سيشل تربك حسابات روسيا وأوروبا.. كيف تصنع الدول الصغيرة نفوذها؟

الأحد، 01 نوفمبر 2026 11:18 ص
سيشل تربك حسابات روسيا وأوروبا.. كيف تصنع الدول الصغيرة نفوذها؟ سيشيل

0:00 / 0:00
بيشوى رمزى

في المحيط الهندي، حيث تتقاطع طرق التجارة الدولية والمصالح العسكرية والاقتصادية للقوى الكبرى، تتحول دولة صغيرة مثل سيشل إلى طرف يحظى باهتمام يتجاوز مساحته وعدد سكانه، بعدما فتحت أبوابها أمام تعاون متزايد مع روسيا، في وقت ترتبط فيه بعلاقات اقتصادية وأمنية وثيقة مع أوروبا.

ولا تكمن أهمية هذا التحول في احتمال انتقال سيشل من معسكر إلى آخر، وإنما في قدرتها على توسيع خياراتها، وتحويل موقعها الجغرافي وموانئها وقطاعاتها الاقتصادية إلى عناصر جذب لشركاء دوليين تتباين مصالحهم، بما يمنحها هامشًا أوسع للحركة في بيئة دولية تزداد تنافسًا.

وأعاد تقرير نشرته منصة «أفريكا إنتليجنس» في 30 أكتوبر تسليط الضوء على التقارب بين سيشل وموسكو، مشيرًا إلى أن المصالح المرتبطة بالقطاع المالي واستقبال السفن الروسية دفعت بروكسل إلى إعادة النظر في طريقة تعاملها مع الأرخبيل الأفريقي.

سيشل.. روسيا تدخل من بوابة البحر والاقتصاد
 

منذ وصول الرئيس باتريك هيرميني إلى السلطة أواخر عام 2025، اكتسبت العلاقات بين سيشل وروسيا زخمًا ملحوظًا، تُوّج بزيارة الرئيس السيشلي إلى موسكو ولقائه فلاديمير بوتين في أبريل 2026.

وشملت المباحثات التعاون في السياحة والطاقة والنقل والصيد البحري والتعليم، بينما اتخذ التقارب بعدًا أمنيًا مع استقبال ميناء فيكتوريا سفنًا تابعة للبحرية الروسية، وتوقيع مذكرة تفاهم للتعاون البحري والتدريب العسكري.

وفي سبتمبر، استقبلت سيشل سفينة التدريب الروسية «بيريكوب»، بعد زيارة سفينة حربية روسية أخرى في فبراير، فيما أعلن قائد قوات الدفاع السيشلية التخطيط لإجراء تدريب مشترك لمكافحة القرصنة خلال زيارة بحرية روسية مرتقبة في نوفمبر.

ولم يتوقف التعاون عند المجال العسكري؛ إذ أعلن وزير خارجية سيشل باري فور، خلال وجوده في موسكو نهاية أكتوبر، بدء تصدير التونة مباشرة إلى السوق الروسية عبر رحلات إيروفلوت، إلى جانب اعتزام بلاده افتتاح سفارة مقيمة في العاصمة الروسية خلال الربع الأول من 2027.

وتمنح هذه التحركات موسكو فرصًا لتوسيع حضورها الاقتصادي والبحري في المحيط الهندي، لكنها تمنح سيشل في المقابل أسواقًا جديدة وفرصًا للتدريب والتعاون الفني، دون أن تضطر بالضرورة إلى التخلي عن شركائها التقليديين.

أوروبا.. مصالح قائمة لا يمكن تجاهلها
 

في المقابل، لا تبدأ علاقة سيشل بأوروبا من الصفر؛ فالاتحاد الأوروبي شريك اقتصادي مهم للأرخبيل، خصوصًا في قطاع الصيد البحري، فضلًا عن التعاون في الأمن البحري ومكافحة الأنشطة غير المشروعة في المحيط الهندي.

وتزداد أهمية هذه العلاقة بالنظر إلى اعتماد اقتصاد سيشل على السياحة والثروة السمكية، وهما قطاعان يرتبطان بالأسواق الخارجية وحركة الملاحة والتجارة الدولية.

ومن هنا، فإن اهتمام بروكسل بالتقارب الروسي لا يتعلق فقط بوصول سفن عسكرية إلى ميناء فيكتوريا، وإنما باحتمال توسع النفوذ الروسي في قطاعات مالية وتجارية وأمنية داخل منطقة تتمتع فيها أوروبا بمصالح راسخة.

ومع ذلك، لا توجد مؤشرات كافية على أن سيشل قررت استبدال شراكتها الأوروبية بعلاقة حصرية مع موسكو؛ بل تؤكد حكومتها تمسكها بسياسة تقوم على الصداقة مع الجميع وعدم العداء لأحد.

وهنا تظهر المفارقة: فكلما زادت أهمية سيشل بالنسبة إلى شركائها، اتسعت فرصها في الحصول على تعاون اقتصادي وأمني متنوع، بشرط ألا تتحول المنافسة الدولية إلى ضغوط تحد من استقلال قرارها.

جيبوتي.. الجغرافيا تتحول إلى مورد اقتصادي
 

ليست سيشل الدولة الأفريقية الوحيدة التي اكتشفت أن الموقع الجغرافي يمكن أن يعوض محدودية الموارد الطبيعية.

فعلى الضفة الأخرى من المحيط الهندي، بالقرب من مضيق باب المندب، نجحت جيبوتي في استثمار موقعها عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر لاستضافة قواعد عسكرية لقوى دولية متنافسة، بينها الولايات المتحدة والصين وفرنسا واليابان وإيطاليا.

وتحصل جيبوتي على عوائد مالية من استضافة هذه القواعد، إلى جانب الاستثمارات المرتبطة بالموانئ والنقل والخدمات اللوجستية، بما جعل موقعها الجغرافي أحد أهم مواردها الاقتصادية.

واللافت أن وجود القواعد الأمريكية والصينية على مسافات متقاربة لم يمنع جيبوتي من التعاون مع الطرفين، رغم التوترات الاستراتيجية بين واشنطن وبكين.

لكن التجربة تكشف أيضًا حدود هذه السياسة، إذ يثير حجم الاستثمارات والديون الصينية مخاوف بشأن تزايد اعتماد جيبوتي على شريك بعينه، فضلًا عن مخاطر تحول أراضيها إلى ساحة احتكاك بين القوى العسكرية الكبرى.

موريشيوس.. قاعدة عسكرية تعيد فتح ملف السيادة
 

وتقدم موريشيوس نموذجًا مختلفًا، بعدما استخدمت موقع أرخبيل تشاجوس وأهمية قاعدة دييجو جارسيا العسكرية في معركة دبلوماسية طويلة مع بريطانيا لاستعادة السيادة على الجزر.

وفي مايو 2025، وقعت لندن وبورت لويس اتفاقًا يعترف بسيادة موريشيوس على الأرخبيل، مع الإبقاء على استخدام القاعدة العسكرية الأمريكية البريطانية بموجب ترتيبات طويلة الأجل.

لكن الاتفاق واجه عقبات سياسية وقانونية حالت دون دخوله حيز التنفيذ حتى أكتوبر 2026، في ظل اعتراضات أمريكية على بعض ترتيباته واستمرار المفاوضات بين الأطراف المعنية.

وتكشف هذه التجربة كيف يمكن لدولة محدودة الحجم أن تجعل من موقع استراتيجي ورقة تفاوض بشأن السيادة والمصالح الاقتصادية، حتى وإن ظلت قدرتها على تحقيق النتائج مرتبطة بمواقف القوى الأكبر.

هل تستطيع الدول الصغيرة صناعة نفوذها؟
 

بين سيشل وجيبوتي وموريشيوس، تختلف الأدوات والظروف، لكن القاسم المشترك يتمثل في محاولة تحويل ما تمتلكه الدول الصغيرة من مواقع جغرافية أو موانئ أو حقوق سيادية إلى عناصر تمنحها أهمية لدى القوى الكبرى.

فجيبوتي تستثمر موقعها في استضافة القواعد العسكرية والخدمات اللوجستية، وموريشيوس توظف الأهمية الاستراتيجية لتشاجوس في مفاوضات السيادة، بينما تسعى سيشل إلى توسيع شراكاتها الاقتصادية والأمنية مع روسيا دون التفريط في علاقاتها الأوروبية.

غير أن تعدد الشركاء لا يضمن تلقائيًا زيادة النفوذ؛ إذ يتوقف الأمر على قدرة الدولة على تحقيق مكاسب ملموسة، والحفاظ على استقلال قرارها، وتجنب الاعتماد المفرط على طرف واحد.

وفي حالة سيشل، ستكون نتائج التعاون مع موسكو واستمرار الشراكة مع بروكسل هما الاختبار الحقيقي لهذه السياسة، خصوصًا في مجالات الصيد البحري والتجارة والسياحة والأمن البحري.

وهكذا، فإن السؤال الذي يطرحه التقارب بين سيشل وروسيا لا يتعلق فقط بما يمكن أن تكسبه موسكو أو تخسره أوروبا، وإنما بما تستطيع سيشل نفسها تحقيقه من تنافس الشركاء على التعاون معها.

فالدولة الصغيرة قد لا تمتلك القدرة على تغيير موازين القوى الدولية، لكنها تستطيع، إذا أحسنت توظيف مواردها وموقعها، أن تجعل وجودها جزءًا من حسابات تلك القوى، بدلًا من أن تكون مجرد مساحة تتحرك فوقها مصالح الآخرين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة