من «المخلف» إلى «المورد».. المسؤولية الممتدة للمنتج تغلق دائرة الإنتاج والاستهلاك وإعادة التدوير
منال عوض: القطاع الخاص والشباب شريكان أساسيان.. ونسعى لفتح المجال أمام الأفكار والمشروعات الجديدة
لم يعد التعامل مع المخلفات في مصر قائمًا فقط على السؤال التقليدي: أين تذهب المخلفات بعد التخلص منها؟، وإنما تتجه منظومة إدارة المخلفات إلى طرح سؤال أكثر شمولًا: من المسؤول عن المخلف منذ لحظة إنتاج المنتج وحتى نهاية عمره؟
ومن هنا يبرز مفهوم «المسؤولية الممتدة للمنتج» باعتباره أحد الأدوات التي تستهدف تغيير طريقة التعامل مع المخلفات، بحيث لا تنتهي مسؤولية المنتج عند خروج السلعة من المصنع أو بيعها للمستهلك، وإنما تمتد إلى مرحلة ما بعد الاستخدام، بما يشمل جمع المخلفات الناتجة عنها واستردادها وإعادة تدويرها، وإعادة المواد القابلة للاستفادة مرة أخرى إلى دورة الإنتاج.
وتتحرك وزارة التنمية المحلية والبيئة نحو الانتقال بهذا المفهوم من الإطار التشريعي والمؤسسي إلى التطبيق الفعلي، مع العمل على بناء منظومة تشارك فيها الدولة والمنتجون والقطاع الخاص والمواطن والقطاع غير الرسمي، وتستفيد في الوقت نفسه من التكنولوجيا الحديثة في المتابعة والرقابة.
ما المقصود بالمسؤولية الممتدة للمنتج؟
تقوم الفكرة على أن المنتج يتحمل جانبًا أساسيًا من مسؤولية إدارة المخلفات الناتجة عن منتجاته بعد انتهاء استخدامها، بدلًا من أن تقع أعباء التعامل معها بالكامل على منظومة المخلفات العامة.
على سبيل المثال، فعبوة بلاستيكية أو زجاجية أو معدنية، لا يفترض أن تنتهي رحلتها بمجرد إلقائها في سلة المخلفات، وإنما يمكن أن تدخل في مسار جديد يبدأ من الجمع والفرز ثم الكبس والمعالجة وإعادة التدوير، وصولًا إلى إنتاج خامة يمكن استخدامها مرة أخرى في الصناعة.
وهنا تتحول المخلفات من عبء يحتاج إلى التخلص منه إلى مورد اقتصادي قابل للاسترداد، وهو جوهر فلسفة الاقتصاد الدائري التي تسعى المنظومة إلى دعمها.
وتضمن قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020 تعريفًا لمفهوم المسؤولية الممتدة للمنتج، بما وضع الأساس التشريعي للمنظومة، بينما يتمثل التحدي الأكبر في كيفية تحويل هذا الإطار إلى نظام قابل للتطبيق على الأرض، يحدد الأدوار والمسؤوليات والالتزامات وآليات المتابعة.
منال عوض: ننتقل بالمسؤولية الممتدة من التشريع إلى التنفيذ الفعلى
وأكدت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، أن منظومة المسؤولية الممتدة للمنتج تمثل خطوة أساسية للانتقال بإدارة المخلفات من الإطار التشريعي إلى مرحلة التنفيذ العملي، مع ضرورة تحديد أدوار ومسؤوليات جميع الأطراف المشاركة.
وشددت الدكتورة منال عوض على أن نجاح المنظومة لا يرتبط بمجرد وجود النصوص القانونية، وإنما بقدرة مختلف الأطراف على تنفيذ الالتزامات وتحويل المسؤولية إلى ممارسة فعلية ترفع كفاءة إدارة المخلفات وتدعم أهداف الاستدامة والاقتصاد الدائري.
