لم يترك حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان الإرهابية مفهوم البيعة في إطار تعهد عام بالانتماء وإنما خصص له مساحة تفصيلية في «رسالة التعاليم»، حدد خلالها عشرة أركان اعتبرها أساس العلاقة بين العضو والجماعة، تبدأ بالفهم والإخلاص والعمل، وتمر بالجهاد والتضحية والطاعة والثبات والتجرد والأخوة، وصولا إلى الثقة، وهذه الأركان لا تقدم مجرد قائمة من القيم المنفصلة بل ترسم تصورا متكاملا للعضو الذي يريده التنظيم، ولطبيعة ارتباطه بالفكرة والقيادة وبقية الأعضاء.
الفهم أولا.. تحديد مرجعية العضو الفكرية
استهل البنا أركان البيعة بـ«الفهم»، ولم يترك المصطلح مفتوحا أمام تفسيرات متعددة، بل ربطه باقتناع العضو بأن فكرة الجماعة إسلامية، وبأن يفهم الإسلام «كما نفهمه» في حدود الأصول العشرين التي وضعها، وهنا تتجاوز المسألة مجرد التعريف بالدعوة إلى تحديد إطار فكري مطلوب من العضو الالتزام به.
ثم يأتي الإخلاص والعمل، باعتبارهما انتقالا من الاقتناع إلى الممارسة، فالإخلاص، وفقا لتعريف البنا، هو أن يقصد العضو بعمله وجها لله دون البحث عن مكسب أو مكانة، بينما يربط العمل بإصلاح الفرد وأسرته والمجتمع، ثم ينتقل إلى أهداف أوسع تتعلق بالحكومة والكيان الدولي للأمة الإسلامية.
التضحية والطاعة.. من الالتزام بالفكرة إلى تنفيذ الأوامر
ويظهر البعد التنظيمي بصورة أكثر وضوحا عند الانتقال إلى ركني التضحية والطاعة، فالبنا يعرف التضحية بأنها بذل النفس والمال والوقت والحياة في سبيل الغاية، ثم يحدد الطاعة باعتبارها «امتثال الأمر وإنفاذه توا في العسر واليسر والمنشط والمكره».
ولا يقف النص عند هذا التعريف، بل يقسم مراحل الدعوة إلى التعريف والتكوين والتنفيذ، ويصف مرحلة التكوين بأنها تقوم على شعار «أمر وطاعة من غير تردد ولا مراجعة ولا شك ولا حرج»، كما يربط الاستعداد لهذه المرحلة بكمال الطاعة، ويجعلها كذلك شرطا للنجاح في مرحلة التنفيذ
الثبات والتجرد والأخوة.. بناء الارتباط الممتد
ويمتد التصور إلى الثبات، الذي يعني استمرار العضو في العمل مهما طالت السنوات، ثم التجرد الذي يطلب فيه البنا من العضو التخلص من المبادئ والأشخاص الآخرين لصالح فكرته، قبل أن ينتقل إلى الأخوة باعتبارها رابطة تربط القلوب والأرواح بالعقيدة، وتقوم على الوحدة والإيثار.
وتكشف هذه المجموعة من الأركان عن تصور لا يقتصر على علاقة إدارية بين عضو وكيان، بل يستهدف بناء روابط فكرية واجتماعية ممتدة، تجعل الانتماء جزءا من هوية الفرد وعلاقاته وأولوياته.
الثقة.. الحلقة التي تربط العضو بالقيادة
أما الركن العاشر، وهو الثقة، فيمثل أكثر حلقات المنظومة اتصالا بموقع القيادة ويعرفها البنا بأنها «اطمئنان الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه اطمئنانا عميقا ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة».
ولا يكتفي بهذا التعريف، بل يطرح على العضو أسئلة تتعلق باستعداده لاعتبار أوامر القيادة قاطعة لا مجال فيها للجدل أو التردد، وأن يفترض الخطأ في نفسه والصواب في القيادة عند اختلاف التقدير في المسائل الاجتهادية، وأن يضع ظروفه الحياتية تحت تصرف الدعوة، مع منح القيادة حق الترجيح بين مصلحته الخاصة ومصلحة الجماعة.
وبين الأركان العشرة، تتشكل خريطة تبدأ بتحديد ما ينبغي أن يؤمن به العضو، ثم ما ينتظر منه أن يقدمه من جهد وتضحية، وتنتهي بتحديد طبيعة علاقته بالقيادة وهكذا تصبح البيعة مدخلا لفهم البناء التنظيمي، لا باعتبارها كلمة تقال عند الانضمام فحسب، وإنما باعتبارها مجموعة من الالتزامات الفكرية والسلوكية والتنظيمية التي صاغ البنا ملامحها في «رسالة التعاليم».