لم تعد الخلافات داخل جماعة الإخوان الإرهابية مجرد تباينات تنظيمية تجري خلف الأبواب المغلقة، وإنما تحولت إلى معارك علنية بين قيادات وكيانات ومنصات محسوبة على الجماعة في الخارج، بعدما انتقلت الصراعات من دوائر القيادة إلى شاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، لتكشف أمام المتابعين حجم الانقسام داخل التنظيم وتعدد مراكز النفوذ والقرار.
وخلال الفترة الأخيرة، برزت بصورة أوضح حالة التنافس بين الجبهات المختلفة، إلى جانب تيارات أخرى، حيث يدور الصراع حول من يمتلك حق تمثيل التنظيم، ومن يملك المنصة الإعلامية، ومن يستطيع الوصول إلى القواعد واستقطاب الجمهور، فضلا عن الخلافات المتعلقة بالموارد والتمويل وإدارة الكيانات الموجودة خارج مصر.
وبدل أن تحافظ هذه الكيانات على خطاب موحد، تحولت المنصات التابعة أو المحسوبة على أطراف مختلفة إلى ساحات لتبادل الاتهامات والردود والهجوم المضاد، حتى أصبح جزء من الخطاب الموجه إلى الجمهور الإخواني منصبا على مهاجمة الإخوان أنفسهم، وكشف خلافاتهم الداخلية، والتشكيك في شرعية منافسيهم.
المشهد الجديد يعكس تحولا لافتا في طبيعة الصراع؛ فالإعلام الذي كان يمثل إحدى أهم أدوات الجماعة في مخاطبة أنصارها والترويج لروايتها، أصبح في جانب منه أداة للصراع الداخلي، بعدما باتت كل جبهة تمتلك منصات وشخصيات ومساحات رقمية تحاول من خلالها تثبيت نفوذها وفرض روايتها باعتبارها الأقرب إلى التنظيم وقواعده.
ومع تعدد المنصات والشخصيات، ظهرت صورة أقرب إلى مجموعة من الكيانات المتنافسة، لكل منها خطابها وحساباتها وأولوياتها، وهو ما جعل مصطلح «الدكاكين» يتردد لوصف حالة التشظي التي أصابت البنية التنظيمية والإعلامية للجماعة.
الصراع لم يعد مقتصرا على القيادة فقط، وإنما امتد إلى سؤال أكثر أهمية بالنسبة لهذه الجبهات: من يملك الجمهور؟ ومن يستطيع التأثير في القواعد؟ ومن يملك القدرة على تقديم نفسه باعتباره الممثل الحقيقي للجماعة؟ ومع غياب مركز واحد قادر على فرض قراراته على مختلف الأطراف، أصبح المجال مفتوحا أمام مزيد من الانقسامات والمنافسة على النفوذ.
وتكشف الاتهامات المتبادلة كذلك أن الخلافات تجاوزت القضايا الفكرية والتنظيمية إلى ملفات تتعلق بالموارد وإدارة المنصات والمكاتب الخارجية، وهو ما ظهر في تقارير تناولت الصراع، والتنافس على النفوذ والتمويل والأصول.
الأكثر دلالة أن هذه الصراعات لم تعد قابلة للإخفاء، بعدما خرجت إلى العلن عبر مواقع التواصل والمنصات الإعلامية، وأصبح كل طرف يرد على الآخر أمام الجمهور، في مشهد تتداخل فيه الاتهامات الشخصية مع الخلافات التنظيمية، ويتحول فيه الخلاف الداخلي إلى مادة يومية للنشر والتعليق والتشهير المتبادل.
وهكذا، انتقلت جماعة الإخوان الإرهابية من صورة التنظيم الذي يرفع شعارات الانضباط ووحدة الصف والسمع والطاعة، إلى مشهد متعدد الجبهات ومراكز النفوذ، تتنافس فيه كيانات هاربة على القيادة والموارد والمنابر والجمهور.
وبينما تتبارى هذه الكيانات في إصدار البيانات والردود وتبادل الاتهامات، تكشف معاركها الإعلامية جانبا من حجم الأزمة التي تعيشها الجماعة في الخارج، حيث لم يعد الصراع موجها فقط إلى خصومها، بل أصبح جزء كبير منه يدور داخل البيت الإخواني نفسه.
إنها معركة تحولت فيها المنصات إلى ساحات تصفية حسابات، وأصبح فيها امتلاك الميكروفون وسيلة لإثبات النفوذ، وتحولت الخلافات التنظيمية إلى سجالات علنية، لتظهر أمام المتابعين صورة لكيانات متعددة تتنافس على تمثيل جماعة واحدة، بينما يكشف خطاب كل طرف حجم المسافة التي اتسعت بين هذه الجبهات.