في مشهد بات متكرر مع كل مناسبة، تطلّ منصات جماعة الإخوان الإرهابية بخطابها المعتاد، فتُقابَل لا بالجدل ولا بالمواجهة، بل بموجة من السخرية اللاذعة تجتاح الشارع المصري. هذا التحول في رد الفعل، من الغضب إلى الضحك، ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو مؤشر عميق على تحوّل في بنية الوعي الجمعي المصري. سامح فايز الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والعائد من صفوف التنظيم، يقدّم قراءة تفصيلية لهذه الظاهرة، كاشفًا عن آلياتها ودلالاتها.
السخرية كسلاح: حين يتحوّل الخطاب إلى مادة للتهكم
يصف فايز ما يحدث بانقلاب السحر على الساحر. فبعد سنوات من محاولات التنظيم استمالة الرأي العام عبر خطاب ديني وشعبي، وجد المصريون في السخرية أداة أكثر فتكًا من أي جدال. يقول فايز: إن التعليقات على منشورات الحسابات الإخوانية "كاشفة للغاية"، لأنها تعكس تبدّل المزاج العام، حيث تحولت السخرية إلى أداة اجتماعية وسياسية لنزع الهيبة عن خطاب فقد وزنه وتأثيره. هذا النوع من السخرية الذكية، يكشف التناقض ويفضح المبالغة وينتزع من الخصم قدرته على التأثير الرمزي .
لماذا تحوّل الخطاب إلى مادة للسخرية؟
يفسّر سامح فايز هذه الظاهرة بتراكم طويل من فقدان الثقة. ففي مرحلة سابقة، استطاع التنظيم، مستفيدًا من الفوضى المعلوماتية، أن يجذب قدرًا من فضول المتابعة . لكن بمرور الوقت، بدأ المتلقي يكتشف أن هذا الخطاب لا يراجع نفسه، ولا يعترف بأخطائه، ولا يتعامل مع الواقع بإنصاف، بل يتحرك بعقلية جماعة مغلقة، وماكينة دعائية تكرر الرسائل نفسها. هذا الإدراك هو ما حوّل التفاعل من متابعة أو جدل إلى سخرية مباشرة.
ويضيف سامح؛ أن الفجوة بين خطاب المنصات الإخوانية وبين الواقع المرئي للمصريين هي العامل الأهم. فحين تصر هذه المنصات على تصوير مصر دولة غائبة أو معزولة أو عاجزة، يرى المواطن دورًا مصريًا حاضرًا في ملفات إقليمية ودولية مؤثرة، تفقد الرواية الإخوانية قدرتها على الإقناع تدريجيًا . ويؤكد أن المصري يمكنه التمييز بوضوح بين النقد الوطني المشروع والخطاب الذي يبدو وكأنه يراهن على إضعاف الدولة أو تشويه حضورها .
أشكال السخرية: من محدش نزل
ويشير الباحث؛ إلى أن تجسدت هذه السخرية في أشكال متعددة ومبتكرة. منها هاشتاج "محدش نزل" أصبح أيقونة في هذا السياق، حيث سخر المصريون من دعوات التظاهر المتكررة التي لم يلبيها أحد. كتب أحد الناشطين ساخرًا: "الزهق يصيب الإخوان من كثرة دعوتهم للتظاهر كل سنة"، بينما علق آخر: "الناس ثورتها السبت والحد وأنتم ثورتكم مفهاش حد" . في يناير 2025، ومع انقضاء يوم 25 يناير دون أي ملامح لاحتجاجات، تصدّر هاشتاج "محدش نزل" قائمة الأكثر تداولًا في مصر .
وفي سياق مختلف، يذكر الباحث؛ أنه بعد اتفاق شرم الشيخ، تداول المصريون صورًا جرافيك تجمع إعلاميي الإخوان "بملابس تشبه زي الأسرى الإسرائيليين في حرب 73 "الكستور"، مع تعليقات ساخرة مثل "الكستور يليق بهم مثل أسرى جيش العدو في 73" . هذا النوع من السخرية البصرية يدمج الفكاهة بالنقد السياسي الحاد، ويكشف حجم السقوط الإعلامي للتنظيم.
"الانتشار الصامت" ومحاولة الفرار من السخرية
في مواجهة هذا الرفض الشعبي، يحاول التنظيم تغيير تكتيكه. يحيث يكشف الباحث عن استراتيجية جديدة يسميها "الانتشار الصامت"، وهي محاولة لاصطياد أجيال جديدة لا تعرف التاريخ الإرهابي للجماعة. تتمثل هذه الاستراتيجية في تدشين منصات وصفحات تروج لشعارات مجتمعية براقة مثل "جبر الخواطر" و"دعم المحتاجين"، والابتعاد عن الخطاب الديني التقليدي الذي لم يعد يجذب جيل Z والألفا .
يوضح فايز؛ أن هذه الصفحات تخاطب الشباب بأفكار إنسانية عامة، ثم تتدرج بهم نحو مواقف تعكس الظلم والاستبداد والتفرقة بين المجتمعات. يقول حميدة إنه يستطيع فرز هذه الصفحات والحسابات بسهولة من فرط خبرته بالإخوان وطرقهم، ويكشفهم من التفاعل الكبير والأعمى، وتكرار الأفكار بين الصفحات .
الدلالة الأعمق: نهاية عصر التصديق
ما يكشفه الباحث في شؤون الحركات المتطرفة يتجاوز السخرية كظاهرة إلى دلالتها الأعمق نهاية عصر التصديق. فالمجتمع المصري لم يعد يقبل الروايات الجاهزة، ولا يمنح الثقة بسهولة. وفي هذا السياق، تصبح السخرية وسيلة دفاعية جماعية، وأداة لتعرية الخطاب المتهاوي. مضيفًا؛ إن المهمة الإخوانية رغم التكنولوجيا وسهولة الخداع ما زالت صعبة، بعد أن لفظهم المجتمع المصري وكشفهم عدد كبير من أعضاء التنظيم نفسه. هذه الجملة تختصر المشهد "جماعة تُصارع من أجل البقاء في مشهد لا يرحم، وشارع يرد بالسخرية على من فقد مصداقيته". وربما تكون السخرية أصدق تعبير عن وعي لا يمكن خداعه مرتين.