في أكتوبر 1973 كانت المعركة واضحة الملامح؛ عدو معروف، وجبهة محددة، وأرض مصرية احتلت، وهدف لا يحتاج إلى تفسير: استرداد سيناء ورفع العلم المصري عليها من جديد. كانت المواجهة عسكرية، وكان الجندي يعرف أين يقف، ومن يواجه، وما الذي يقاتل من أجله.
بعد أكثر من نصف قرن، تغير شكل المعركة
لم تعد كل المواجهات تُخاض بالدبابات والطائرات، ولم تعد الجبهة بالضرورة مكانًا يمكن تحديده على الخريطة، في 2026 أصبحت الشاشات جزءًا من المشهد، وأصبح المواطن يستقبل يوميًا كمًا هائلًا من الأخبار والصور ومقاطع الفيديو والتعليقات، بينها معلومات صحيحة وأخرى ناقصة أو مضللة، ومحتوى يمكن أن تصنعه أدوات الذكاء الاصطناعي بدرجات متزايدة من الإقناع.
وهنا يظهر السؤال: هل أصبحت عقول المصريين ساحة جديدة للصراع؟
من عدو واضح إلى معلومات بلا مصدر
في حرب أكتوبر لم يكن الجندي بحاجة إلى البحث عن هوية العدو أو التحقق من وجود المعركة؛ كل شيء كان واضحًا أمامه، أما اليوم، فقد تصل إلى الهاتف صورة حقيقية لكن مرتبطة بحدث آخر، أو فيديو قديم يُعاد تقديمه باعتباره جديدًا، أو عنوان مثير يخفي وراءه تفاصيل مختلفة تمامًا.
وتزداد المشكلة عندما تنتشر المعلومة قبل أن يجد أحد الوقت الكافي للتحقق منها.
لم تعد سرعة الخبر هي القضية الوحيدة، وإنما أصبحت سرعة تصديق الخبر وإعادة نشره جزءًا من المشكلة، قد يشارك شخص منشورًا لأنه أثار غضبه، أو فيديو لأنه أخافه، أو معلومة لأنها توافق ما يعتقده مسبقًا، دون أن يسأل السؤال الأهم: من أين جاءت هذه المعلومة؟
عندما يتحول المواطن إلى ناقل للمعلومة
في عصر المنصات الرقمية، لم يعد المواطن مجرد متلقٍ للأخبار، كل مستخدم يستطيع أن يصور وينشر ويعلق ويشارك، ما يعني أن كل فرد أصبح قادرًا على التأثير في دائرة من حوله. وهنا تتضاعف المسؤولية.
فالمعلومة الخاطئة لا تحتاج بالضرورة إلى مؤسسة كبيرة حتى تنتشر؛ أحيانًا يكفي هاتف واحد، ومنشور واحد، وعدد من الأشخاص الذين يشاركونه دون تحقق، وبهذه الطريقة يمكن أن تتحول الشائعة من رسالة مجهولة المصدر إلى حديث عام يعتقد البعض أنه حقيقة لمجرد أنهم رأوه في أكثر من مكان.
الذكاء الاصطناعي يفتح جبهة جديدة
أضاف الذكاء الاصطناعي تحديًا جديدًا إلى معركة الوعي، أصبح من الممكن إنتاج صور ومقاطع صوتية ومواد مرئية تبدو مقنعة، وهو ما يجعل الاعتماد على العين وحدها غير كافٍ دائمًا للحكم على صحة المحتوى.
وهنا يصبح السؤال مختلفًا: ليس فقط «ماذا أرى؟»، وإنما «هل ما أراه حقيقي؟ ومن أين جاء؟ وهل توجد مصادر مستقلة تؤكده؟».
هذه الأسئلة البسيطة قد تصبح واحدة من أهم أدوات حماية الوعي في السنوات المقبلة.
جيل أكتوبر وجيل 2026.. اختلاف الأدوات ووحدة الهدف
لم يكن جيل أكتوبر يواجه مهمة سهلة.
كان أمامه هدف واضح يحتاج إلى شجاعة وتخطيط وصبر وتضحيات كبيرة.
أما جيل 2026 فيواجه نوعًا آخر من التحديات، لا يقل احتياجه إلى الوعي والانضباط.
المطلوب اليوم ليس أن يصدق المواطن كل ما يسمعه، ولا أن يرفض كل ما يراه، وإنما أن يمتلك القدرة على التمييز، أن يعرف أن الاختلاف ليس كذبًا، وأن النقد ليس شائعة، وأن انتشار الرأي لا يجعله حقيقة، وأن الصورة ليست دليلًا كاملًا وحدها.
هل معركة الوعي تعني منع الاختلاف؟
على العكس.
الوعي الحقيقي لا يعني أن يتفق الجميع على رأي واحد، وإنما يعني أن يكون الاختلاف قائمًا على معلومات حقيقية.
المواطن الواعي يستطيع أن ينتقد، ويسأل، ويختلف، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن يكون أداة لنشر معلومة لا يعرف مصدرها، فالمجتمع الذي يمتلك وعيًا قويًا ليس مجتمعًا يخلو من الشائعات، وإنما مجتمع يستطيع اكتشافها والتعامل معها قبل أن تتحول إلى قناعة عامة.
«اعبر» في أكتوبر.. و«فكر قبل أن تصدق» اليوم
في حرب أكتوبر كان العبور لحظة فارقة في تاريخ مصر؛ عبور قناة السويس واستعادة الأرض والكرامة.
أما اليوم، فقد أصبح هناك عبور آخر لا يقل أهمية: عبور بحر المعلومات دون الغرق فيه.
أن يعبر المواطن من مرحلة التلقي إلى الفهم، ومن التصديق السريع إلى التحقق، ومن المشاركة التلقائية إلى تحمل مسؤولية الكلمة، لأن كل «شير» لمعلومة خاطئة قد يمنحها حياة جديدة، وكل فيديو خارج سياقه يمكن أن يصنع انطباعًا غير حقيقي، وكل عنوان مضلل قد يدفع شخصًا إلى اتخاذ موقف قبل أن يعرف الحقيقة كاملة.
المعركة تبدأ من الهاتف.. لكنها تنتهي عند عقل المواطن
لم تعد حماية الوعي مسؤولية جهة واحدة.
الإعلام مسؤول عن الدقة، والمنصات مسؤولة عن مواجهة المحتوى الضار والمضلل وفق قواعدها، والمؤسسات التعليمية والثقافية لها دور في بناء مهارات التفكير النقدي، لكن المواطن نفسه يظل الحلقة الأهم.
فهو من يقرر في النهاية: هل يشارك؟ هل يتحقق؟ هل يسأل؟ أم يكتفي بأن يكون جزءًا من موجة بدأت من مصدر مجهول؟، وهنا يمكن أن نتعلم درسًا من أكتوبر: الانتصارات الكبرى لا تتحقق بالاندفاع وحده، وإنما بالوعي بالهدف، وحسن التقدير، ومعرفة متى وكيف تتحرك.
في 1973 كانت مصر تسترد أرضًا.
وفي 2026 تحتاج إلى حماية وعي مواطنيها وسط عالم أصبحت فيه المعلومة سلاحًا، وأصبحت فيه القدرة على صناعة الصورة والرواية أسرع من أي وقت مضى، استرداد الأرض كان معركة جيل أكتوبر.. أما استرداد الوعي فهو مسؤولية جيل 2026، ومن «اعبر» إلى «فكر قبل أن تصدق»، تتغير الأدوات، لكن يبقى الهدف واحدًا: أن تظل مصر قادرة على حماية ما استُرد، ليس فقط على الأرض، وإنما أيضًا في عقول أبنائها.