لماذا فشلت جماعة الإخوان الإرهابية إدارياً.. عنصرية تنظيمية وأهل الثقة يهزمون منطق الكفاءة.. عقلية التمكين والاعتماد على الدوائر الموالية تكشف عجز التنظيم عن الفصل بين المؤسسية ومصلحة الجماعة

الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 10:00 ص
لماذا فشلت جماعة الإخوان الإرهابية إدارياً.. عنصرية تنظيمية وأهل الثقة يهزمون منطق الكفاءة.. عقلية التمكين والاعتماد على الدوائر الموالية تكشف عجز التنظيم عن الفصل بين المؤسسية ومصلحة الجماعة الاخوان

كتب _ هشام عبد الجليل

كشفت تجربة جماعة الإخوان الإرهابية في العمل العام عن خلل جوهري في فلسفة الإدارة، يتمثل في الخلط بين إدارة المؤسسات وإدارة التنظيمات المغلقة، وبين اختيار المسؤولين على أساس الكفاءة وتقديم الموالين باعتبارهم الأكثر أماناً وثقة. فالجماعة التي اعتادت العمل وفق هياكل داخلية شديدة الترابط لم تستطع بسهولة التخلص من منطق الولاء عند انتقالها إلى المجال العام، وأصبحت معضلة الثقة التنظيمية حاضرة في طريقة التفكير في السلطة وتوزيع المسؤوليات، وتكمن خطورة هذا النهج في أن الدولة لا تدار باعتبارها امتداداً لجماعة، ولا يمكن أن تصبح مؤسساتها مجالاً لتجربة معايير العضوية والولاء التي تحكم الكيانات المغلقة. 

واستبدلت عقلية أهل الثقة بمعايير الاختيار الموضوعية، عندما أصبح القرب من دوائر القرار والانتماء إلى الشبكات الموثوقة عاملاً مؤثراً في تقييم الأشخاص، وهو ما يضعف فرص الاستعانة بكفاءات مستقلة تمتلك خبرة حقيقية في إدارة الملفات المعقدة. فالمسؤول الناجح لا يحتاج فقط إلى الثقة السياسية، وإنما يحتاج إلى المعرفة والقدرة على التخطيط والتواصل واتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية. أما اختزال هذه العناصر في معيار الانتماء والولاء، فيحول المناصب إلى مكافآت تنظيمية، ويجعل المؤسسة عرضة لتراجع الأداء مهما امتلكت من موارد وإمكانات.

وأنتج هذا الخلل فجوة بين الخطاب الذي يرفع شعار الإصلاح والتغيير، وبين متطلبات الإدارة الحديثة التي تقوم على المؤسسات والشفافية والمحاسبة والتخصص، فإدارة الاقتصاد تختلف عن إدارة الخطاب السياسي، وإدارة الخدمات العامة تحتاج إلى خبرات فنية وقانونية ومالية لا يمكن تعويضها بالحماس التنظيمي أو الالتزام الفكري، كما أن إدارة الدولة تتطلب التعامل مع ملايين المواطنين الذين لا ينتمون إلى جماعة واحدة، وتختلف مصالحهم واحتياجاتهم وأولوياتهم، وهو ما يجعل أي محاولة لفرض معيار تنظيمي واحد على أجهزة الدولة وصفة مباشرة لاضطراب الأداء.

وأظهرت التجربة السياسية للجماعة بعد وصولها إلى السلطة في مصر أن الانتقال من المعارضة إلى الحكم لا يتحقق بمجرد امتلاك شبكة تنظيمية قادرة على الحشد، لأن الحكم يحتاج إلى رؤية اقتصادية وإدارية متكاملة، وقدرة على بناء التوافقات وإدارة الاختلافات وتقديم حلول قابلة للتنفيذ، ولم تكن قوة التنظيم الداخلية ضمانة للنجاح في إدارة مؤسسات الدولة، بل إن الخلط بين المجالين أوجد إشكالية في العلاقة بين المشروع التنظيمي ومتطلبات الحكم الوطني، فالدولة تحتاج إلى إدارة المصالح العامة، بينما يتحرك التنظيم وفق أهدافه وأولوياته الخاصة، ولا يمكن افتراض التطابق بين الاثنين.

