات.

ثروات خارج الأرض
وفي مايو 2026، أعلنت «إنترلون» حصولها على عقد بقيمة 6.9 مليون دولار من ناسا، لتطوير حزمة أجهزة تقيس الغازات في التربة القمرية وتختبر تقنيات لاستخراج الموارد، ومنها الهيليوم-3 والهيدروجين، ويكشف نطاق المشروع أن قياس الموارد واختبار وسائل الحصول عليها لا يزالان جزءًا أساسيًا من العمل الجاري.
أمريكا والصين وروسيا.. سباق الوجود الطويل
تستهدف الخطط الأمريكية تطوير وجود مستمر على القمر، تدعمه منظومات للطاقة والنقل والاتصالات والبناء واستخدام الموارد المحلية، بما يساعد على تشغيل بعثات متعاقبة والإقامة لفترات أطول، ويمهد للاستكشاف البشري للمريخ.
وفي المقابل، تستهدف الصين هبوطًا بشريًا على القمر بحلول 2030، ضمن برنامج لتطوير مركبات الإطلاق والسفر والهبوط، بينما يستهدف مشروع محطة الأبحاث القمرية الدولية إقامة نموذج أساسي قرب القطب الجنوبي بحلول 2035، يتضمن أنشطة علمية واستخدامًا للموارد المحلية، وهي أهداف معلنة ترتبط باستكمال التطوير والاختبارات، وليست منشآت اكتمل تشغيلها بالفعل.
وترتبط روسيا بالمشروع عبر تعاون مؤسسي مع الصين، يشمل مراحل التخطيط والتصميم والتطوير والتنفيذ والتشغيل. لكن وجود الشراكة لا يكفي وحده لافتراض تساوي التمويل أو المساهمات الفنية بين الطرفين، حيث تتحدد الأدوار الفعلية بما تنفذه كل دولة من مشروعات وقدرات.
ويصبح الرهان، في هذا السياق، أوسع من تحقيق هبوط منفرد؛ فهو يتعلق بامتلاك البنية التي تسمح بالعودة والإقامة والعمل، ثم استخدام جزء من الموارد المتاحة لتقليل الاعتماد على الإمدادات الأرضية.

عقود تسبق الاستخراج
المياه أولًا.. للشرب والتنفس ووقود الصواريخ
تحتل المياه موقعًا محوريًا في خطط استكشاف القمر، حيث يمكن، بعد استخراجها ومعالجتها، استخدامها للشرب ودعم الحياة، وتحليلها إلى الهيدروجين والأكسجين لتوفير مكونات للدفع الصاروخي والأكسجين القابل للتنفس.
لكن قيمة المياه لا تتحدد بمجرد رصدها، فالرواسب المتجمدة قرب القطبين موزعة بصورة معقدة، ولا تتساوى المناطق دائمة الظل في المواد الموجودة أو تركيزاتها، كما أن تشغيل منشآت الاستخراج يتطلب دراسة الطاقة وضوء الشمس والتضاريس ودرجات الحرارة وإمكان الوصول إلى المواقع.
وفي تقييم لحالة استكشاف الموارد القمرية عام 2022، شددت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية على أن الاستخراج الاقتصادي يحتاج إلى معرفة طبيعة المورد وكميته وجودته، ويظل هذا التقييم مؤرخًا ببياناته، لكنه يقدم معيارًا مهمًا: وجود مادة على القمر لا يساوي إثبات احتياطي يمكن استغلاله بربحية.
وفي مراجعة علمية للموارد القمرية، خلص الباحث إيان كروفورد إلى صعوبة تحديد مورد منفرد يكفي وحده لإطلاق صناعة استخراج، مع وجود مواد يمكن أن تدعم الأنشطة القمرية ثم اقتصادًا أوسع بين الأرض والقمر. ويبرز هنا فرق بين استخراج مورد لاستخدامه في موقعه، وتصديره إلى الأرض لتحقيق عائد تجاري.
أستاذ قانون دولي: الوقائع الاقتصادية تسبق القواعد التفصيلية
ويقول الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، عضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي، إن إبرام عقود لبيع موارد القمر قبل استخراجها بسنوات يكشف تسارع التحركات الاقتصادية، بينما لا تزال القواعد الدولية التفصيلية المنظمة للتعدين الفضائي محل نقاش.
