من تحت الركام إلى معركة الأمل.. حكاية فتاة من شمال غزة تتمسك بالحياة.. فرح الكحلوت تفوقت في الثانوية العامة وتحلم باستكمال جامعتها واستعادة نور عينيها.. والحرب الإسرائيلية سلبتها عائلتها وبصرها وقدمها اليسرى

الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 09:00 م
من تحت الركام إلى معركة الأمل.. حكاية فتاة من شمال غزة تتمسك بالحياة.. فرح الكحلوت تفوقت في الثانوية العامة وتحلم باستكمال جامعتها واستعادة نور عينيها.. والحرب الإسرائيلية سلبتها عائلتها وبصرها وقدمها اليسرى فرح الكحلوت

كتب أحمد عرفة

<< 21,976 طفلا شهيدا و12,500 امرأة.. الأطفال والأمهات في صدارة فاتورة الحرب

<< لا تطلب الشفقة بل فرصة للعلاج.. فرح تحلم باستعادة ما يمكن من بصرها والحصول على طرف صناعي

<< 9,500 مفقود و2,700 أسرة مُحيت من السجل المدني.. مآس تتجاوز الأرقام والإحصاءات

<< عائلة غابت وأحلام لم تمت.. فرح الكحلوت تواجه الإعاقة بالفقد والأمل في مستقبل أفضل

<< 4,900 حالة بتر تحتاج إلى التأهيل والأطراف الصناعية.. جراح الحرب تلاحق الناجين

<< وزارة الصحة بغزة تحذر من كارثة وشيكة.. نفاد زيوت التشغيل يهدد مولدات المستشفيات بالتوقف


لم تكن النجاة بالنسبة إلى فرح الكحلوت نهاية المأساة، بل بداية رحلة طويلة من الألم والفقد ومحاولات التمسك بالحياة، خرجت الفتاة من تحت أنقاض منزل عائلتها في بيت حانون شمال غزة، بعدما حول القصف المكان الذي كان يجمعها بأحبائها إلى ركام، لتجد نفسها أمام واقع يفوق قدرة الكلمات على وصفه، فقدت والدها ووالدتها وشقيقتها جنى، وأصيبت بإعاقة أفقدتها قدمها اليسرى وبصرها، لتبدأ رحلة جديدة تحاول خلالها استعادة ما يمكن استعادته من حياتها.

 

غزة بعد ثلاث سنوات من الحرب

ثلاث سنوات من الحرب الإسرائيلية على غزة، الممتدة منذ 7 أكتوبر 2023، خلّفت حصيلة إنسانية ثقيلة، تجاوزت أرقامها حدود الإحصاء لتكشف حجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون، بين فقدان الأحبة، ودمار المنازل، والإصابات التي غيّرت حياة آلاف الناجين إلى الأبد.

وبحسب الإحصائية الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بتاريخ 7 أكتوبر الماضي، بلغ عدد الشهداء الذين وصلوا إلى المستشفيات منذ بدء الحرب 74,250 شهيدا، فيما لا يزال نحو 9,500 شخص في عداد المفقودين، بينهم من إما تحت الأنقاض، أو لا زال مصيرهم مجهولا، حيث تكشف هذه الأرقام عن مأساة لا تنتهي عند لحظة القصف، بل تمتد إلى عائلات تنتظر معرفة مصير أبنائها، وأخرى لم تتمكن حتى الآن من دفن أحبائها أو توديعهم.

 

الأطفال والنساء في قلب المأساة

كان الأطفال من أكثر الفئات تضررا من الحرب، حيث وثق المكتب الإعلامي الحكومي، استشهاد 21,976 طفلا، بينهم 1,125 رضيعا لم يكملوا عامهم الأول، كما تجاوز عدد النساء الشهيدات 12,500 امرأة، من بينهن أكثر من 9,000 أم، فيما بلغ عدد الآباء الشهداء 22,500 أب.

وتشير الإحصائية إلى أن أكثر من 55% من الشهداء هم من الأطفال والنساء والمسنين، في مشهد يعكس حجم الخسارة التي طالت الأسر الفلسطينية، حيث فقد أطفال آباءهم وأمهاتهم، وفقدت عائلات أبناءها، وتحولت منازل كانت تجمع أفرادها إلى أماكن للذكريات والغياب.

 

آلاف الأسر أمام فقدان لا يمكن تعويضه

لم تقتصر الخسائر على الأفراد، بل امتدت إلى البنية الأسرية والاجتماعية في القطاع، فوفقا للمكتب الإعلامي الحكومي، تعرضت أكثر من 39,022 أسرة للمجازر، فيما أُبيدت أكثر من 2,700 أسرة بالكامل، وفقدت وجودها في السجل المدني، بإجمالي 8,574 شهيدا، وكذلك هناك أكثر من 6,020 أسرة لم يتبق منها سوى ناج واحد، بعد استشهاد 12,917 من أفرادها.

وراء كل رقم حكاية إنسانية، منزل فقد جميع أفراده، وطفل بقي وحيدا بعد رحيل أسرته، وأشخاص نجوا من القصف ليواجهوا حياة مثقلة بالفقد والوحدة، وهي خسائر لا يمكن قياسها بالأعداد وحدها، لأن آثارها تمتد إلى مستقبل أجيال كاملة.

 

جراح الحرب لا تنتهي عند النجاة

أما الناجون، فيواجه كثير منهم إصابات جسدية وإعاقات تحتاج إلى علاج وتأهيل طويل الأمد، حيث تشير البيانات التفصيلية للمكتب الإعلامي الحكومي إلى تسجيل نحو 175,278 مصابا وصلوا إلى المستشفيات منذ بدء الحرب، بينهم آلاف يحتاجون إلى برامج تأهيل مستمرة، وحالات شلل وفقدان للبصر، ووصلت حالات البتر إلى 4900 حالة تحتاج إلى أدوات مساندة، وهكذا، لا تتوقف مأساة غزة عند حصيلة الشهداء؛ فهناك آلاف المصابين الذين يحتاجون إلى الرعاية الطبية، وأطفال يحاولون استعادة حياتهم بعد فقدان أطرافهم أو بصرهم، وعائلات تبحث عن مأوى بعد تدمير منازلها، وأسر لا تزال تنتظر إجابة عن مصير مفقوديها.

في لحظات قليلة، تبدلت تفاصيل حياة فرح بالكامل، المنزل الذي كان يحتضن ضحكات العائلة ودفء اللقاءات أصبح شاهدا على الفقد، والوجوه التي اعتادت أن تجد بينها الأمان غابت، تاركة خلفها فراغا لا تملؤه الأيام، وبينما كانت النجاة من تحت الأنقاض تعني فرصة جديدة للحياة، كانت تعني أيضا مواجهة حقيقة قاسية، أن تعيش فرح من دون الأشخاص الذين شكلوا عالمها، وتتعلم مواصلة الطريق وهي تحمل في ذاكرتها ملامح عائلة لم يعد بإمكانها العودة إليها.

 

فقدان الحركة

لم تفقد فرح أفراد عائلتها فحسب، بل فقدت أيضا جزءا من قدرتها على الحركة وبصرها، وهما فقدانان يفرضان عليها تحديات يومية في تفاصيل قد تبدو بسيطة للآخرين، فالحركة التي كانت أمرا عاديا أصبحت مرتبطة بالحاجة إلى طرف صناعي يساعدها على التنقل، والعالم الذي اعتادت رؤيته بعينيها بات مختلفا بعد إصابتها التي أفقدتها البصر، وبين صعوبة التكيف مع هذه التغييرات ومرارة غياب عائلتها، وجدت نفسها أمام معركة أخرى، عنوانها الاستمرار رغم كل ما حدث.

فرح الكحلوت
فرح الكحلوت

 

قصة فرح لا تتوقف عند الركام، ولا تختصرها الإعاقة أو الخسارات التي لحقت بها، ففي وسط هذه الظروف القاسية، استطاعت أن تحقق نجاحا لافتا بتفوقها في الثانوية العامة، لتثبت أن ما تعرضت له لم ينه أحلامها، والطريق إلى المستقبل، مهما بدا شاقا، لا يزال يستحق المحاولة.

يحمل تفوق فرح معنى يتجاوز النجاح الدراسي، فهو خطوة نحو استعادة جزء من حياتها التي انقلبت بفعل القصف، ودليل على تمسكها بحقها في التعليم وبناء مستقبلها، ففي الوقت الذي قد تدفع فيه الصدمات كثيرين إلى التخلي عن طموحاتهم، ما زالت فرح تحلم بإكمال دراستها الجامعية، وتواصل تعليمها وتشق طريقها نحو مستقبل لا تحدده إعاقتها ولا تختصره مأساتها.

الأحلام، مهما كانت كبيرة، تحتاج إلى إمكانات وفرص تساعد على تحويلها إلى واقع، ففرح تتطلع إلى الحصول على العلاج المناسب الذي قد يساعدها على استعادة ما يمكن استعادته من بصرها، كما تحلم بالحصول على طرف صناعي يعينها على الحركة ويمنحها قدرا أكبر من الاستقلالية، إنها مطالب ترتبط بحقوق أساسية، تشمل العلاج والتأهيل والتعليم، وتتيح لها أن تعيش بكرامة وتواصل حياتها بما يتناسب مع احتياجاتها.

 

انهيار المنظومة الصحية

لم تقتصر تداعيات الحرب الإسرائيلية المستمرة على غزة، على أعداد الشهداء والجرحى، بل امتدت لتضرب المنظومة الصحية في مقتل، بعدما تعرضت المستشفيات والمراكز الطبية لأضرار جسيمة، وتراجعت قدرتها على تقديم الخدمات، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، ونقص الكوادر والإمكانات اللازمة لإنقاذ الأرواح.

وأدى هذا التدهور إلى مضاعفة معاناة المرضى والمصابين، الذين لم تعد أزمتهم تقتصر على الإصابة أو المرض، بل باتوا يواجهون صعوبة في الحصول على العلاج الأساسي، وتتفاقم المأساة مع تعذر حصول آلاف المرضى على العلاج التخصصي خارج القطاع، في ظل القيود التي تعوق الإجلاء الطبي، بينما تستمر الاحتياجات في الارتفاع وتتراجع قدرة المستشفيات على الاستجابة.

وأصبح الوصول إلى العلاج معركة يومية للمرضى وعائلاتهم، في وقت يحتاج فيه القطاع الصحي إلى إمدادات طبية عاجلة، وإعادة تأهيل المستشفيات، وتوفير الوقود والمعدات، وضمان وصول المساعدات الطبية دون عوائق.

وحذرت وزارة الصحة بغزة، خلال بيان لها في 22 أكتوبر، من توقف قسري ومفاجئ للمولدات الكهربائية وذلك بسبب النفاد التام لزيوت التشغيل ، مما يجعل المحركات عرضة للتلف المباشر والاحتراق الكامل في أي لحظة .

وقالت إن الفرق الهندسية تعمل في ظروف فنية مُعقدة وهي تتابع عمل المولدات الكهربائية ومحاولات الابقاء على عملها في امداد الأقسام الحيوية بالكهرباء، موضحة أن الاستنزاف المستمر للمولدات الكهربائية وتشغيلها لآلاف الساعات متواصلة دون زيوت او صيانه أدى إلى وصول هذه المولدات إلى نقطة الخطر الميكانيكي الأخير.

وأكدت أن فقدان المولدات بسبب احتراق محركاتها لغياب الزيوت يعني فقدانا دائما للقدرة على التشغيل حتى لو توفرت الزيوت لاحقا، مجددة مطالبتها لكافة الجهات المعنية بالتدخل العاجل والفوري، خاصة أن الأمر لم يعد يتوقف على توفير الزيوت ، بل على حماية ماتبقى من المولدات  من الانهيار التام .

ويقول المهندس مازن العرايشي، مدير عام الهندسة والصيانة بوزارة الصحة بغزة، إن ️انقطاع خطوط الكهرباء وتوقف المحطة الرئيسية تسبب في أزمة خانقة تعتمد فيها مستشفيات القطاع على المولدات بشكل كامل.

ويضيف، أن المولدات أصبحت شبه متهالكة وتفتقر لقطع الغيار وزيوت التشغيل الضرورية لاستمرار عملها على مدار الساعة، متابعا :"قد تضطر المستشفيات لإيقاف بعض الأقسام الحساسة مثل العناية المركزة والحضانات إذا انقطعت الطاقة تماما".

