في سجل الجرائم التاريخية والفكرية التي ارتكبتها جماعة الإخوان الإرهابية في حق الأمة المصرية، تظل جريمة طعن مفهوم المواطنة وتفتيت النسيج الوطني من أشد الثغرات خطورة وأكثرها كشفاً للحقيقة الإجرامية لهذا الكيان السرطاني، فقد ظل هذا التنظيم العقود الطويلة يمارس أرخص أنواع الدجل السياسي والتزييف الفكري عبر رفع شعارات براقة ومخادعة تسعى لإيهام الرأي العام بقبوله التعددية وحقوق الآخرين.
مفهوم المواطنة للجماعة الإخوانية
وكشفت ممارساته ومواثيقه المظلمة أن مفهوم "المواطنة" في عقيدته لا يتعدى كونه تزييف سياسى وأداة مرحلية للتخدير حتى التمكن، وأن هذا الكيان الإرهابي يحمل في أحشائه مشروعاً مستبدا أيديولوجياً يقوم بالأساس على تقسيم أبناء الوطن الواحد إلى درجات ومنازل، وفرض وصاية عقائدية مقيتة تجعل من العضو التنظيمي الخاضع للسمع والطاعة مواطناً من الدرجة الأولى يحوز الغنائم والمناصب، بينما يُعامل بقية أفراد المجتمع وفي مقدمتهم الأقباط والنساء باعتبارهم ذميين أو مواطنين سلبياً يفتقرون للأهلية السياسية والدستورية الكاملة إدارة شؤون البلاد
والقراءة الفاحصة للبنية الفكرية والتاريخ الإجرامي لهذه الجماعة المارقة تثبت بلا أدنى شك أنها لم تكن في يوم من الأيام قادرة على استيعاب مفهوم "الدولة الوطنية الحديثة" التي تقوم على المساواة المطلقة أمام القانون دون تمييز بسبب الدين أو المعتقد أو الجنس، فالدولة في الأدبيات الإخوانية العفنة هي مجرد رقعة جغرافية مستباحة لتمكين مشروع الخلافة الموهوم، والمواطنة لديها ليست حقاً أصيلاً يمنحه الدستور وتكفله المؤسسات الراسخة، بل هي مجرد منحة تنظيمية مشروطة ومزاجية يمنحها المرشد وقيادات قطبيات الإرهاب لغيرهم وفق حسابات المصالح الضيقة وتوازنات القوة.
والتجأت الجماعة الإرهابية على الدوام إلى استخدام ملف الأخوة الأقباط ورقة للمساومة والابتزاز في سوق السياسة، ففي الوقت الذي كانت ترسل فيه خطابات دبلوماسية زائفة ومطاطة للخارج تدعي فيها الحرص على التسامح والديمقراطية، كانت منابرها السرية وقواعدها التنظيمية تطفح بأسوأ أشكال التكفير والتحريض الطائفي وشحن النفوس ضد الشركاء في الوطن، ليتبين للعالم أجمع أن الطائفية والتمييز واستعلاء العصابة هي المكونات الأساسية لتفكير هذا التنظيم الإرهابي الذي لا يمكن أن يؤمن بالعيش المشترك
ولم تكن النظرة الإخوانية التمييزية تقتصر على النواحي النظرية والأيديولوجية فقط، بل تجسدت في ساديته وحقده المؤسسي عندما سنحت له الفرصة بالوصول إلى سدة الحكم عقب أحداث عام 2011، حيث تكشفت العقلية الإقصائية للجماعة في أبهى صورها البشعة عبر محاولات صياغة وثائق ودساتير طائفية تكرس الهيمنة وتصادر الحقوق المدنية والسياسية لغير المنتسبين للتنظيم، فضلاً عن السعي الحثيث لإغلاق الباب أمام بعض المواطنين لتولي المناصب السيادية والقيادية في الدولة بموجب فتاوى وتصورات ظلامية تعود إلى عصور الجاهلية والتخلف الفكري.
وتصرفت الجماعة الإرهابية مع مؤسسات مصر العريقة بمنطق العصابة المسلحة التي تفرض الجزية الفكرية والسياسية على من يخالفها، وسعت لتقزيم الدور التاريخي للأقباط المصريين الذين هم أصل هذا الوطن وركيزته الأساسية، وحاصرت المؤسسات الدينية والقضائية بالبلطجة والتكفير، برهان واضح على أن التنظيم لا يستطيع العيش إلا في بيئات الشقاق والفتنة وضرب التماسك المجتمعي.
والسقوط المدوي والنهائي لهذا الكيان الإرهابي على أيدي الإرادة الشعبية المصرية الصلبة لم يكن مجرد خسارة لرهان سياسي أو صراع على كراسي السلطة، بل كان بمثابة اقتلاع جذري لمشروع التفتيت الطائفي الذي استهدف تمزيق ووحدة وتاريخ مصر الممتد لآلاف السنين، فقد أثبت الشعب المصري العظيم بمسلميه ومسيحييه، ومن خلفهم مؤسسات الدولة الوطنية وفي مقدمتها القوات المسلحة والشرطة الباسلة، أن الهوية الوطنية عصية على الاختراق أو التزوير، وأن مبدأ المواطنة الكاملة والمتساوية هو خط أحمر وقاعدة دستورية واجية لا تقبل الانتقاص أو المساومة أو التفسير الانتقائي من قبل جماعة تكفيرية انتهازية، ليظل الإخوان في مزبلة التاريخ مجرد حقبة سوداء وعنواناً بارزاً للخيانات وتأجيج الفتن، وتظل مصر دولة جامعة لكل أبنائها دون تمييز، تتهاوى على أسوارها الصلبة كل مخططات الإرهاب والعمالة والاستعلاء التنظيمي المقيت.