ويضيف، في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، أن الشركات والدول القادرة على التمويل والوصول إلى الفضاء تسعى إلى ترسيخ مواقع مبكرة في السوق، مستشهدًا باتفاقات الهيليوم-3 والتعاقدات المتعلقة بتطوير تقنيات استخراجه.
ويشير مهران إلى أن قيمة اتفاق «بلو فورس» تتجاوز 300 مليون دولار، معتبرا أن هذه التعاقدات تعكس حجم الرهان التجاري، رغم عدم اكتمال إثبات الجدوى الاقتصادية لسلسلة الاستخراج والنقل.
ويرى أن التنافس يحمل خطر إعادة إنتاج أنماط من السيطرة الاقتصادية خارج الأرض، إذا أصبحت القدرة التكنولوجية وحدها العامل الحاسم في الوصول إلى الموارد وتحديد شروط استخدامها، دون ضمانات أوسع لمشاركة بقية الدول.
تملّك القمر أم امتلاك ما يُستخرج منه؟
تتمثل إحدى الإشكاليات الأساسية في التمييز بين السيادة على الجرم السماوي وملكية المواد المستخرجة منه. فالمادة الثانية من معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 تحظر التملك الوطني للقمر والأجرام السماوية بادعاء السيادة أو الاستخدام أو الاحتلال أو بأي وسيلة أخرى.
وفي المقابل، يقر القانون الأمريكي حقوقًا للمشمولين به في الموارد المستخرجة، تشمل حيازتها وامتلاكها ونقلها واستخدامها وبيعها، وفق القانون والالتزامات الدولية الأمريكية، مع نفي أن يعني ذلك ادعاء السيادة أو ملكية الأجرام السماوية ذاتها.
ويصف مهران هذه المسافة بين ملكية الجرم وملكية موارده المستخرجة بأنها منطقة خلاف قانوني تستفيد منها الشركات في ترتيب تعاقداتها، ويطالب بتطوير قواعد دولية ملزمة تنظم التعدين الفضائي، وتضمن الاستخدام السلمي، وتمنع اقتصار المنافع على من يمتلكون وسائل الوصول.
ويحذر من أن الاكتفاء بمبادئ عامة، دون ترتيبات عملية للمشاركة وتوزيع المنافع، قد يترك الدول النامية أمام مشروعات تبدأ العمل قبل أن تتحدد فرصها فيها.
«أرتميس».. مشاركة المعرفة ليست بلا استثناءات
تمثل اتفاقات «أرتميس» التزامًا سياسيًا بمبادئ لتنظيم الاستكشاف المدني واستخدام الفضاء، وتتبنى تفسيرًا يعتبر استخراج الموارد غير ممثل في ذاته لتملك وطني محظور.
وتتضمن الوثيقة التزامًا بمشاركة النتائج العلمية للأنشطة التعاونية، مع مراعاة المعلومات المملوكة والقيود ذات الصلة، لكنها تستثني عمليات القطاع الخاص من التزام المشاركة المفتوحة، إلا إذا كانت تُنفذ نيابة عن دولة موقعة، وهو ما يفتح سؤالًا بشأن وصول الدول الأقل قدرة إلى بيانات الاستكشاف التجاري.
وتطرح «مناطق الأمان» سؤالًا آخر؛ فهي تستهدف الإخطار والتنسيق لتجنب التداخل الضار بين الأنشطة، وليست إعلان سيادة على المواقع، ويظل الاختبار في تطبيقها بصورة تحمي المعدات والعمليات وتحترم في الوقت نفسه حرية الوصول، دون أن تتحول إجراءات التنسيق إلى استبعاد فعلي للمنافسين.
أستاذ فلك: التكنولوجيا تحسم فرص الاستفادة العملية
ويؤكد الدكتور أشرف تادرس، أستاذ الفلك بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن الاستفادة من موارد القمر والمريخ والكويكبات والمذنبات ترتبط بالقدرات العلمية والتكنولوجية، وما يتطلبه الوصول إلى هذه الأجرام من إمكانات متقدمة.
ويوضح، في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، أن الدول الكبرى تتمتع بأفضلية بفضل امتلاك المركبات ومنصات الإطلاق والأقمار الصناعية والتلسكوبات الفضائية، وغيرها من الأدوات التي تتيح دراسة الأجرام وتحليل مكوناتها.
