سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 8 أكتوبر 1951.. مصطفى النحاس يعلن أمام مجلسى النواب والشيوخ: «من أجل مصر وقعت معاهدة ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها»

الخميس، 08 أكتوبر 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 8 أكتوبر 1951.. مصطفى النحاس يعلن أمام مجلسى النواب والشيوخ: «من أجل مصر وقعت معاهدة ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها» مصطفى النحاس

عقد مجلس الوزراء اجتماعه، وعرض عليه رئيسه مصطفى النحاس باشا، إلغاء المعاهدة التى وقعها مع الحكومة البريطانية فى 26 أغسطس سنة 1936، والمعروفة تاريخيا باسم «معاهدة 1936»، فوافق المجلس بالإجماع، وكان عدد كبير من النواب والشيوخ مجتمعين فى البهو الفرعونى لمجلس النواب، ووقف فيهم سكرتير الوفد ووزير الداخلية، وأعلنهم أن يستعدوا ويتجمعوا لمفاجأة سارة جدا للأمة ستعلن اليوم، حسبما يذكر «النحاس» فى الجزء الثانى من مذكراته «ربع قرن من السياسة فى مصر»، دراسة وتحقيق أحمد عز الدين.


يذكر النحاس، أنه أعد من جهته خطابا ناريا قويا لإلقائه على النواب، ويضيف: «قصدت أن يكون الاجتماع فى الثامن من أكتوبر، مثل هذا اليوم، 1951، وهو التاريخ الذى أقال فيه الملك فاروق الوزارة الوفدية عام 1944، ووقفت على منصة النواب والعيون متطلعة والنفوس مشرئبة، والنواب منتظرون لما عسى أن أقول، وقلت فى ثورة وحماسة لم أشعر بمثلها من قبل: من أجل مصر وقعت معاهدة 1936، ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها.


يتذكر النحاس، الحالة التى قوبل بها فور إعلانه، قائلا: «التهبت أكف النواب بالتصفيق، وظلوا يهللون ويصفقون فترة طويلة، ولم يقابل خطاب ما بإعجاب ورنة فرح وسرور كما قوبل هذا الخطاب الذى أزحت فيه عن كاهل الوطن عبئا اضطررت إليه منذ ستة عشر عاما، لأنه كان فى ذلك الظرف أفضل ما يمكن، وقد أصبح بعد تطورات الزمن وتغير الظروف أسوأ ما يمكن».


يؤكد النحاس باشا، أن ما حدث كان مفاجأة لم تتوقعها بريطانيا ولا انتظرها أصدقاؤها، ولا تصورها الملك وحواريوه، ويكشف: «أرسلت الوثائق للقصر ليوقعها الملك فخشى مغبة توقيعها، وخاف على عرشه المصون، ولكن مستشاره الجديد «نجيب الهلالى» نصحه بأن يوقعها، وإلا انكشف ستره أمام الشعب، وانفضح سره أمام العالم»، ويضيف النحاس: «أرغم الملك على توقيع وثائقها، وبادر السفير البريطانى السير رالف ستيفنسون، وطلب مقابلتى، ولكنى اعتذرت وأحلته على سكرتير الوفد ووزير الداخلية، أو على وزير الخارجية حسب ما يريد».


يعلق أحمد عز الدين: «كان إلغاء المعاهدة يمثل آخر صيحات جهاد النحاس، وأيا كان مدد التفسير أو التحليل، فلا مراء أن الرجل يكفيه ليس فقط أنه ناصر اتجاه أقلية فى حزبه ظلت تمثل الوجدان التاريخى للوفد المصرى، وعبر عنها محمد صلاح الدين وزير الخارجية خير تعبير، ولكنه أيضا لم يستطع بكل الميراث التاريخى الذى حمل به، أن يتخلف عن إرادة شعبية عميقة، تتحرك طليقة فى شوارع مصر، مستعيدة روح الجهاد الوطنى العظيم».


ويرى عبدالرحمن الرافعى، فى كتابه «مقدمات ثورة 23 يوليو 1952»، أن إلغاء معاهدة سنة 1936 رغم الاعتبارات والملابسات، كان عملا جديرا بالتنويه والتقدير، ويشرف الحكومة التى أقدمت عليه، وكانت له نتائجه المهمة فى بعث الكفاح الوطنى وتقوية الروح المعنوية، وتردد صداه فى مصر والشرق وفى أنحاء العالم كافة، وهو أعظم عمل قامت به وزارة الوفد.


وعن رد فعل هذه الخطوة على بريطانيا، يقول الرافعى، إن وزارة العمال كانت تتولى الحكم فى بريطانيا، وكانت الانتخابات العامة على الأبواب، إذ جرت فى 26 أكتوبر سنة 1951، فأراد حزب العمال أن يبدو مستمسكا بسياسة بريطانيا الاستعمارية التى لا يختلف عليها المحافظون والعمال، وأعلنت الوزارة الإنجليزية تمسكها بالمعاهدة، وصرح «هربرت موريسون» وزير خارجيتها بأن بريطانيا ستقابل القوة بالقوة إذا اقتضى الأمر لبقاء قواتها فى منطقة قناة السويس، وأن الحكومة البريطانية لن تذعن لمحاولة تمزيق المعاهدة.


وأصدرت السفارة البريطانية فى القاهرة مساء 8 أكتوبر 1951، بيانا أعلنت فيه أن إلغاء الحكومة المصرية للمعاهدة من جانبها وحدها عمل غير قانونى، ويخالف أحكام المعاهدة، وأن الحكومة البريطانية تعتبرها سارية المفعول وتحترم التمسك بحقوقها بمقتضى هذه المعاهدة، ويضيف الرافعى، أن تشرشل زعيم المحافظين وزعيم المعارضة وقتئذ ألقى خطابا فى مجلس العموم أيد فيه موقف حكومة العمال، وقال إن إقدام حكومة مصر على إجلاء الإنجليز عن منطقة قناة السويس والسودان ضربة أخطر وأكثر مهانة للكرامة من اضطرارها إلى الجلاء عن «عيدان» بإيران.


ويتعجب الرافعى من هذا الموقف البريطانى، قائلا: «ومن عجب أن يحتج الإنجليز بأن مصر لا يجوز لها أن تنقض معاهدة سنة 1936 من جانبها وحدها، فى حين أن بريطانيا كانت أول من نقضها، فإن هذه المعاهدة لم تكن لتخولها أن تزيد عدد جنودها فى منطقة القنال على عشرة آلاف من القوات البرية، وأربعمائة من الطيارين مع الموظفين اللازمين لأعمالهم الفنية والإدارية، ولكن بريطانيا تجاوزت هذا العدد إلى أضعافه المضاعفة، فزادت قواتها إلى ثمانين ألف مقاتل، وبذلك أهدرت روح المعاهدة ونصوصها قبل أن تلغيها مصر».




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة