أكدت وزارة الأوقاف أن التحرش الإلكتروني من الجرائم الأخلاقية الخطيرة التي تهدد استقرار المجتمع، وتنتهك خصوصية الأفراد وكرامتهم الإنسانية، مشددة على أن الشريعة الإسلامية تحرّم جميع صور الإيذاء والاعتداء على الأعراض، سواء وقعت في الواقع أو عبر الوسائل الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي، وأن استخدام التكنولوجيا في الابتزاز أو التشهير أو إرسال الرسائل غير اللائقة لا يعفي مرتكبي هذه الأفعال من المسؤولية الدينية والأخلاقية.
وأوضحت الوزارة، في بيان توعوي حول مخاطر التحرش الإلكتروني وموقف الشريعة الإسلامية منه، أن الإسلام وضع منظومة متكاملة لحماية كرامة الإنسان وصيانة عرضه، وحذّر من كل سلوك يتضمن إيذاء الآخرين أو انتهاك خصوصياتهم أو الإساءة إليهم بالقول أو الفعل، مستشهدة بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
التحرش الإلكتروني جريمة محرمة شرعًا واعتداء على الأعراض
وأشارت وزارة الأوقاف إلى أن التحرش بمختلف صوره، سواء كان لفظيًا أو جسديًا أو بصريًا أو إلكترونيًا، يتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي تدعو إلى العفة وصيانة الكرامة الإنسانية وحماية المجتمع من مظاهر الفساد والانحراف.
واستدلت الوزارة بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾، مؤكدة أن تعمد إيذاء الآخرين أو انتهاك أعراضهم أو الإساءة إليهم عبر الوسائط الرقمية يدخل في دائرة السلوكيات المحرمة التي تتعارض مع القيم الإسلامية ومبادئ التعايش الآمن.
ولفتت إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، موضحة أن الحديث يؤسس لقاعدة أخلاقية جامعة تتمثل في كف الأذى عن الآخرين، وعدم الاعتداء على حقوقهم أو كرامتهم، سواء بالكلام أو التصرفات أو الوسائل الحديثة التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية.
وأكدت أن حرمة الإنسان لا تتغير بتغير وسيلة الاعتداء عليه، وأن العالم الرقمي ليس مساحة مباحة لتجاوز الحدود أو ممارسة السلوكيات المسيئة، بل هو مجال تترتب فيه المسؤولية عن كل كلمة أو صورة أو رسالة تتضمن أذى أو انتهاكًا لحقوق الآخرين.
وزارة الأوقاف تحذر من الابتزاز الإلكتروني والتشهير بالضحايا
وحذرت الوزارة من خطورة الابتزاز الإلكتروني، باعتباره من أخطر صور الاعتداء الرقمي، إذ يلجأ بعض ضعاف النفوس إلى تهديد الآخرين بنشر صورهم أو رسائلهم الخاصة، بهدف إجبارهم على الاستجابة لمطالب غير مشروعة أو الاستيلاء على أموالهم أو النيل من كرامتهم.
وأوضحت أن هذه الممارسات تجمع بين الظلم والخيانة والإيذاء النفسي وانتهاك الخصوصية، وتخالف تعاليم الإسلام التي تحث على الستر وصيانة الأعراض وحفظ الحقوق، مستشهدة بقول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.
كما نبهت إلى خطورة التشهير الرقمي ونشر الصور والمعلومات الخاصة دون إذن أصحابها، أو تداول المحتوى المسيء الذي يستهدف سمعة الأفراد وكرامتهم، مؤكدة أن هذه الممارسات قد تحول فعلًا يبدو عابرًا في نظر مرتكبه إلى مصدر أذى ممتد للضحية وأسرتها ومحيطها الاجتماعي.
واستشهدت الوزارة بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، محذرة من المشاركة في نشر المحتوى الفاضح أو المسيء أو التفاعل معه بما يسهم في زيادة انتشاره.
وشددت على أن حماية خصوصية الآخرين واجب أخلاقي وديني، وأن الثقة التي يمنحها الإنسان لغيره لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة للابتزاز أو الإضرار، داعية إلى التعامل المسؤول مع الصور والرسائل والمعلومات الشخصية، وعدم استخدامها في التشهير أو التهديد أو الإساءة.
الرسائل البذيئة والمضايقات الرقمية من صور التحرش الإلكتروني
وأوضحت وزارة الأوقاف أن التحرش الإلكتروني لا يقتصر على الابتزاز أو نشر الصور الخاصة، بل يشمل أيضًا إرسال الرسائل ذات الإيحاءات غير اللائقة، واستخدام الألفاظ البذيئة والعبارات المهينة، وملاحقة الأشخاص عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومحاولة استدراجهم أو الضغط عليهم عاطفيًا ونفسيًا.
وأكدت أن هذه الممارسات تتعارض مع أخلاق الإسلام التي تدعو إلى طهارة اللسان وحسن الخطاب واحترام الآخرين، مستشهدة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء».
وأضافت أن بعض المستخدمين يظنون أن إخفاء هويتهم خلف الشاشات يمنحهم حرية الإساءة إلى الآخرين دون حساب، وهو تصور خاطئ؛ لأن المسؤولية الأخلاقية والدينية تظل قائمة مهما اختلفت وسيلة التواصل، ولأن ما يكتبه الإنسان أو ينشره قد يترتب عليه ضرر حقيقي يتجاوز حدود العالم الافتراضي.
كما حذرت من التفاعل مع مقاطع الرذيلة أو إعادة نشرها أو المساعدة على انتشارها، مؤكدة أن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا يقتضي تجنب المحتوى المسيء، وعدم المساهمة في انتهاك خصوصية الأفراد أو الإساءة إلى سمعتهم.
اتباع خطوات الشيطان مدخل إلى الوقوع في المحرمات
وفي سياق توضيح المخاطر الشرعية للتحرش الإلكتروني، أكدت الوزارة أن الشريعة الإسلامية لا تكتفي بالنهي عن الأفعال المحرمة، بل تحذر أيضًا من الطرق والوسائل التي قد تقود إليها، وذلك حماية للإنسان من الوقوع في المحظورات وصيانة للمجتمع من أسباب الفساد.
واستشهدت بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
وأوضحت أن بعض صور التحرش تبدأ بنظرات متعمدة أو كلمات غير لائقة أو رسائل تحمل إيحاءات مسيئة، ثم تتطور إلى محاولات الاستدراج أو التهديد أو الابتزاز، وهو ما يستدعي ضرورة ضبط السلوك الرقمي والابتعاد عن كل ما يتضمن تعديًا على الآخرين أو استغلالًا لمشاعرهم أو خصوصياتهم.
وأكدت أن استخدام الإنترنت لا يغير من حقيقة الأفعال أو آثارها، بل قد يؤدي إلى اتساع نطاق الضرر وسرعة انتشاره، الأمر الذي يجعل الالتزام بالضوابط الأخلاقية والدينية ضرورة لحماية الأفراد والمجتمع.
حفظ العرض وصيانة الكرامة من مقاصد الشريعة الإسلامية
وأكدت الوزارة أن حفظ العرض وصيانة الكرامة الإنسانية من المعاني الأساسية التي قررتها الشريعة الإسلامية، وأن الاعتداء على سمعة الإنسان أو خصوصيته أو عرضه يتعارض مع المبادئ التي جاء الإسلام لترسيخها في المجتمع.
واستشهدت بقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، موضحة أن التكريم الإلهي للإنسان يقتضي احترام حقوقه وعدم الاعتداء عليه بأي صورة من الصور، سواء كان الاعتداء مباشرًا أو وقع من خلال وسائل الاتصال الحديثة.
كما استدلت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه»، مؤكدة أن الحديث يبين مكانة العرض في منظومة الحقوق التي يجب على المسلم صيانتها، ويحذر من الاعتداء على كرامة الآخرين أو استباحة خصوصياتهم.
وأضافت أن التجسس على الآخرين وتتبع عوراتهم ونشر أسرارهم من السلوكيات التي نهى عنها الإسلام، مستشهدة بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾، مشددة على ضرورة احترام الحياة الخاصة وعدم تحويل المعلومات أو الصور الشخصية إلى أدوات للإيذاء أو الضغط أو التشهير.
التحرش الإلكتروني يترك آثارًا نفسية واجتماعية خطيرة
وحذرت وزارة الأوقاف من الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على التحرش الإلكتروني، موضحة أن هذا السلوك قد يتسبب في شعور الضحية بالخوف والقلق وفقدان الأمان، فضلًا عن تراجع الثقة بالنفس والميل إلى العزلة الاجتماعية.
كما قد تؤدي المضايقات المتكررة والتهديدات والتشهير إلى ضغوط نفسية تؤثر في الحياة اليومية للضحايا، وتنعكس على علاقاتهم الأسرية وأدائهم الدراسي أو المهني، خاصة عندما تتعرض خصوصياتهم للانتهاك أو يجدون أنفسهم تحت ضغط مستمر بسبب التهديد بنشر معلومات شخصية.
وشددت على خطورة تحميل الضحية مسؤولية ما تعرضت له أو توجيه اللوم إليها، مؤكدة أهمية التعامل مع هذه الحالات بوعي ومسؤولية، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين، مع رفض أي سلوك يبرر التحرش أو يقلل من خطورته.
وأوضحت أن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على التوعية الدينية وحدها، بل تتطلب أيضًا ترسيخ ثقافة احترام الخصوصية والكرامة الإنسانية، وتعزيز المسؤولية الفردية في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بما يسهم في بناء بيئة رقمية أكثر أمانًا واحترامًا للجميع.
مراقبة الله في الخلوات أساس ضبط السلوك الرقمي
وشددت الوزارة على أهمية استحضار مراقبة الله تعالى في التعامل مع الوسائل الإلكترونية، مؤكدة أن غياب الرقابة المباشرة من الآخرين لا يعني غياب المسؤولية عن الأفعال والأقوال.
واستشهدت بقول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
وأكدت أن المسلم مطالب بمراقبة الله في أقواله وأفعاله، وألا يجعل من الخصوصية الرقمية أو إخفاء الهوية وسيلة لارتكاب ما يخالف القيم الدينية والأخلاقية، لافتة إلى أن الكلمة المكتوبة والرسالة المرسلة والمحتوى المنشور قد تترك آثارًا عميقة في حياة الآخرين.
ودعت إلى توظيف التكنولوجيا في نشر العلم والمعرفة والقيم الإيجابية، والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى الإضرار بالآخرين أو انتهاك حقوقهم، مؤكدة أن الاستخدام الرشيد للوسائل الرقمية يمثل مسؤولية فردية ومجتمعية.
رسائل توعوية لمواجهة التحرش الإلكتروني وحماية المجتمع
وفي ختام بيانها، دعت وزارة الأوقاف إلى تعزيز الوعي بخطورة التحرش الإلكتروني، وترسيخ قيم الحياء والعفة واحترام الآخرين، والتأكيد على أن صيانة الأعراض والخصوصيات واجب ديني وأخلاقي لا يتغير بتغير وسائل الاتصال.
كما أكدت أهمية تربية النشء والشباب على الاستخدام المسؤول للإنترنت، وتوعيتهم بمخاطر الرسائل المسيئة والابتزاز والتشهير الرقمي، وغرس مبدأ احترام حدود الآخرين وعدم استغلال الثقة أو المشاعر في الإضرار بهم.
وشددت على ضرورة رفض جميع أشكال التحرش وعدم التساهل مع السلوكيات التي تنتهك الكرامة الإنسانية، مع دعم المتضررين وعدم تحميلهم مسؤولية الاعتداء الواقع عليهم.
وأكدت أن بناء مجتمع آمن يبدأ من احترام الإنسان وحقوقه، وأن وسائل التواصل الاجتماعي ينبغي أن تكون مجالًا للتواصل النافع وتبادل المعرفة وتعزيز الروابط الإنسانية، لا ساحة للإساءة أو الابتزاز أو انتهاك الحرمات.