ولا يقتصر الأمر، بحسب تادرس، على إرسال بعثة استكشاف، حيث يحتاج استغلال الموارد إلى تحديد مواقعها وتقييم جدواها، ثم تطوير وسائل استخراجها ونقلها واستخدامها، وهي مراحل تتطلب استثمارات ضخمة وخبرات علمية وهندسية متخصصة.
ويضيف أن الفجوة التكنولوجية تجعل فرص الاستفادة غير متكافئة، وتمنح الدول ذات البرامج الفضائية المتقدمة قدرة أكبر على تطوير المشروعات، بينما تواجه الدول النامية تحدي بناء الأدوات والخبرات اللازمة للمشاركة.

موارد محتملة واستخراجها تحد
خبير قانوني: المعاهدة تمنع السيادة ولا تحسم كل تفاصيل التعدين
من جانبه، يوضح المستشار حسام حسن الجعفري، الخبير القانوني، أن معاهدة الفضاء الخارجي تمثل الأساس الرئيسي للقانون الدولي في هذا المجال، وقد فُتحت للتوقيع في 27 يناير 1967، ودخلت حيز النفاذ في 10 أكتوبر من العام نفسه.
ويقول، في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، إن المعاهدة أرست مبادئ حرية الاستكشاف والتعاون الدولي ومنع التملك الوطني للأجرام السماوية، لكن الانتقال إلى الملكية التجارية للمواد المستخرجة يثير أسئلة لا تعالجها نصوص تفصيلية تحسم جميع صور الاستغلال.
ويشير إلى أن تفسير «أرتميس» بشأن استخراج الموارد لا يعني وجود إجماع دولي شامل على كل تفاصيل النظام القانوني، ما يجعل التمييز بين تملّك القمر أو المريخ وامتلاك المواد المستخرجة منهما نقطة محورية في النقاش.
ويرى أن التحدي يتمثل في وضع قواعد توازن بين تشجيع الاستثمار والابتكار ومراعاة مصالح بقية الدول، بدلًا من الاكتفاء بحظر إعلان السيادة على الجرم السماوي.
الدول النامية.. منفعة مشتركة دون حصة مالية تلقائية
ويؤكد الجعفري أن المادة الأولى من المعاهدة تقرر أن استكشاف الفضاء واستخدامه يجب أن يكونا لمصلحة جميع البلدان، بصرف النظر عن مستوى تطورها الاقتصادي أو العلمي، وعلى أساس المساواة ووفقًا للقانون الدولي.
لكن هذا المبدأ، بحسب شرحه، لا ينشئ بذاته نظامًا محددًا لتوزيع الأرباح التجارية، ولا يقرر نسبة ثابتة أو حصة مالية تلقائية لكل دولة نامية من عوائد المشروعات.
ويتسق ذلك مع إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن التعاون الفضائي لعام 1996، الذي يؤكد مراعاة احتياجات الدول النامية، وبناء القدرات وتبادل الخبرات والمعرفة، مع ترك شروط المشاركة للتوافق العادل والمقبول بين الأطراف.
ومن هنا، يدعو الجعفري إلى اتفاقات وبرامج أكثر وضوحًا للتدريب والشراكات البحثية وإتاحة فرص المشاركة، مؤكدًا أن عدالة الاستفادة لا تتحقق بإتاحة نظرية للفضاء، بينما تظل أدوات الوصول والعمل فيه محصورة لدى عدد محدود من الدول.
التعاون ونقل التكنولوجيا.. ما الذي تلزم به النصوص؟
ويشير الجعفري، إلى أن المادة الثالثة تربط الأنشطة الفضائية بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فيما تؤكد المادة التاسعة التعاون والمساعدة المتبادلة ومراعاة مصالح الدول الأخرى وتجنب التلوث الضار.
وتوفر هذه المبادئ، أساسًا للمطالبة بتعاون علمي وتكنولوجي أوسع، لكنها لا تعني وجود التزام عام ومحدد بنقل جميع التقنيات المتقدمة أو توزيع الأرباح على الدول الأقل نموًا.
ولتحويلها إلى منافع ملموسة، يطالب ببرامج تتيح تطوير البنية البحثية وتدريب الكوادر والمشاركة في المشروعات الدولية، مع مراعاة الالتزامات القانونية وحقوق الأطراف.
وتناقش الآليات الأممية المختصة الجوانب القانونية لأنشطة الموارد الفضائية، لكن أوراق المواقف والمقترحات لا تصبح قواعد ملزمة بمجرد نشرها، ما يبقي الحاجة قائمة إلى اتفاقات قابلة للتطبيق.
