- "السينما تعني الحياة".. عز الدين شلش يطلق أكاديمية غزة من قلب الركام لمواجهة الموت بالإبداع
- 58 من العاملين في السينما والفنون المسرحية والأدائية استشهدوا في عام واحد
- أكاديمية غزة للسينما.. محاولة لإعادة بناء الحكاية الفلسطينية بينما لا تزال البيوت مدمرة
- المخرجة إسراء أبو جياب: الغناء يتحول إلى طوق نجاة من الخوف والفقد
- مخرجات غزة يروين ما وراء الركام بعيدا عن أرقام الضحايا
- المخرجة ملاك أبو عودة: المهرجان يسعى إلى دعم المواهب السينمائية الفلسطينية
- فنانون وكتاب وموسيقيون يدفعون ثمن الحرب على غزة.. 118 شهيدا
- فاطمة أبو نادي: المرأة الفلسطينية لم تعد بطلة الحكاية فقط بل أصبحت صاحبة الكاميرا والرواية
على أنقاض المنازل التي دمرتها الحرب الإسرائيلية في القطاع، وبين جدران لم تعد قائمة وذكريات لا تزال عالقة في تفاصيل المكان، انبثقت محاولة جديدة للحياة، حملت هذه المرة اسم السينما، هناك، حيث لا يزال دوي القصف يختلط بوجع الفقد والنزوح، افتتحت أكاديمية غزة للسينما، لتمنح النساء مساحة يروين من خلالها حكاياتهن، ويوثقن بعدساتهن ما تركه العدوان من آثار في حياتهن وأحلامهن ومستقبلهن.
وشهد القطاع، في 26 أكتوبر فعاليات الدورة الثانية لمهرجان غزة الدولي لسينما المرأة، تحت شعار "نساء يصنعن الحياة من الموت"، في صالة النخيل المدمرة بالبريج، بحضور لفيف من المثقفين والكتاب والشخصيات المجتمعية ومشاركة نسائية واسعة، حيث شهد الحفل الإعلان عن الانطلاق الرسمي لأكاديمية غزة للسينما وعرض خمسة أفلام لمخرجات من القطاع.
حفل افتتاح أكاديمية غزة للسينما
لم يكن افتتاح الأكاديمية مجرد حدث ثقافي في مدينة أنهكتها الحرب، بل مشهدا إنسانيا استثنائيا، استهل بعرض أفلام أخرجتها سيدات من القطاع، حملت بين مشاهدها تفاصيل الحياة تحت القصف، وتجارب النزوح، وألم فقد الأحبة، ومحاولات التمسك بالأمل وسط واقع يومي مثقل بالخوف والدمار.
على الشاشة، لم تكن النساء مجرد شخصيات في حكايات يرويها الآخرون، بل صاحبات الرواية أنفسهن، يحملن الكاميرا ويواجهن بها ذاكرة الحرب، محاولات تحويل التجارب الشخصية القاسية إلى شهادات بصرية تحفظ تفاصيل ما عاشه الفلسطينيون في القطاع، وتنقل إلى العالم جوانب من معاناتهم قد تعجز الكلمات وحدها عن وصفها.
وبينما تتوالى مشاهد الأفلام، تتقاطع الحكايات الفردية مع مأساة جماعية يعيشها سكان غزة، حيث لا يزال الموت حاضرا، والضحايا يتساقطون، والدمار يطال المنازل والأحياء، فيما يحاول الناجون التكيف مع واقع فقدوا فيه الأمان والاستقرار، وأحيانا أقرب الناس إليهم.
بالنسبة إلى صانعات هذه الأفلام، تبدو السينما أكثر من مجرد ممارسة فنية، إنها وسيلة لاستعادة الصوت في وقت تحاصر فيه الحرب تفاصيل الحياة اليومية، ومحاولة لتوثيق ما قد تمحوه الأنقاض من شواهد وذكريات، فخلف كل مشهد حكاية امرأة اضطرت إلى مواجهة واقع لم تختره، لكنها قررت أن تروي تفاصيله بطريقتها، وتجعل من الصورة مساحة للتعبير عن الألم والخوف والفقد، وكذلك عن القدرة على الصمود.

افتتاح الأكاديمية
الحرب تطال الفنانين وتدمر البنية الثقافية في غزة
لم تقتصر خسائر الحرب الإسرائيلية على الأرواح والمنازل، بل امتدت إلى المشهد الثقافي والفني في غزة، الذي فقد عددا من أبرز مبدعيه، وتعرضت مؤسساته ومساحاته الفنية لدمار واسع، فووفقا لبيان مشترك للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة الثقافة الفلسطينية صدر في مارس 2025، استشهد 118 عاملا في القطاع الثقافي خلال عام 2024 وحده، بينهم 58 من العاملين في الفنون المسرحية والأدائية والسينما، و30 فنانا تشكيليا، و20 كاتبا، و10 موسيقيين، وتكشف الأرقام عن خسارة بشرية تطال مختلف أشكال التعبير الفني، فيما تضررت المؤسسات التي كانت تحتضن الإنتاج الثقافي وتتيح وصوله إلى الجمهور.
انهيار القطاع الثقافى في غزة
وعلى مستوى البنية التحتية الثقافية، أظهرت البيانات الرسمية أن 58 فنانا من العاملين في الفنون المسرحية والأدائية والسينما استشهدوا خلال عام 2024، بينما تعرضت المراكز والجمعيات الثقافية المسجلة، وعددها 25 مركزا، لأضرار كلية أو جزئية، ودُمرت 8 دور نشر ومطابع، وتعرضت المكتبات العامة، البالغ عددها 87 مكتبة، لأضرار متفاوتة.
ضحايا الجماعة الثقافية في غزة بسبب الحرب
كما وثقت منظمة "بن أمريكا" في تقريرها الصادر في سبتمبر 2025 استشهاد، ما لا يقل عن 151 شخصية ثقافية فلسطينية منذ أكتوبر 2023 وحتى يونيو 2025، بينهم كتاب وشعراء وصناع أفلام وفنانون ومترجمون، وتوضح هذه الخسائر أن الحرب لم تستهدف الأماكن التي يُنتج فيها الفن ويُعرض فحسب، بل أصابت أيضا الإنسان الذي يحمل ذاكرته ويحول تجربته إلى صورة وحكاية.
ويكتسب افتتاح أكاديمية غزة للسينما على أنقاض المنازل المدمرة دلالة تتجاوز المكان ذاته. فالمباني التي كانت يوما بيوتا تحتضن العائلات والأحلام تحولت إلى ركام، لكن هذا الركام أصبح شاهدا على محاولة إعادة إحياء جانب من الحياة الثقافية، في مدينة تكافح للحفاظ على ما تبقى من مقوماتها الإنسانية.
جانب من افتتاح أكاديمية غزة للسينما
في هذا المشهد، تتجاور صورتان متناقضتان، دمار واسع خلفته الحرب، وشاشة تحاول أن تمنح الحكايات فرصة للظهور، وبينهما تقف نساء قررن ألا يتركن الحرب تحتكر رواية ما حدث، بل أن يوثقن تجاربهن بأنفسهن، بعيدا عن الأرقام والإحصاءات التي تختصر المأساة أحيانا في أعداد الشهداء والجرحى والنازحين.
ولا تنفصل هذه المبادرة عن واقع إنساني بالغ القسوة، حيث يأتي افتتاح الأكاديمية في وقت لا تزال فيه الحرب الإسرائيلية على غزة مستمرة، وسط سقوط المزيد من الضحايا واتساع رقعة الدمار، الأمر الذي يجعل الاحتفاء بالسينما فعلا محاطا بالتناقضات، فكيف يمكن الحديث عن الفن فيما لا تزال الأرواح تُزهق والبيوت تُدمر؟ وكيف يمكن التفكير في المستقبل بينما يعيش الناس تحت وطأة الخوف والحرمان؟
ربما لا تملك السينما إجابات عن هذه الأسئلة، ولا تستطيع إعادة من فقدوا حياتهم أو ترميم المنازل التي سويت بالأرض، لكنها تمنح الناجين فرصة لتوثيق ما عاشوه، وتحويل الألم إلى ذاكرة مرئية، وإيصال أصواتهم إلى جمهور يتجاوز حدود القطاع المحاصر بالحرب.
جرائم الاحتلال ضد النساء والأطفال
هكذا، لم يكن افتتاح أكاديمية غزة للسينما إعلانا عن بداية مشروع فني فحسب، بل محاولة لانتزاع مساحة للحياة من قلب الخراب، وإعادة الاعتبار لحكايات النساء اللواتي يعشن الحرب بكل تفاصيلها، فمن فوق الأنقاض، خرجت الصور لتقول إن وراء كل منزل مدمر عائلة لها قصة، ووراء كل رقم اسما ووجها وذكرى، وإن للنساء اللواتي يعشن المأساة حقا في أن يروينها بأصواتهن وعدساتهن.
وفي غزة، حيث تبدو إعادة بناء البيوت حلما مؤجلا أمام استمرار الحرب واتساع الدمار، تبدأ أكاديمية السينما من نقطة مختلفة، من محاولة إعادة بناء الحكاية نفسها، حتى لا تتحول المأساة إلى مجرد مشاهد عابرة، وحتى تبقى ذاكرة الناس حاضرة، شاهدة على ما حدث، وعلى الحياة التي لا تزال تحاول أن تجد طريقها بين الركام.
"السينما تعني الحياة"
في غزة، حيث تتواصل الحرب الإسرائيلية وتتسع رقعة الدمار، وحيث تتوارى البيوت تحت الركام وتُثقل الخسائر اليومية أرواح الناجين، تبدو فكرة افتتاح أكاديمية للسينما أقرب إلى التمسك بالحياة في مواجهة الموت، وبهذه الروح، افتُتحت الأكاديمية بمبادرة من المخرج الفلسطيني الدكتور عز الدين شلش، مؤسس الأكاديمية، بالتزامن مع عرض مجموعة من الأفلام التي أخرجتها نساء من القطاع، في تجربة تجمع بين التدريب والإبداع والتوثيق، وتمنح النساء فرصة لرواية تجاربهن بأصواتهن، في وقت لا تزال فيه الحرب تلقي بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية.
ويقول شلش، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن الإصرار على افتتاح الأكاديمية، رغم الظروف القاسية التي يعيشها الفلسطينيون في غزة، ينبع من إيمانه بأن السينما تمثل فعلا من أفعال الحياة، والاستسلام للموت لا يقتصر على فقدان الجسد، بل قد يمتد إلى الروح والقدرة على الحلم والإبداع.

الدكتور عز الدين شلح يفتتح أكاديمية غزة للسينما
ويضيف: "أصررنا على افتتاح الأكاديمية لأن السينما تعني الحياة، فنحن نعيش في ظل هذا الموت، وإذا استسلمنا له فإننا نموت فعلًا، ليس بالضرورة جسديا، بل على مستوى الإنسان والروح، وبما أن السينما تعني الحياة، فإننا نصنع الأفلام ونفتتح الأكاديمية لأن الروح يجب أن تظل حية وألا تموت، وإذا بقيت الروح حية، نستطيع أن نبني من جديد، ونعيد بناء الأشياء كلها، بل وأكثر من ذلك".
من معاناة النساء إلى صناعة الأفلام
لم تبدأ فكرة الأكاديمية بمعزل عن المشاهد الإنسانية التي عاشها شلش خلال الحرب، ولا سيما ما رآه من معاناة النساء في مخيمات النزوح، حيث وجدت كثيرات أنفسهن أمام مسؤوليات مضاعفة بعد فقدان أزواجهن، الذين كانوا يمثلون المعيل الأساسي للأسرة.
ويستعيد بدايات الفكرة قائلا، إن مشاهد النزوح وما رافقها من تغيرات قاسية في حياة النساء دفعت القائمين على المبادرة إلى التفكير في مشروع سينمائي يمنح المرأة مساحة خاصة للتعبير عن تجربتها، ويتيح لها تحويل معاناتها إلى حكايات تصل إلى العالم.
ويوضح: "بدأت الفكرة مع بداية الحرب، عندما رأينا ما تعيشه النساء في مخيمات النزوح، والمشكلات التي يواجهنها، خاصة المرأة التي يستشهد زوجها، وهو معيل الأسرة وربها، فتجد نفسها مضطرة إلى مواجهة الحياة وحدها، كان لا بد من أن نعمل على إطلاق مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة، ليكون مهرجانا متخصصا في هذا المجال".
ومن هنا، لم يعد الهدف مقتصرا على تنظيم عروض سينمائية تستحضر تجارب النساء، بل اتجه نحو بناء مساحة تتيح لهن إنتاج أفلامهن بأنفسهن، وتمنح جيلا جديدا من المخرجات الأدوات اللازمة لتوثيق ما يعشنه، وتحويل التجارب الفردية إلى شهادات إنسانية تحفظ تفاصيل مرحلة استثنائية من تاريخ القطاع.
تأسيس جيل من المخرجات
كانت الدورة الأولى من مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة، وفق شلش، خطوة لإتاحة الفرصة أمام الجمهور لمشاهدة الأفلام ومناقشة قضايا النساء، لكن التجربة دفعت المنظمين إلى التفكير في توسيع نطاق المبادرة، بحيث لا يقتصر دورها على عرض الأعمال السينمائية، بل يمتد إلى تدريب النساء وتمكينهن من إنتاج أفلام جديدة.
ويقول شلش: "انطلق المهرجان في العام الماضي، وشهد عروضا للأفلام، لكننا فكرنا في الدورة الثانية بألا نكتفي بالعروض السينمائية، بل أن نؤسس جيلا من المخرجات، لاسيما أننا نعيش في زمن إبادة، خلفت كثيرا من الحكايات التي يمكن أن تتحول إلى أفلام، نستطيع من خلالها أن نروي حكايتنا للعالم".
أكاديمية غزة للسينما
ويشير إلى أن هذه الأفلام لا تحمل قيمة فنية فحسب، بل تمثل أيضا وثائق إنسانية يمكن أن تبقى شاهدًا على ما تعرض له الفلسطينيون خلال الحرب، فالكاميرا، في هذا السياق، لا تكتفي برصد مشاهد الدمار، وإنما تقترب من تفاصيل الحياة التي تتوارى خلفها، من قصص النساء اللواتي فقدن أزواجهن، إلى معاناة الأمهات والنازحات، وصولا إلى محاولات الأسر الحفاظ على تماسكها وسط ظروف بالغة القسوة.
ويضيف أن هذه الأعمال تمثل وسيلة لرواية التجربة الفلسطينية للعالم، مؤكدا أهمية أن يكون الفلسطينيون أنفسهم أصحاب الرواية، ويمتلكون الأدوات التي تتيح لهم توثيق ما يجري في مجتمعهم، حتى تظل هذه الأفلام شهادات بصرية على ما عاشه الناس وما تعرضوا له.
واقع مؤلم لسكان غزة بسبب الحرب
عشرة أفلام من قلب المعاناة
وسط هذا الواقع، برز فريق النساء المشاركات في المشروع تحت عنوان "نساء يصنعن الحياة من الموت"، في تعبير عن المفارقة التي تعيشها المرأة الفلسطينية، وهي تحاول مواصلة حياتها وصناعة الفن في بيئة يطغى عليها الفقد والدمار، وعلى الرغم من الظروف القاسية التي أحاطت بالتجربة، تمكنت المشاركات من خوض التدريب وإنتاج عشرة أفلام، في خطوة تعكس إصرارهن على الاستمرار في التعلم والإبداع، وتحويل ما يعشنه إلى حكايات مرئية.
ويقول شلش إن الفريق استطاع إنجاز عشرة أفلام، عُرض خمسة منها خلال افتتاح الأكاديمية، على أن تُعرض الأفلام الخمسة الأخرى في حفل الختام، موضحا أن هذا الإنجاز يحمل دلالة إنسانية تتجاوز عدد الأعمال المنتجة.
ويضيف: "هذا الفريق النسائي، الذي يحمل عنوان "نساء يصنعن الحياة من الموت"، استطاع في ظل كل هذا الموت أن يتدرب وينتج أفلاما، لقد أُنجزت عشرة أفلام، عُرض خمسة منها في الافتتاح، وستُعرض الأفلام الخمسة الأخرى في الختام. إن هذا الإصرار من جانب النساء مهم جدًا في مواجهة الموت".
ولا تكمن أهمية هذه التجربة في عدد الأفلام وحده، بل في الظروف التي أُنتجت فيها؛ إذ لم تكن المشاركات يعملن في بيئة مستقرة تتيح لهن التفرغ للإبداع بعيدا عن المخاطر والضغوط، وإنما حاولن التعلم والإنتاج في ظل واقع تفرض فيه الحرب تحديات يومية على أبسط متطلبات الحياة.
الحياة تنتصر على الموت
ويرى شلش أن الإقبال على افتتاح الأكاديمية والمشاركة في فعالياتها يحمل معنى يتجاوز الحضور الثقافي، فهو يعكس، رغبة الناس في الابتعاد عن الموت والبحث عن مساحة للحياة، حتى في ظل واقع لا يزال مثقلا بالخوف والدمار، متابعا: "الناس تهرب من الموت باتجاه الحياة، والحياة تنتصر دائما على الموت، فعلى الرغم من كل هذا الموت الذي يحيط بنا، نحن شعب يعشق الحياة".
وفي غزة، لا يبدو هذا التمسك بالحياة منفصلا عن الألم، بل يتشكل في مواجهته، فالنساء اللواتي شاركن في صناعة الأفلام يحملن تجارب فقد ونزوح وخوف، لكنهن يحاولن في الوقت نفسه أن يحفظن لأنفسهن مساحة للتعبير، وينقلن إلى الآخرين صورة أكثر اكتمالا عن المجتمع الفلسطيني، لا تختصره في أعداد الضحايا أو مشاهد الدمار.

إلقاء فاتن زهير حرب، عضو المجلس البلدي لبلدية دير البلح كلمة خلال المهرجان
ومن خلال أكاديمية غزة للسينما، يسعى شلش وفريق العمل إلى أن تصبح هذه التجربة بداية لمسار أوسع، تتعلم فيه النساء أدوات صناعة الأفلام، ويستطعن من خلاله توثيق قصصهن وقصص مجتمعاتهن، لتبقى الذاكرة الفلسطينية حاضرة عبر شهادات يصنعها أصحابها بأنفسهم، فالأفلام التي خرجت من قلب الحرب لا تستطيع إعادة من فقدوا حياتهم، ولا ترميم المنازل التي دُمرت، لكنها قادرة على حفظ وجوه الناس وحكاياتهم، وعلى نقل تفاصيل حياتهم إلى العالم، بعيدا عن اختزال المأساة في أرقام وإحصاءات.وبين ركام المنازل التي احتضنت يوما أحلام أصحابها، وشاشات تعرض أفلاما صنعتها نساء يواجهن الحرب، تتجسد رسالة الأكاديمية كما يراها مؤسسها، أن يظل الإنسان قادرا على الإبداع، وتبقى الروح حية مهما اشتد الموت، وتتحول السينما إلى مساحة تُروى عبرها الحكايات وتُحفظ فيها الذاكرة.

حضور الفلسطينيين للمهرجان
الغناء يتحول إلى مساحة للنجاة من الخوف
داخل غزة، يطارد القصف النازحين من مكان إلى آخر، وتثقل الخسارة تفاصيل الحياة اليومية، يصبح الغناء أكثر من مجرد صوت، إنه محاولة لانتزاع لحظة أمان من قلب الخوف، واستعادة ما تبقى من الحياة وسط الحرب، ومن هذه المساحة الإنسانية، تنطلق حكاية فيلم "دندنة"، الذي يقترب من تجربة عائلة فلسطينية وجدت في الموسيقى وسيلة للتخفيف من آلام النزوح ومساندة الآخرين نفسيا.
ومن خلال هذه الحكاية، تطرح المخرجة الفلسطينية إسراء ياسين أبو جياب، منسقة مهرجان غزة للسينما والمشاركة في الفيلم، رؤيتها لدور الفن في توثيق المعاناة الفلسطينية، وللمرأة الغزية التي لم تعد تكتفي بأن تكون شاهدة على الحرب، بل أصبحت تروي حكايتها للعالم بصوتها وعدستها.
وتقول المخرجة الفلسطينية، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إن العمل يختلف عن كثير من الأفلام التي تتناول الحرب في القطاع، حيث حاولت الابتعاد عن التركيز المباشر على الحزن، والاقتراب من الألم من زاوية الفن، بوصفه مساحة للمقاومة النفسية واستعادة شيء من الحياة وسط الفقد والنزوح.
النزوح في غزة
وتوضح أن ما لفت انتباهها في قصة الفيلم حكاية امرأة فلسطينية فقدت ثمانية من أبنائها وزوجها، وكانت قبل الحرب تتميز بصوت جميل، اعتادت أن تغني في الأعراس والمناسبات الشعبية، مستعيدة الأغاني الفلسطينية والفلكلور الشعبي القديم، ومع اندلاع الحرب واضطرارها إلى النزوح من منطقة إلى أخرى، وسط أصوات الطائرات والقصف العنيف، لجأت إلى الغناء محاولة أن ترفع صوتها كي ينسجم أطفال العائلة مع أغنياتها، ويبتعدوا، ولو قليلا، عن الخوف الذي يحيط بهم.

المخرجة إسراء أبو جياب
وتروي أن رحلة النزوح كشفت عن موهبة غنائية لدى أحفاد المرأة الصغار، الذين لم يتجاوز بعضهم الرابعة من العمر، إلى جانب مواهب أفراد آخرين من العائلة؛ فمنهم من يعزف العود، ومنهم من يغني، فيما يعزف أحد الأحفاد الغيتار ويتولى آخر ضبط الإيقاع، وهكذا، تشكلت فرقة فنية عائلية بدأت بالغناء داخل المنزل، قبل أن يصل صوتها إلى النازحين في المخيمات، الذين طلبوا من أفرادها الخروج للغناء أمام الناس.
ومع الوقت، انتقلت الفرقة من خيمة إلى أخرى، ومن مخيم إلى آخر، لتصبح أغنياتها أكثر من مجرد محاولة للترفيه، حيث تحولت إلى مساحة للدعم النفسي والتخفيف من وطأة الحرب، تجمع الأطفال والنساء وكبار السن حول الموسيقى والغناء، وتعيد إحياء المناسبات والأغاني والفلكلور الفلسطيني في ظروف تكاد تنتزع من الناس أبسط تفاصيل حياتهم.
وتشير إلى أن حكاية الفرقة لم تتوقف عند حدود المخيمات، بل امتدت إلى المشاركة في حفلات واحتفالات داخل غزة، تقدم خلالها أعمالا تستحضر القضية الفلسطينية والنكبة والحرب والإبادة، لكن بلغة فنية مختلفة، تمنح الألم صوتا آخر، وتفتح نافذة للتعبير عن التجربة الفلسطينية بعيدا عن الاكتفاء بمشهد المعاناة وحده.
ولا تنفصل هذه الرؤية الفنية، عن رسالتها الأوسع بشأن حضور المرأة الفلسطينية في المشهد السينمائي، حيث تقول إسراء أبو غياب، إن المرأة في غزة أصبحت العدسة السينمائية للعالم، لأنها تنقل ما يجري في القطاع من خلال تفاصيل حياتها اليومية، وتروي كيف تحاول حماية أطفالها ومواصلة الحياة في ظل الحرب، في وقت فقدت فيه نساء كثيرات أزواجهن، أو غابوا بسبب الأسر.

إسراء أبو جياب
وتوضح أن هذا التحول لا يقتصر على ظهور المرأة الفلسطينية أمام الكاميرا أو كونها موضوعا للأفلام، بل يمتد إلى توليها صناعة الصورة نفسها، إذ باتت نساء فلسطينيات يكتبن قصصهن، ويخرجن أفلامهن ويصورنها، ثم يشاركن بها في مهرجانات دولية، ليقدمن روايتهن الخاصة عن الحياة في غزة، بعيدا عن أن تظل تجاربهن محكية بأصوات الآخرين.
وتضيف أن المرأة الفلسطينية أصبحت قادرة على تحويل يومياتها إلى أعمال سينمائية وثائقية ودرامية متكاملة، توظف أدوات السرد والصورة لبناء حكايات تنقل ما يعيشه الناس في القطاع خلال الحرب، وتوضح قضاياهم وتجاربهم الإنسانية بلغة فنية تصل إلى جمهور العالم.
وبين حكاية امرأة تستعيد صوتها بالغناء، وعائلة تحول النزوح إلى فرقة فنية، ونساء يوثقن تفاصيل حياتهن بالكاميرا، يقدم "دندنة" صورة أخرى لغزة، صورة لا تتجاهل الفقد والخوف، لكنها تبحث، وسطهما، عن مساحة للفن وللذاكرة وللتمسك بالحياة، فحين يصبح الغناء وسيلة لحماية الأطفال من الرعب، وتتحول الكاميرا إلى أداة تروي بها المرأة قصتها، يغدو الفن شكلا من أشكال الشهادة على ما يحدث، ومحاولة للحفاظ على الحكاية الفلسطينية حية في وجه الحرب.

إسراء أبو جياب خلال إعداد الفيلم
"غرفة الأخبار" حكاية عن الإصرار على الحياة
من أبرز محطات الدورة الثانية لمهرجان غزة السنمائي، هو الإعلان عن "أكاديمية غزة للسينما" لأول مرة في غزة، بهدف تأهيل المواهب الفلسطينية الشابة وتطوير قدراتها في صناعة الأفلام، بما يفتح المجال أمام جيل جديد من السينمائيين والسينمائيات، ويساهم في تعزيز حضور السينما الفلسطينية رغم التحديات التي يفرضها الواقع، حيث يتضمن المهرجان عروضا سينمائية وفقرات موسيقية وفعاليات فنية وثقافية، في محاولة لاستمرار الحياة الثقافية في غزة، والتأكيد على أن الإبداع لا يتوقف أمام الدمار، والسينما تظل وسيلة لحفظ الذاكرة ونقل التجارب الإنسانية إلى جمهور أوسع.
وتقول الصحفية والإعلامية والمخرجة الفلسطينية ملاك أبو عودة، مخرجة فيلم "غرفة الأخبار"، المشارك في المهرجان، إن هذه الدورة تكتسب أهمية خاصة لانعقادها في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع، مؤكدة أن المهرجان لا يقتصر على عرض الأفلام، بل يسعى إلى دعم المواهب السينمائية الفلسطينية، وإتاحة مساحة للمخرجات الفلسطينيات لرواية حكاياتهن وتوثيق تجاربهن بالصورة.

الصحفية والمخرجة الفلسطينية ملاك أبو عودة
وتضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن المهرجان يمثل مساحة للتعبير عن التجربة الفلسطينية من خلال السينما، ويمنح صناع الأفلام فرصة للتواصل مع تجارب سينمائية أخرى، مشيرة إلى أن الفلسطينيين ليسوا مجرد موضوع للأفلام، بل هم أيضا أصحاب كاميرا وحكاية وقرار إبداعي، وقادرون على تقديم روايتهم للعالم بأدواتهم الفنية والإنسانية.
وتشير إلى أن انعقاد المهرجان في صالة النخيل بمنطقة البريج، رغم تعرضها للدمار، يحمل دلالة خاصة، حيث تتحول المساحة المتضررة إلى مكان لعرض الحكايات الفلسطينية، في مشهد يجسد قدرة الثقافة على استعادة حضورها من قلب الخراب، وإيصال أصوات أصحاب هذه الحكايات إلى العالم.
حكاية صحفي كفيف يتمسك بمهنته وسط الحرب
وعن تجربتها الشخصية ومشاركتها في المهرجان بفيلم "غرفة الأخبار"، تؤكد ملاك أبو عودة أن هذه المشاركة لا تمثل بالنسبة إليها مجرد تجربة سينمائية جديدة، بل امتدادا لعملها الصحفي والإعلامي، ورغبتها الدائمة في البحث عن قصص الإنسان الفلسطيني وتقديمها بطريقة تترك أثرا لدى الجمهور.

ملاك أبو عودة
وتقول: "أنا صحفية وإعلامية وصانعة محتوى ومعلقة صوتية، وأطمح إلى أن أواصل تجربتي كمخرجة فلسطينية، أؤمن بأن الصورة ليست مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل أداة عظيمة لحفظ الذاكرة وتوثيق التجارب الإنسانية التي قد تضيع وسط الأخبار المتلاحقة والمتسارعة".
وتوضح أن وجود مهرجان سينمائي في غزة يمنح المخرجين والمخرجات فرصة لعرض أعمالهم والتفاعل مع تجارب مختلفة، كما يؤكد قدرة الفلسطينيين على إنتاج أفلامهم ورواية قصصهم بأنفسهم، بدلا من الاكتفاء بظهورهم بوصفهم موضوعا للتغطيات والأعمال السينمائية.
وفي هذا السياق، تشارك أبو عودة بفيلمها "غرفة الأخبار"، الذي يتناول حكاية الصحفي الكفيف مؤمن البيطار وشقيقته منة البيطار، اللذين أنشآ غرفة أخبار داخل منزلهما الذي تعرض للقصف، في محاولة لمواصلة عملهما الصحفي رغم الظروف القاسية التي فرضتها الحرب، مشيرة إلى أن ما جذبها إلى هذه الحكاية هو ما تحمله من مفارقة إنسانية؛ فمنزل تعرض للقصف، وواقع تحيط به ظروف بالغة الصعوبة، يقابله إصرار من مؤمن وشقيقته على إيجاد مساحة يواصلان من خلالها عملهما الصحفي.
وتقول: «في هذه الحكاية لا أتحدث فقط عن صحفي كفيف يمارس مهنته في ظروف استثنائية، بل عن إرادة إنسان يتمسك بدوره، وعن شقيقته منة التي تشاركه هذه التجربة لحظة بلحظة، كما أتحدث عن قدرة الإنسان على تحويل مساحة داخل منزل متضرر إلى غرفة أخبار، يواصل منها عمله ويسعى من خلالها إلى تأمين قوت يومه".
وتضيف أن العمل على الفيلم كان محاولة للاقتراب من تجربة إنسانية تستحق أن تُروى، وتقديم الصحفي من زاوية تتجاوز كونه ناقلا للأخبار، إلى كونه إنسانا يعيش آثار الحرب ويحاول، في الوقت نفسه، توثيق ما يجري حوله.

كواليس فيلم غرفة الأخبار
وتتابع أن الفيلم يطرح حكاية عن الإصرار على الاستمرار، والصحافة بوصفها مسؤولية إنسانية لا تتوقف عند حدود الظروف الشخصية أو الصعوبات التي يفرضها الواقع، موضحة أن تجربة العمل على الفيلم عززت قناعتها بقدرة السينما على تقديم تفاصيل لا يتسع لها الخبر الصحفي، مثل تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الإنسانية واللحظات التي تكشف تمسك الناس بأدوارهم وأحلامهم رغم كل ما يحيط بهم.
السينما ذاكرة تقاوم النسيان
وترى ملاك أبو عودة أن مشاركتها في مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة من خلال فيلم "غرفة الأخبار" تمثل فرصة لتكون جزءا من حراك سينمائي فلسطيني يسعى إلى حماية الذاكرة الجماعية، وإبراز القصص المحلية التي تستحق أن تصل إلى جمهور أوسع، لافتة إلى أن السينما تمنح الحكايات الإنسانية فرصة للعبور من حدود المكان، وتسمح للعالم بالتعرف إلى تفاصيل الحياة الفلسطينية التي قد لا تظهر كاملة في التغطيات الإخبارية، بما تحمله من ألم وصمود وعلاقات إنسانية وإصرار على مواصلة الحياة.
مواهب غزة السينمائية تصنع الأمل من قلب الحرب
تتزاحم مشاهد الحرب والدمار مع حكايات الصمود والتمسك بالحياة، تحاول مجموعة من الشابات والشبان أن تجد طريقها إلى الشاشة، لا لتروي مآسيها فحسب، بل لتوثق ذاكرتها وتحفظ حكايات أهلها بالصورة والصوت، هنا، تصبح السينما مساحة للتعبير عن الذات، ووسيلة لمقاومة النسيان، ونافذة يطل منها جيل فلسطيني على العالم بلغته الخاصة.
بهذه الروح، خاضت 25 فتاة وستة شبان من غزة تجربة تدريبية في صناعة الأفلام، امتدت على مدى ثمانية أشهر، تحت إشراف المنتجة والمخرجة الفلسطينية مي المصري، إحدى مؤسسات أكاديمية غزة للسينما، بالتعاون مع الدكتور عز الدين شلح، في تجربة جمعت بين التعلم والإبداع والإيمان بقدرة السينما على منح أصحاب الحكايات فرصة لسردها بأنفسهم.
وتستعيد مي المصري هذه التجربة باعتزاز، مؤكدة أن ما جرى لم يكن مجرد دورة تدريبية لتعليم أساسيات صناعة الأفلام، بل رحلة إنسانية وفنية ثرية، أتاحت للمشاركين فرصة اكتشاف قدراتهم وتطوير أدواتهم، وتحويل أفكارهم وتجاربهم إلى أعمال سينمائية تحمل رؤيتهم الخاصة.
وتقول المصري: "أشعر بفخر كبير بالمواهب التي تخرج من غزة، هؤلاء الشباب والشابات لديهم الكثير ليقدموه، ولديهم قصص تستحق أن تُروى، وأصوات تستحق أن تصل إلى العالم".
المنتجة والمخرجة الفلسطينيةمي المصري
ثمانية أشهر من التعلم وصناعة الحكايات
على مدى ثمانية أشهر، عملت المصري والدكتور عز الدين شلح على الإشراف على الدورة، بمشاركة مدربين وأساتذة من غزة وخارجها، أسهموا في نقل خبراتهم إلى المتدربين، ومساعدتهم على تطوير أفكارهم وتحويلها إلى أفلام، حيث تقول : "أحب أن أهنئ الأساتذة من غزة ومن الخارج، وكثير منهم متطوعون، الذين شاركوا معنا في التدريب، لقد بذلوا جهدا مهما في هذه التجربة، وكانوا جزءا أساسيا منها".
أفلام تحمل أصوات أصحابها
وتترقب المشاركات والمشاركون فرصة عرض الأفلام التي أنجزوها، لتخرج أعمالهم من إطار التدريب إلى فضاء المشاهدة والنقاش، وتصل حكاياتهم إلى جمهور أوسع، حيث تشير مي المصري إلى أن الجمهور سيتمكن، خلال الأيام المقبلة وفي إطار المهرجان، من مشاهدة بعض الأفلام التي صنعها المتدربون، في خطوة تمثل ثمرة أشهر من العمل والتعلم والتجريب.
ولا تقتصر أهمية هذه العروض على الاحتفاء بإنجاز فني، بل تمثل أيضا فرصة للاعتراف بقدرة الشباب الفلسطيني على الإبداع، حتى في ظل الظروف الاستثنائية، فكل فيلم يحمل تجربة صاحبه، ويكشف عن طريقة مختلفة في النظر إلى العالم، وقدرة على تحويل الأفكار والمشاعر والوقائع إلى لغة بصرية تتجاوز الحواجز.
تجربة غيرت المخرجة
ورغم خبرتها الطويلة في السينما، لا تنظر مي المصري إلى التجربة باعتبارها فرصة لتعليم الآخرين فقط، بل تؤكد أنها كانت رحلة تعلم شخصية بالنسبة إليها أيضا، حيث تقول: "أعتبر أنني تعلمت كثيرا على الصعيد الشخصي من هذه التجربة الغنية"، حيث تكشف هذه الكلمات جانبا آخر من التجربة، فالعلاقة بين المخرجة والمتدربين لم تكن في اتجاه واحد، بل أتاحت تبادل الخبرات والأسئلة والرؤى، وفتحت أمام الجميع مساحة لاكتشاف إمكانات جديدة في السينما وفي أنفسهم.
السينما الفلسطينية حكاية تُروى من قلب الركام
وبالتزامن مع عرض أفلام أخرجتها سيدات من غزة، تستحضر تجاربهن الإنسانية تحت وطأة الحرب الإسرائيلية، تبرز السينما بوصفها مساحة للتعبير والتوثيق، ومحاولة لحماية الذاكرة من النسيان، في وقت لا تزال فيه الحرب مستمرة، والضحايا يتساقطون، والدمار يطال المنازل والأحياء، بينما يكافح الفلسطينيون للحفاظ على ما تبقى من تفاصيل حياتهم.
ومن هذا المشهد، تستحضر الإعلامية الفلسطينية فاطمة أبو نادي، معنى سينما المرأة في غزة، معتبرة أن عبارة "نساء يصنعن الحياة من الموت" ليست مجرد شعار، بل تعبير عن واقع تعيشه النساء الفلسطينيات، اللواتي يواجهن المأساة بأدوار متعددة، ويتمسكن بحقهن في التعبير عن تجاربهن وصناعة روايتهن الخاصة.
وتقول أبو نادي: "لا تقف المرأة أمام الكاميرا بوصفها ضحية تنتظر التعاطف، بل بوصفها إنسانة تملك صوتها، وتروي تجربتها، وتعيد صياغة روايتها للعالم، إنها الأم التي تحمي ما تبقى من أسرتها، والصحفية التي توثق الحقيقة، والمخرجة التي تصنع فيلما من قلب الركام، والكاتبة التي تقاوم بالصورة والكلمة محاولات محو الذاكرة الفلسطينية".
في كلماتها، تتجاوز صورة المرأة الغزية حدود المعاناة المباشرة، لتكشف عن أدوار إنسانية تتشابك فيها مسؤوليات الأسرة مع محاولات التوثيق والإبداع، فالمرأة التي تواجه فقدان منزلها أو النزوح أو غياب أحبائها، قد تجد في الكاميرا وسيلة لاستعادة قدرتها على التعبير، وتحويل ما عاشته من تجربة شخصية إلى حكاية تصل إلى الآخرين.
وتضيف أبو نادي: " هنا تكمن قوة السينما، فهي لا تكتفي بنقل مشاهد الدمار، بل تكشف ما وراء الصورة، الإنسان الذي يحاول أن يعيش، والمرأة التي تعيد ترميم المعنى وسط الخراب، والأحلام التي تصر على البقاء رغم كل شيء".
ومن خلال الأفلام التي أخرجتها نساء من القطاع، يتحول المشهد السينمائي إلى مساحة لرصد ما تتركه الحرب في الحياة اليومية، من خوف وفقد ونزوح، إلى جانب محاولات التمسك بالأمل واستعادة الشعور بالحياة، فالصورة هنا ليست مجرد توثيق للدمار، بل نافذة على الإنسان الذي يعيش خلفه، وعلى التفاصيل الصغيرة التي قد تغيب وسط تدفق الأخبار وأرقام الضحايا.
ويكتسب افتتاح أكاديمية غزة للسينما على أنقاض المنازل المدمرة دلالة إنسانية خاصة، حيث تنطلق المبادرة من مكان يحمل آثار الخراب، لتمنح النساء فرصة للتعبير عن تجاربهن، وتفتح أمامهن مجالا لاستخدام السينما أداة لحفظ الذاكرة الفلسطينية وتوثيق التحولات التي فرضتها الحرب على المجتمع.
وفي قطاع تتواصل فيه المأساة الإنسانية، يصبح توفير مساحة للإبداع السينمائي محاولة للحفاظ على جانب من الحياة الثقافية، وإبقاء الحكايات الفردية حاضرة في مواجهة خطر اختزال التجربة الفلسطينية في مشاهد الدمار وأعداد القتلى والجرحى والنازحين.
وفي هذا السياق، تؤكد فاطمة أبو نادي أن الاحتفاء بسينما المرأة يتجاوز حدود الفن، ليرتبط بحق النساء في امتلاك روايتهن، وحق الفلسطينيين في التعبير عن واقعهم بأصواتهم، بعيدا عن الصور النمطية التي تحصرهم في مشاهد الألم والمعاناة، قائلة إن الاحتفاء بسينما المرأة في غزة هو احتفاء بحق النساء في امتلاك الحكاية، وبحق الفلسطينيين في رواية واقعهم بأصواتهم، بعيدا عن الصور النمطية التي تختزلهم في أرقام الضحايا ومشاهد الألم.
ولا يعني ذلك أن السينما قادرة على وقف الحرب أو محو آثارها، لكنها تتيح للنساء تسجيل شهاداتهن، وحفظ تفاصيل قد تتوارى خلف حجم الدمار، ونقل تجاربهن إلى جمهور أوسع، فحين تتحول الذاكرة إلى صورة، تصبح الحكاية وسيلة لفهم ما وراء الأرقام، واستعادة ملامح الإنسان الذي يحاول مواصلة حياته رغم الخسارات المتلاحقة.
وتشير الإعلامية الفلسطينية، إلى أن النساء في غزة لا يصنعن الحياة من الموت فحسب، بل يمنحن الحكايات قدرة على البقاء، والذاكرة معنى يتجاوز اللحظة الراهنة، والسينما دورا يتخطى حدود الشاشة، متابعة: "السيدات داخل القطاع لا يصنعن الحياة من الموت فحسب، بل يصنعن من الحكايات ذاكرة، ومن الذاكرة موقفا، ومن السينما نافذة يرى العالم من خلالها الإنسان الفلسطيني كما هو: صاحب حق، وصوت، وحلم لا ينطفئ".
وبين أنقاض المنازل التي دمرتها الحرب، والشاشة التي تعرض حكايات نساء قررن أن يروين تجاربهن بأنفسهن، تتجسد مفارقة غزة الإنسانية، فبينما تتواصل الخسائر ويظل المستقبل مثقلا بالأسئلة، تحاول السينما أن تحفظ ما لا تستطيع الأنقاض احتواءه، أصوات الناس، وذكرياتهم، وحقهم في أن تُروى حكاياتهم كما عاشوها.
هكذا، يأتي افتتاح أكاديمية غزة للسينما بوصفه مساحة لمحاولة إعادة بناء الحكاية وسط الدمار، حكاية نساء لا يختصرهن الألم، ولا تلغي الحرب قدرتهن على التعبير، بل يحاولن تحويل تجاربهن إلى شهادة إنسانية تبقى حاضرة في ذاكرة المكان والعالم.