رحلة المخلف.. من المستهلك إلى المصنع مرة أخرى
أحد أهم أهداف المنظومة هو إغلاق دورة تداول المواد، بحيث لا تكون إعادة التدوير مجرد مرحلة للتخلص من المخلفات، وإنما جزءًا من دورة إنتاج جديدة.
وبالتالي تبدأ الرحلة من المنتج، ثم المستهلك، وبعد انتهاء استخدام المنتج تنتقل المخلفات إلى نقاط التجميع، ثم عمليات النقل والفرز والمعالجة وإعادة التدوير، لتتحول إلى خامات مستردة يمكن إعادتها إلى المنتجين واستخدامها في تصنيع منتجات وعبوات جديدة.
وتشمل الخامات القابلة للاسترداد وإعادة التدوير العديد من المواد، من بينها البلاستيك والورق والكرتون والمعادن والزجاج، بما يفتح الباب أمام سوق واسعة للخامات المعاد تدويرها.
وهنا يصبح نجاح المنظومة مرتبطًا بقدرتها على الربط بين الكميات التي يتم إنتاجها من المخلفات والكميات التي يتم جمعها وإعادة تدويرها والخامات الناتجة عنها، وصولًا إلى استخدامها مرة أخرى داخل الصناعة.
منال عوض: القطاع الخاص والشباب شريكان أساسيان
وأوضحت الدكتورة منال عوض أن القطاع الخاص والشباب يمثلان شريكين أساسيين في نجاح منظومة المسؤولية الممتدة للمنتج، مع أهمية فتح المجال أمام الأفكار الجديدة والمشروعات الناشئة التي يمكنها تقديم حلول مبتكرة لإدارة المخلفات وإعادة تدويرها.
وتتجه الرؤية إلى الاستفادة من الخبرات الفنية والتكنولوجية للقطاع الخاص، بما يساهم في إدارة وتشغيل مكونات المنظومة بكفاءة، إلى جانب توفير بيئة تساعد الشركات على الاستعداد للالتزامات الجديدة المرتبطة بالمسؤولية الممتدة للمنتج.
ولا يقتصر الأمر على الشركات الكبرى، إذ تمثل الشركات الناشئة والمشروعات التي يقودها الشباب فرصة لتطوير حلول جديدة في مجالات الجمع والفرز والتتبع وإعادة التدوير والتكنولوجيا.
نقاط تجميع بالقرب من منافذ البيع
ولكي تنجح المنظومة لا بد أن يكون المواطن قادرًا على إعادة المنتج أو المخلف الناتج عنه بسهولة، ولذلك تبرز أهمية إنشاء نقاط تجميع داخل أو بالقرب من منافذ البيع، مثل المحال وسلاسل السوبر ماركت.
الفكرة هنا هي إزالة أحد أهم العوائق أمام المواطن: أين أذهب بالمخلف بعد انتهاء استخدامه؟
فكلما أصبحت عملية التسليم أسهل وأكثر وضوحًا، زادت فرص وصول المخلفات إلى المسار الصحيح بدلًا من اختلاطها بباقي المخلفات، بما يسهل عمليات الجمع والفرز وإعادة التدوير.
وتحتاج هذه النقاط إلى الارتباط بشبكة متكاملة للنقل والفرز وإعادة التدوير، حتى لا تتحول عملية التجميع إلى خطوة منفصلة لا تصل بالمخلف إلى نهايته الصحيحة.
القطاع غير الرسمى شريك قائم بالفعل
ومن الملفات المهمة في تطبيق المسؤولية الممتدة للمنتج دمج القطاع غير الرسمي داخل المنظومة، خاصة أن هذا القطاع يشارك بالفعل في جمع وفرز وتداول جانب كبير من المخلفات القابلة لإعادة التدوير.
على سبيل المثال، فالزجاجات البلاستيكية والعبوات المعدنية والكرتون، تمر بالفعل في مراحل من الجمع والنقل إلى المكابس ثم مصانع إعادة التدوير، ويشارك العاملون في القطاع غير الرسمي في جزء مهم من هذه الدورة.
وبالتالي فإن دمج هذا القطاع في المنظومة الرسمية لا يعني تجاهل الدور القائم، وإنما يستهدف تنظيمه ورفع كفاءته وتحقيق التكامل بينه وبين القطاع الخاص والجهات الرسمية، بما يضمن استفادة المنظومة من الخبرات والإمكانات الموجودة على الأرض.
التكنولوجيا تضبط رحلة المخلف
وتحتاج المسؤولية الممتدة للمنتج إلى قاعدة بيانات دقيقة تستطيع الإجابة عن أسئلة أساسية: كم ينتج كل قطاع من المخلفات؟ وأين يتم جمعها؟ ومن يتولى نقلها؟ وكم تصل إلى مصانع التدوير؟ وما حجم الخامات التي تم استردادها؟
ومن هنا يأتي دور الحلول الرقمية وأنظمة التتبع، التي يمكن أن تساعد في بناء قاعدة بيانات متكاملة للمنتجين والمصنعين وكميات المخلفات ومسارات جمعها وتداولها وإعادة تدويرها.
كما يمكن للتكنولوجيا أن تساهم في إحكام الرقابة على حركة المخلفات والخامات المستردة، وربط الكميات المتولدة بما يتم جمعه وإعادة تدويره، وصولًا إلى المنتج الذي يمكنه إعادة استخدام الخامة في دورة إنتاج جديدة.
منال عوض: نريد سوقًا متكاملًا للخامات المعاد تدويرها
وأكدت وزيرة التنمية المحلية والبيئة أن الهدف النهائي لا يتمثل فقط في جمع المخلفات، وإنما إعادة الخامات الناتجة عن التدوير إلى الصناعة مرة أخرى.
وتشير الرؤية إلى أهمية خلق سوق متكامل للخامات المستردة، خاصة أن بعض هذه الخامات يتم استيرادها، بينما يمكن توفير جزء منها من خلال الإنتاج المحلي للخامات المعاد تدويرها، بما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويفتح مجالات استثمارية جديدة.
كما تبرز الحاجة إلى تشجيع إقامة مصانع متخصصة في إعادة تدوير الخامات التي لا تزال أسواقها محدودة، بما يخلق طلبًا على المخلفات القابلة للتدوير ويشجع المزيد من الاستثمارات في هذا القطاع.
من النص القانونى إلى منظومة تعمل على الأرض
ويبقى التحدي الرئيسي أمام المسؤولية الممتدة للمنتج هو التنفيذ؛ فوجود الإطار التشريعي يمثل البداية، لكن نجاح الفكرة يتطلب تحديد المسؤوليات، وتأهيل الشركات، ورفع القدرات الفنية، وتوفير الحوافز، وبناء قواعد البيانات، ودمج القطاع غير الرسمي، وتسهيل مشاركة المواطن.
كما يتطلب الأمر الاستفادة من التجارب الدولية دون نقلها بصورة حرفية، وإنما تصميم نموذج مصري يتناسب مع طبيعة السوق المحلية والقدرات الاقتصادية والمؤسسية المتاحة.
وتستهدف المسؤولية الممتدة للمنتج تغيير العلاقة مع المخلفات بالكامل: المنتج مسؤول، والمستهلك شريك، والقطاع الخاص مشغل ومستثمر، والقطاع غير الرسمي جزء من الحل، والتكنولوجيا أداة للرقابة، والمخلف نفسه مورد يمكن أن يعود إلى الصناعة.
وتتحول إدارة المخلفات من منظومة تعتمد على الجمع والتخلص إلى منظومة اقتصادية متكاملة تقوم على الاسترداد وإعادة الاستخدام وإعادة التدوير وإعادة المواد إلى دورة الإنتاج، وهو ما يجعل المسؤولية الممتدة للمنتج إحدى الأدوات الرئيسية في الانتقال نحو اقتصاد أكثر كفاءة واستدامة.