لا تبدأ صناعة العضو داخل جماعة الإخوان الإرهابية من لحظة إعلان انضمامه إلى التنظيم، وإنما تسبقها في بعض التجارب مراحل ممتدة من التأثر بالأفكار المحيطة والتنشئة داخل الأسرة والدوائر الاجتماعية، وصولا إلى الارتباط بالأنشطة واللقاءات التي تعزز الانتماء للجماعة. وبهذه الطريقة يتحول الانتماء من مجرد اختيار فكري أو سياسي إلى هوية تتداخل مع العلاقات اليومية وطريقة التفكير وتحديد الأولويات لتصبح عملية إعداد الأعضاء وإعادة إنتاج الولاء عبر الأجيال أحد الملفات المهمة لفهم طبيعة البناء التنظيمي للجماعة.
الأسرة.. البوابة الأولى لانتقال الأفكار بين الأجيال
تمثل الأسرة البيئة الأولى التي يتشكل فيها وعي الطفل وتنتقل من خلالها القيم والتصورات والمواقف تجاه المجتمع والحياة العامة وتزداد أهمية هذه المساحة عندما تكون الأفكار التنظيمية حاضرة بقوة داخل المحيط العائلي إذ قد ينشأ الأبناء وسط شبكة من العلاقات المرتبطة بالجماعة الإرهابية ويتعرفون مبكرا على رموزها وخطابها وتصوراتها.
ولا يتوقف التأثير عند حدود نقل الأفكار بل قد يمتد إلى طبيعة الدوائر الاجتماعية التي يتحرك فيها الأبناء والأنشطة التي يشاركون فيها، والأشخاص الذين يتخذونهم نماذج للاقتداء. وهنا تتحول البيئة المحيطة إلى عامل مؤثر في تشكيل الهوية والانتماء، خاصة عندما لا تتاح مساحات كافية للتعرف على رؤى مختلفة أو مناقشة القناعات الموروثة.
الأنشطة واللقاءات.. ما وراء تكوين الروابط الاجتماعية
وتكتسب الأنشطة واللقاءات الجماعية أهمية في دراسة آليات الاستقطاب والتنشئة لأنها لا تقتصر على تقديم محتوى فكري، وإنما تساهم أيضا في بناء علاقات شخصية وشعور بالانتماء إلى مجموعة متماسكة.
وتصبح الروابط الاجتماعية أكثر تأثيرا عندما يرتبط النشاط الجماعي بالتثقيف والمتابعة والتواصل المستمر فيتداخل الجانب الاجتماعي مع الجانب الفكري والتنظيمي ومن هنا يمكن فهم أهمية نظام الأسر داخل الجماعة الإرهابية الذي تناوله القيادي السابق ثروت الخرباوي في شهادته عن تجربته، باعتباره أحد مكونات البناء الداخلي وآليات التواصل والتثقيف ومتابعة الأعضاء.
من العضو الجديد إلى المسؤول.. كيف يعيد التنظيم إنتاج نفسه؟
لا تتوقف عملية التنشئة عند مرحلة الاستقطاب الأولى، وإنما تمتد إلى التدرج داخل الهيكل التنظيمي، حيث تتغير مسؤوليات العضو مع انتقاله بين المستويات المختلفة، ويصبح بعض الأعضاء لاحقا مسؤولين عن متابعة وتوجيه أعضاء آخرين.
وتكشف شهادة الخرباوي عن جوانب من طبيعة البناء الهرمي للجماعة والعلاقات بين مستوياته، بما يفتح المجال لفهم كيفية انتقال الخبرات والتوجيهات من القيادات إلى القواعد، ثم إعادة إنتاجها عبر الأعضاء الذين يتولون مسؤوليات تنظيمية جديدة.
وتكمن خطورة هذه الدائرة في أن الأفكار لا تنتقل باعتبارها مجرد معلومات، وإنما قد تتحول إلى منظومة من القناعات والسلوكيات التي يعيد كل جيل نقلها إلى الجيل التالي، بما يضمن استمرار الهوية التنظيمية ويجعل مراجعة الموروث الفكري أكثر تعقيدا.
توريث الولاء.. عندما يصبح الانتماء جزءا من الهوية
وتظهر إحدى أهم إشكاليات التنشئة التنظيمية عندما يتداخل الانتماء للجماعة الإرهابية مع الهوية الشخصية والعلاقات العائلية والاجتماعية، فيصبح الابتعاد عن التنظيم أو مراجعة أفكاره أمرا يتجاوز تغيير الموقف السياسي إلى إعادة النظر في شبكة كاملة من العلاقات والقناعات التي ارتبط بها الفرد لسنوات.
ومن هنا لا تتعلق المسألة بمجرد اكتساب أعضاء جدد، وإنما بقدرة التنظيم على إعادة إنتاج أفكاره داخل دوائره الاجتماعية عبر أجيال متعاقبة فبين التنشئة التي تفتح أمام الطفل أبواب المعرفة وتعلمه التفكير والمقارنة، والتنشئة التي تحصره في مرجعية واحدة، يتحدد الفارق بين بناء شخصية مستقلة وصناعة انتماء مغلق يعيد إنتاج نفسه.