أسلحة الدمار الشامل والقواعد العسكرية.. حدود يحكمها القانون
وفي الجانب الأمني، يوضح الجعفري أن المادة الرابعة تحظر وضع أجسام تحمل أسلحة نووية أو غيرها من أسلحة الدمار الشامل في مدار حول الأرض، أو تثبيتها على الأجرام السماوية، أو وضعها في الفضاء بأي طريقة أخرى.
كما تقصر استخدام القمر والأجرام السماوية الأخرى على الأغراض السلمية، وتحظر إقامة القواعد والمنشآت والتحصينات العسكرية وإجراء تجارب الأسلحة والمناورات العسكرية عليها، مع السماح باستخدام الأفراد العسكريين للبحث العلمي وغيره من الأغراض السلمية.
ويشير كذلك إلى المادة الخامسة المتعلقة بالإبلاغ عن الظواهر التي قد تعرض حياة رواد الفضاء أو صحتهم للخطر، وإلى التزامات التشاور قبل الأنشطة التي يُحتمل أن تسبب تداخلًا ضارًا مع أنشطة دول أخرى.
ويرى أن هذه الأحكام تؤكد أن المشروعات الفضائية ليست شأنًا وطنيًا منفصلًا عن مصالح الآخرين، خاصة إذا أثرت في السلامة أو البيئة أو فرص الوصول إلى الموارد.
وكالة الفضاء المصرية.. بناء القدرة قبل المطالبة بالنصيب
وعلى المستوى الوطني، يلفت الجعفري إلى قانون إنشاء وكالة الفضاء المصرية رقم 3 لسنة 2018، وما يستهدفه من استحداث علوم وتكنولوجيا الفضاء ونقلها وتوطينها وتطويرها، وبناء قدرات ذاتية في مجال الأقمار الصناعية، بما يخدم التنمية والأمن القومي.
ويؤكد أن الاستثمار في الخبرات العلمية والهندسية والجامعات ومراكز البحث والشراكات الدولية يمثل مدخلًا للانتقال من استخدام التكنولوجيا إلى المشاركة في إنتاجها.
كما يشير إلى أن تطبيقات الأقمار الصناعية والاستشعار عن بُعد والاتصالات والملاحة تقدم فوائد تنموية على الأرض، وفي الوقت نفسه تؤسس خبرات يمكن البناء عليها للمشاركة في مشروعات فضائية مستقبلية.
مستشار بعلوم الفضاء: الموارد قد تدعم الإقامة خارج الأرض
ويقول الدكتور علاء النهري، كبير مستشاري المركز الإقليمي لعلوم وتكنولوجيا الفضاء بالأمم المتحدة، إن الاهتمام بموارد القمر والمريخ يرتبط بإمكان توفير المياه والأكسجين والطاقة ومواد البناء في مواقع البعثات، بدلًا من نقل جميع الاحتياجات من الأرض.
ويرى أن المخاطر التي قد تواجه كوكبنا، من الحروب النووية إلى تفاقم آثار التغير المناخي والظواهر المتطرفة، تضيف أهمية إلى دراسة البيئات الأخرى وتطوير تقنيات استكشافها.
لكنه يؤكد أن تحويل القمر أو المريخ إلى بيئة صالحة للإقامة يظل تحديًا علميًا وهندسيًا هائلًا، يحتاج إلى حماية من الإشعاع وأنظمة لدعم الحياة ومصادر مستقرة للمياه والطاقة، ولا يعني استكشاف الموارد قرب انتقال البشر بأعداد كبيرة للعيش خارج الأرض.

لمن تكون ثروات القضاء
التربة القمرية.. أكسجين ومعادن وتحديات تشغيل
ويوضح النهري أن الجليد المائي قرب القطبين يمثل موردًا استراتيجيًا محتملًا للشرب ودعم الحياة وإنتاج مكونات الوقود، إذا أمكن استخراجه ومعالجته بكفاءة.
ويضيف أن التربة القمرية، المعروفة باسم «الريجوليث»، تحتوي على أكسجين مرتبط بالمعادن والصخور، وعناصر مثل الحديد والتيتانيوم والألومنيوم والسيليكون، يمكن أن تسهم تقنيات مستقبلية في استخراجها لتصنيع مكونات ومعدات ومواد بناء.
كما تتضمن الهيليوم-3 ومواد أخرى ذات أهمية علمية وصناعية، لكن الاستفادة منها تتوقف على تشغيل تقنيات التعدين والمعالجة في ظروف تشمل درجات حرارة متطرفة وغبارًا وإشعاعًا وجاذبية منخفضة، وهي تحديات تؤثر في كفاءة المعدات وعمرها.
«أرتميس».. من اختبار الرحلات إلى تطوير البنية التحتية
ويلفت النهري إلى أن برنامج «أرتميس» يشمل أنظمة الإطلاق والمركبات والهبوط ودراسة الموارد، إلى جانب تطوير البنية اللازمة لوجود بشري طويل الأمد، تمهيدًا لبعثات مستقبلية إلى المريخ.
وشكلت «أرتميس 1»، التي انطلقت دون طاقم عام 2022، اختبارًا لصاروخ نظام الإطلاق الفضائي ومركبة أوريون، بينما انطلقت «أرتميس 2» في أبريل 2026 وعلى متنها أربعة رواد فضاء في رحلة حول القمر.
ويرى النهري أن استمرار هذه البرامج سيعتمد على تطوير وسائل إنتاج الطاقة واستخراج المياه والأكسجين وتصنيع بعض الاحتياجات محليًا، بما يقلل تكاليف الإمداد، دون أن يلغي الحاجة إلى الدعم الأرضي في المراحل الأولى.
المريخ.. موارد محتملة في بيئة شديدة القسوة
أما المريخ، فيشير النهري إلى وجود جليد مائي في مناطقه القطبية وتحت سطح بعض المناطق، وغلاف جوي يغلب عليه ثاني أكسيد الكربون، بما يتيح دراسة استخدامه لإنتاج الأكسجين ومواد تدخل في تصنيع الوقود.
وتحتوي تربته وصخوره على الحديد والمغنيسيوم والكالسيوم والألومنيوم وعناصر أخرى، لكن استخدامها صناعيًا يتطلب تطوير وسائل فعالة للاستخراج والمعالجة في ظروف الكوكب.
وتوضح البيانات العلمية أن ثاني أكسيد الكربون يمثل نحو 95% من الغلاف الجوي للمريخ، وأن ضغطه السطحي أقل من واحد على مائة من متوسط ضغط الأرض، فيما تبلغ جاذبيته نحو 38% من الجاذبية الأرضية؛ وهي ظروف تفرض متطلبات مختلفة جذريًا للحماية والإقامة والعمل.
«موكسي».. إثبات إنتاج الأكسجين لا استقلال مستوطنة
قدمت تجربة «موكسي» على متن المركبة «بيرسيفيرانس» دليلًا على إمكان إنتاج الأكسجين باستخدام الغلاف الجوي المحلي؛ إذ أنتج الجهاز 122 جرامًا خلال 16 تشغيلًا، وبلغ أفضل معدل له 12 جرامًا في الساعة، بنقاء لا يقل عن 98%.
لكن نجاح التجربة لا يثبت بمفرده قدرة مستوطنة على تلبية احتياجاتها بصورة مستمرة، فالانتقال من جهاز تجريبي إلى منظومة واسعة للإنتاج والتخزين والاستخدام يحتاج إلى طاقة وتجهيزات وصيانة واعتمادية طويلة الأمد.
ويظل الإشعاع والعزلة والبعد عن الأرض وتغير الجاذبية والعيش في بيئات مغلقة أو معادية من التحديات الرئيسية أمام الرحلات البشرية العميقة، إلى جانب الغذاء والعلاج وإمدادات الطوارئ.
البكتيريا والزراعة.. تجارب لتقليل الاعتماد على الأرض
ويتحدث النهري عن اتجاهات بحثية لاستخدام الكائنات الدقيقة والعمليات الحيوية في إنتاج مواد للبناء والتصنيع، ومنها بكتيريا قادرة على إنتاج بوليمرات حيوية يمكن أن توفر مواد أولية لبعض المكونات.
غير أن تطبيق هذه المسارات على المريخ يحتاج إلى اختبارات إضافية، في ظل وجود أملاح ومركبات سامة في التربة، وصعوبة توفير المياه والطاقة والبيئة المناسبة للنمو الحيوي.
وفي ملف الغذاء، أعلنت ناسا وشركاؤها، في سبتمبر 2026، العمل على نموذج أرضي لاختبار زراعة محاصيل في ظروف تحاكي البيئات المتوقعة في منشآت قمرية، ويؤكد استمرار هذه التجارب أن أنظمة دعم الإقامة الطويلة ما زالت في طور التطوير والاختبار.