وأضعفت مركزية القرار مساحة الاستفادة من الآراء المختلفة، لأن الإدارة الناجحة لا تقوم على تكرار رؤية القيادة، وإنما على اختبار البدائل والاستماع إلى المتخصصين ومراجعة النتائج. وعندما تتحول الدائرة المحيطة بالقيادة إلى المصدر الأساسي للمعلومات والتوصيات، تصبح عملية صناعة القرار معرضة للانحياز، وقد تفقد القدرة على رؤية المشكلات من زوايا متعددة، وتزداد الخطورة عندما يخشى المسؤولون تقديم تقييمات مخالفة للتوجه السائد، لأن الإدارة لا تستطيع تصحيح مسارها إذا كان المحيطون بصانع القرار يفضلون إرضاءه على إخباره بالحقيقة.

وكرست هذه العقلية ما يمكن وصفه بالتمييز التنظيمي في فرص التأثير والترقي، إذ لا يصبح التنافس مفتوحاً أمام أصحاب الخبرات وفق معايير واحدة، وإنما تتدخل اعتبارات الانتماء والثقة في تحديد من يقترب من مراكز النفوذ، وتؤدي هذه الممارسة إلى إهدار رأس المال البشري، لأن الكفاءات التي لا تجد مساحة عادلة للمشاركة تتراجع أو تبتعد، بينما تتقدم شخصيات قد تمتلك ولاءً كبيراً لكنها لا تمتلك بالضرورة الخبرة المطلوبة، وهكذا يتحول التنظيم إلى دائرة تعيد إنتاج نفسها، بدلاً من أن تكون مؤسسة قادرة على استقطاب أفضل العقول والاستفادة من اختلافاتها.

وفاقمت أزمة الثقة من صعوبة بناء تحالفات وطنية حقيقية، لأن العمل العام يحتاج إلى شراكة بين قوى متعددة، وليس إلى علاقة تقوم على محاولة ضمان ولاء جميع المشاركين، فالتحالف السياسي الناجح يقوم على اتفاقات واضحة ومصالح مشتركة وقواعد للمحاسبة، بينما تظل الجماعة المغلقة أسيرة هاجس الحفاظ على تماسكها الداخلي، ويظهر التناقض عندما تطلب الجماعة من الآخرين الثقة في مشروعها، بينما لا تمنح أصحاب الرأي المستقل المساحة نفسها داخل منظومتها، أو تتعامل مع الاختلاف باعتباره تهديداً لسلطة القيادة، وهذا ما كانت تقوم به جماعة الإخوان الإرهابية.

وكشف الفشل الإداري لجماعة الإخوان الإرهابية أيضاً عن خطورة عدم الفصل بين المسؤولية العامة والمصلحة التنظيمية، فالمؤسسة الوطنية يفترض أن تعمل لخدمة جميع المواطنين دون تمييز، بينما يضع التنظيم المغلق أولوية لاستمرار بنيته وتحقيق أهدافه، وعندما تختلط الحدود بين المجالين، تصبح القرارات عرضة لتأثير الحسابات التنظيمية، ويصبح من الصعب ضمان الحياد المؤسسي وتكافؤ الفرص، ولذلك فإن معيار نجاح أي تجربة سياسية لا يقاس بقدرتها على الوصول إلى مواقع السلطة فقط، وإنما بقدرتها على إدارة الدولة بكفاءة واحترام الدستور والقانون وتقديم الخدمات للمواطنين.

وتؤكد هذه الوقائع أن التنظيم الإرهابي الذي يضع الثقة الداخلية فوق الكفاءة يواجه أزمة حقيقية في فهم الإدارة الحديثة، لأن المؤسسات لا تنجح بالولاء وحده، ولا تستطيع مواجهة التحديات بالانغلاق على دائرة محدودة من المقربين.

وتبقى تجربة جماعة الإخوان الإرهابية درساً في خطورة تحويل الدولة إلى ساحة للتمكين التنظيمي، وفي عواقب التعامل مع المناصب باعتبارها امتداداً لشبكات الانتماء. فمصر أكبر من أي جماعة، ومؤسساتها ملك لجميع المصريين، والكفاءة والخبرة والنزاهة يجب أن تكون أساس الاختيار، لا الطاعة والولاء والانتماء إلى تنظيم بعينه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة