لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية حديثة لتحسين الخدمات أو تسريع إنجاز المهام، بل أصبح أحد العوامل الرئيسية التي يعاد على أساسها تشكيل الاقتصادات والصناعات وأسواق العمل عالميا، وهو ما يدفع مصر إلى تبني توجه يستهدف الانتقال من الاستفادة من التطبيقات الجاهزة إلى بناء صناعة وطنية قادرة على تطوير التكنولوجيا وإنتاج حلول تنافسية.
وفي هذا السياق، تحدد الاستراتيجية الوطنية الثانية للذكاء الاصطناعي، التي أعدها المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي، توجه مصر خلال السنوات المقبلة نحو بناء صناعة محلية مستدامة في هذا المجال، من خلال تطوير البنية التحتية، وإتاحة البيانات، وتنمية الكفاءات، وتحفيز الابتكار والاستثمار.
ووفقا لبيانات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تستند الاستراتيجية إلى رؤية تقوم على توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز بناء مصر الرقمية ودعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب ترسيخ مكانة مصر مركزا إقليميا للذكاء الاصطناعي في أفريقيا والمنطقة العربية، من خلال تطوير نموذج أساس وطني يدعم نمو الصناعة ويعزز التعاون الإقليمي والدولي.
ولا تقتصر هذه الرؤية على توسيع استخدام التطبيقات الذكية، وإنما تمتد إلى تأسيس منظومة إنتاج متكاملة، تشمل التكنولوجيا والبيانات والبنية التحتية والمهارات والبيئة الداعمة للشركات، بما يضمن استدامة الصناعة وقدرتها على المنافسة.
6 محاور ترسم خريطة التحول
حددت الاستراتيجية ستة أهداف رئيسية تقود مسار تطوير الذكاء الاصطناعي في مصر، يأتي في مقدمتها ضمان الاستخدام الأخلاقي والمسؤول للتكنولوجيا، من خلال إعداد إطار تنظيمي شامل وتفعيل الميثاق الأخلاقي، إلى جانب العمل على وضع نواة لهيئة تنظيمية واضحة والمشاركة في صياغة الجهود الدولية والإقليمية المرتبطة بهذا المجال.
ويمتد المسار إلى تحسين جودة الحياة ورفع كفاءة القطاعات المختلفة من خلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع تطوير أطر وطنية لحوكمة البيانات وتسهيل إتاحتها ومشاركتها، باعتبارها أحد العناصر الأساسية التي تعتمد عليها النماذج والخوارزميات الذكية.
وتضع الاستراتيجية البنية التحتية للحوسبة ضمن ركائز التطوير، عبر بناء قدرات قوية وقابلة للتوسع، وتوفير الخدمات السحابية وتطوير نماذج أعمال تدعم إنشاء صناعة محلية، إلى جانب تهيئة بيئة أعمال قادرة على استيعاب الاستثمارات والابتكارات الجديدة.
كما تستهدف دعم الشركات الناشئة والمحلية والشركات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز استثمارات مؤسسات رأس المال المخاطر، بما يسهم في تحويل الأفكار والابتكارات إلى منتجات وخدمات قابلة للتوسع في الأسواق.
ويكتمل هذا المسار بالاستثمار في العنصر البشري، من خلال رفع كفاءة الكوادر المحلية وتوسيع قاعدة المتخصصين والخبراء، بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل والتطور المتسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
البيانات والحوسبة.. البنية الأساسية للصناعة
تتعامل الاستراتيجية مع البيانات باعتبارها الوقود الذي تعتمد عليه خوارزميات الذكاء الاصطناعي، بدءا من مجموعات البيانات المستخدمة في تدريب النماذج، وصولا إلى سياسات مشاركة المعلومات وحماية الخصوصية وإدارة دورة حياة البيانات.
وتبرز أهمية هذا المحور مع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي والنماذج الكبيرة، التي تتطلب توافر بيانات ملائمة وبنية حاسوبية قادرة على معالجة كميات ضخمة من المعلومات وتشغيل التطبيقات بكفاءة.
وفي هذا الإطار، لا تنظر الاستراتيجية إلى البنية التحتية باعتبارها مجرد شبكات اتصالات أو مراكز بيانات، وإنما باعتبارها أحد المكونات الأساسية التي تحدد قدرة الدولة على تطوير تطبيقاتها ونماذجها الخاصة، وتقليل الاعتماد على الحلول الخارجية.
وتربط الخطة بين هذه العناصر وبين تطوير التكنولوجيا المحلية، من خلال توظيف النماذج الكبيرة والخوارزميات في قطاعات وصناعات متعددة، بما يوسع نطاق الاستفادة الاقتصادية من الذكاء الاصطناعي.
30 ألف متخصص و250 شركة بحلول 2030
وضعت الاستراتيجية مجموعة من المستهدفات الكمية التي تعكس حجم الطموح المصري في هذا المجال، إذ تستهدف وصول عدد المتخصصين والخبراء في الذكاء الاصطناعي إلى 30 ألفا بحلول عام 2030، إلى جانب دعم وتمكين إنشاء أكثر من 250 شركة ناجحة تعمل في هذا القطاع.
وتعكس هذه المستهدفات توجها نحو بناء سوق محلية لا تقتصر على استهلاك التطبيقات والخدمات الذكية، وإنما تمتد إلى تطوير الحلول والمنتجات وتأسيس الشركات القادرة على المنافسة والتوسع.
وعلى مستوى سوق العمل، تستهدف الاستراتيجية استفادة 26% من القوى العاملة في مصر من أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، بما يشير إلى توجه لتوسيع استخدام التكنولوجيا في بيئات العمل ورفع الإنتاجية وتحسين كفاءة الأداء.
كما تستهدف تمكين 26% من السكان من الوصول إلى الذكاء الاصطناعي والمنتجات المدعومة به في حياتهم اليومية خلال خمس سنوات، وهو ما يضع إتاحة التكنولوجيا وتوسيع نطاق استخدامها ضمن أولويات التحول الرقمي.
6 آلاف بحث سنويا لتعزيز الحضور العلمي
لا تتوقف مستهدفات الاستراتيجية عند الشركات وسوق العمل، بل تمتد إلى البحث العلمي، إذ تستهدف توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي، في تسريع وتيرة الأبحاث الأكاديمية، ومضاعفة العدد الحالي للمنشورات البحثية المرتبطة بالمجال ليصل إلى 6 آلاف منشور سنويا.
ويعكس هذا المستهدف أهمية بناء قاعدة بحثية قادرة على مواكبة التطورات العالمية، وربط الجامعات ومراكز البحث العلمي باحتياجات الصناعة، بما يعزز فرص تطوير تطبيقات ونماذج محلية ويدعم مكانة مصر مركزا إقليميا للتعاون البحثي.
مساهمة 7.7% في الناتج المحلي الإجمالي
وعلى المستوى الاقتصادي الأوسع، تستهدف الاستراتيجية وصول مساهمة قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، في سياق توجه يستهدف تعظيم القيمة الاقتصادية للتحول الرقمي وتوسيع دور التكنولوجيا في الأنشطة الإنتاجية والخدمية.
وتنظر الاستراتيجية إلى الرقمنة باعتبارها محركا للنمو الاقتصادي، لما تتيحه من فرص لتطوير قطاعات جديدة، وتعزيز تنافسية الشركات، ورفع الإنتاجية وخفض التكاليف، إلى جانب تحسين كفاءة الخدمات الحكومية ورفع جودة الحياة.
كما تضع ضمن رؤيتها تحقيق قيمة اجتماعية من خلال تطوير الخدمات العامة وتحسين كفاءة القطاع الحكومي، وتعزيز الشمول الرقمي والتنمية المستدامة، بما يجعل الاستفادة من التكنولوجيا ممتدة إلى المواطنين ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص.
من الاستراتيجية إلى التنفيذ
تكشف مستهدفات الاستراتيجية الوطنية الثانية للذكاء الاصطناعي عن تحول في طبيعة الطموح المصري، من التركيز على توظيف التكنولوجيا في تحسين الخدمات إلى السعي لبناء صناعة متكاملة تستند إلى البيانات والقدرات الحاسوبية والبحث العلمي والمهارات والاستثمارات.
لكن تحقيق هذه الرؤية يرتبط بمدى القدرة على تحويل المحاور الستة إلى مشروعات وبرامج قابلة للتنفيذ، وتوفير البيانات اللازمة لتطوير النماذج المحلية، وتأهيل الكوادر بما يتناسب مع احتياجات الصناعة، فضلا عن تهيئة بيئة تنظيمية واستثمارية تشجع الشركات على الابتكار والتوسع.
وبذلك، لا يقاس نجاح الاستراتيجية فقط بزيادة أعداد المستخدمين أو انتشار التطبيقات الذكية، وإنما بقدرة مصر على إنتاج التكنولوجيا وتطوير حلول محلية، وخلق شركات وفرص عمل جديدة، وتحويل الذكاء الاصطناعي إلى مصدر للقيمة المضافة والنمو الاقتصادي بحلول عام 2030.