ومن ثم، فإن وصف الفضاء بأنه ملاذ جاهز عند وقوع كارثة أرضية يتطلب إثبات قدرة السكان على الاستمرار في الغذاء والطاقة والعلاج والصيانة إذا انقطعت الإمدادات، وهو مستوى لا تثبته هذه التجارب وحدها.
الكويكبات المعدنية.. القيمة النظرية ليست عائدًا قابلًا للتحصيل
ولا تتوقف الموارد المحتملة عند القمر والمريخ؛ إذ يشير النهري إلى أجسام غنية بالمعادن في حزام الكويكبات، من بينها «سايكي 16» الواقع بين المريخ والمشتري.
وتستهدف مهمة «سايكي» التابعة لناسا دراسة الكويكب وفهم تكوينه وطبيعته، بما يوسع المعرفة بتشكل الأجرام الكوكبية. وقد أُطلقت المركبة في أكتوبر 2023، ومن المقرر وصولها في عام 2029، وفق الجدول المعلن.
ويحذر النهري من التعامل مع التقديرات المالية المتداولة للمعادن باعتبارها ثروة قابلة للاستخراج حاليًا، فالتعدين الفضائي يحتاج إلى الحفر والمعالجة والنقل، وحساب تكلفة إعادة المواد إلى الأرض، ودراسة أثر طرح كميات كبيرة منها في الأسواق على الأسعار.
وتظل القيمة العلمية لهذه الأجرام قائمة، بما تتيحه دراستها من فهم لنشأة النظام الشمسي وتطوير أدوات الاستكشاف، حتى عندما لا تكون الجدوى التجارية قد ثبتت.
«الفضاء لمن يصل إليه».. رواية تطرح سؤال العدالة
ويستعيد النهري واقعة يرويها عن مشاركته ممثلًا لمصر في أحد اجتماعات لجنة الأمم المتحدة للاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي عام 2015، حين طالب ممثل إحدى دول أمريكا الجنوبية بتقاسم الفضاء بين دول العالم، فرد ممثل الولايات المتحدة، بحسب روايته، بعبارة: «الفضاء لمن يصل إليه».
ويرى أن الواقعة تعكس الفارق بين المبادئ التي تقر استفادة جميع الدول، والقدرات التي تسمح بالمشاركة العملية. وتظل العبارة رواية منسوبة إليه عن الاجتماع، وليست نصًا قانونيًا ينظم حقوق الدول.
ويؤكد أن غياب حصة مالية تلقائية من عوائد المشروعات يزيد أهمية الحضور في مفاوضات الحوكمة، وبناء الشراكات وتبادل المعرفة، حتى لا تتحول الفجوة التكنولوجية إلى استبعاد طويل الأمد.
تعاون عربي وإفريقي.. من المتابعة إلى الشراكة
ويدعو النهري الدول النامية، وفي مقدمتها الدول العربية والإفريقية، إلى بناء شراكات إقليمية، بدلًا من مواجهة مشروعات مرتفعة التكلفة ومتعددة التخصصات بصورة منفردة.
ويشمل ذلك دعم الجامعات ومراكز البحث وتأهيل الكوادر وتطوير الأقمار الصناعية، والتعاون في الاستشعار عن بُعد وتحليل البيانات، والمشاركة في المهمات الدولية، وبناء خبرات في الروبوتات والذكاء الاصطناعي ومعالجة المواد.
ويضيف أن التعاون يساعد على تقاسم تكاليف البحث والتطوير واكتساب خبرات عملية، بدلًا من الاكتفاء بشراء التكنولوجيا أو استيراد نتائجها، بالتوازي مع تعزيز حضور الدول النامية في النقاشات القانونية المتعلقة باستخدام الفضاء وتقاسم منافعه.
وبين العقود التي تسبق الاستخراج والخطط التي تستهدف الإقامة الطويلة، لا يتحدد مستقبل ثروات الفضاء بما تحتويه الأجرام من مياه ومعادن وحدها، بل بمن يمتلك المعرفة والتمويل والتكنولوجيا، وبالقواعد التي تنظم الوصول والعمل. أما نصيب الدول النامية، فيظل مرتبطًا بقدرتها على بناء شراكات وكفاءات وحضور تفاوضي، يحول مبدأ المنفعة المشتركة إلى فرص فعلية للمشاركة.