ويوضح أنه على الرغم من وعود المنظمات الدولية بتوفير الاحتياجات إلا أن سلطات الاحتلال تمنع إدخال الوقود وقطع الغيار إلى القطاع، داعيا كافة الجهات الدولية بالتدخل السريع لإنقاذ المنظومة الصحية وإدخال المساعدات اللازمة قبل وقوع كارثة إنسانية.

انهيار القطاع الصحي في غزة لا يعني فقط تعطل المستشفيات، بل يعني أيضا ارتفاع مخاطر الوفاة بسبب أمراض وإصابات كان من الممكن علاجها في ظروف طبيعية، وتحول الأمراض المزمنة إلى تهديد مستمر للحياة، وترك آلاف المصابين أمام احتياجات علاجية وتأهيلية طويلة الأمد، وبينما تتواصل معاناة السكان، تبقى استعادة الخدمات الصحية وتأمين العلاج للمرضى ضرورة إنسانية عاجلة لإنقاذ الأرواح والحد من المزيد من الخسائر.

 

السعي نحو استكمال التعليم الجامعي

وراء هذه المطالب حكاية فتاة دفعت ثمنا إنسانيا باهظا، لكنها لم تتخل عن حقها في الحلم، فاستعادة البصر بالنسبة إليها ليست مجرد أمنية، بل أمل في أن تتمكن من رؤية العالم من حولها مجددا، والحصول على طرف صناعي ليس مجرد وسيلة للحركة، بل خطوة نحو الاعتماد على النفس وتجاوز بعض العقبات اليومية، أما إكمال الجامعة، فيمثل نافذة نحو مستقبل تريد أن تصنعه بنفسها، رغم كل ما فقدته في الماضي.

حكاية فرح محمود الكحلوت تذكر بأن النجاة من القصف لا تعني انتهاء المعاناة، والناجين قد يحملون جراحا جسدية ونفسية تستمر آثارها طويلا بعد انقشاع الغبار عن الركام، فهناك من ينجو بجسده، لكنه يفقد عائلته، وهناك من يخرج من تحت الأنقاض ليواجه حياة جديدة تتطلب علاجا وتأهيلا ودعما مستمرا، إلى جانب فرص حقيقية للتعلم والعمل والاستقلال.

فرح اليوم لا تحتاج إلى نظرات الشفقة بقدر ما تحتاج إلى فرصة عادلة لاستكمال علاجها وتحقيق أحلامها، تحتاج إلى من يساعدها في الوصول إلى الرعاية الطبية والتأهيل المناسبين، ووسائل تتيح لها مواصلة تعليمها الجامعي دون أن تتحول إعاقتها إلى حاجز أمام مستقبلها، إنها لا تطلب أن تُختزل في صورة فتاة نجت من مأساة، بل أن يُنظر إليها بوصفها إنسانة لديها قدرات وطموحات وحق في حياة كريمة.

قد لا تستطيع أي مساعدة أن تعيد إلى فرح والدها ووالدتها وشقيقتها جنى، ولن تمحو أي فرصة حجم الفقد الذي عاشته، لكن توفير العلاج والطرف الصناعي وإمكانية مواصلة التعليم يمكن أن يفتح أمامها أبوابا جديدة للحياة، ويمنحها فرصة لبناء مستقبل لا تظل فيه أسيرة اللحظة التي غيرت كل شيء.

 

معركة جديدة

نجت فرح من الركام، لكنها ما زالت تخوض معركة أخرى، معركة استعادة ما يمكن استعادته من حياتها، والتمسك بأحلامها رغم الألم، وبين ذاكرة عائلة غابت وأمل في مستقبل لم يكتمل بعد، تواصل رحلتها بإرادة تستحق أن تقابل بالدعم الحقيقي، لا بالشفقة العابرة.

فرح ليست مجرد ناجية من تحت الأنقاض، إنها فتاة تريد أن تتعلم، وتتحرك، وتستعيد ما أمكن من بصرها، وتواصل حياتها بكرامة، وبين ما فقدته وما تزال تحلم به، تبقى حاجتها الأهم أن تجد فرصة حقيقية تساعدها على تحويل الأمل إلى واقع.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة