لم يعد الحديث عن جماعة الإخوان الإرهابية باعتبارها تنظيمًا واحدًا يتحرك وفق قيادة مركزية ورؤية موحدة يعكس طبيعة المشهد الداخلي للجماعة، بعدما كشفت السنوات التي أعقبت سقوط حكمها في مصر عن سلسلة متصاعدة من الانقسامات التنظيمية، تحولت معها الجماعة الإرهابية؛ من هيكل يسعى إلى إظهار التماسك والانضباط إلى جبهات متنافسة، لكل منها قياداتها ومنابرها وشبكاتها ومصالحها، في صراع امتد من القيادة إلى التمويل والإعلام وحتى محاولة احتكار الحديث باسم التنظيم.
ويرى إبراهيم ربيع، القيادي المنشق عن جماعة الإخوان والباحث في شؤون الحركات الإرهابية، أن التحول من تنظيم واحد إلى مجموعة من الجبهات لم يكن وليد لحظة واحدة، وإنما جاء نتيجة تراكمات بدأت مع الضربة التي تعرضت لها البنية التنظيمية بعد 2013، وما تبعها من خروج عدد كبير من القيادات إلى الخارج، الأمر الذي خلق فراغًا في مراكز القرار، وفتح الباب أمام صراعات حول من يمتلك حق قيادة التنظيم وتحديد اتجاهه.
الضربة التي كسرت مركزية التنظيم
وقال ربيع إن أحد أهم مفاتيح فهم الانقسام الحالي يتمثل في أن الجماعة فقدت تدريجيًا القدرة على الحفاظ على مركز قيادي واحد قادر على فرض قراراته على جميع مكوناتها، ومع خروج قيادات إلى دول مختلفة، بدأت مراكز النفوذ تتشكل خارج الحدود المصرية، وأصبح الموقع الجغرافي عاملًا مؤثرًا في إعادة توزيع القوة داخل التنظيم. مؤكدًا أن الضربات الأمنية التي أعقبت 2013 أضعفت المؤسسات المركزية للجماعة الإخوانية، وفتحت الباب أمام صراع حول القيادة والحق في استخدام اسم التنظيم وتمثيله، وهو ما أدى إلى ظهور معسكرات متنافسة منذ السنوات الأولى التي أعقبت تلك الأحداث؛ مضيفًا أن الجماعة كانت تقدم لسنوات صورة تنظيم شديد الانضباط، تحكمه قواعد داخلية واضحة، لكن الأزمة كشفت أن هذه المركزية لم تعد قادرة على استيعاب الخلافات الجديدة، خصوصًا بعدما أصبحت القيادات موزعة بين عواصم مختلفة، ولكل مجموعة أدواتها وعلاقاتها ووسائلها الإعلامية.

إبراهيم ربيع القيادى المنشق
بداية الانقسام العلني
وأشار الباحث إلى أن الصراع بين جبهتي لندن وإسطنبول يمثل أحد أبرز الأدلة على تحول الجماعة من مركز تنظيمي واحد إلى مراكز نفوذ متعددة.؛ ففي أكتوبر 2021، ظهر الخلاف بصورة علنية عندما أقدم إبراهيم منير، القائم بأعمال المرشد آنذاك والمقيم في لندن، على إبعاد عدد من قيادات الجماعة المقيمين في إسطنبول، بينهم محمود حسين، الأمين العام السابق، في خطوة عكست عمق الصراع على إدارة التنظيم. كما عين منير متحدثين جددًا بدلًا من المتحدث المرتبط بالجناح الموجود في اسطنبول. ولم تتوقف الخلافات عند البيانات والقرارات التنظيمية، وإنما امتدت إلى تسريبات وتسجيلات متبادلة، فيما وصفت تغطيات تلك المرحلة ما جرى بأنه"حرب تسريبات" بين أجنحة الجماعة. مؤكدًا؛ أن هذه اللحظة كانت كاشفة؛ لأنها نقلت الخلاف من داخل الغرف التنظيمية إلى المجال العام، وأظهرت أن الجماعة لم تعد قادرة على إخفاء تعدد مراكز القرار، وأن كل جبهة باتت تمتلك روايتها الخاصة بشأن من يملك الشرعية ومن يحق له إصدار القرارات.
وفاة منير لم تنه الصراع
وأضاف ربيع؛ أن بوفاة إبراهيم منير في عام 2022 لم تنه الأزمة، وإنما فتحت فصلًا جديدًا من الصراع؛ إذ تمسك جناح لندن بصلاح عبد الحق كقائم بأعمال المرشد، بينما أعلن محمود حسين، المقيم في إسطنبول، أحقيته بالمنصب، لتستمر المنافسة بين الجبهتين حول الشرعية التنظيمية. وقد رصدت تقارير صحفية استمرار الخلاف بين الطرفين وتبادل الاتهامات بشأن مخالفة القواعد التنظيمية وتقسيم الجماعة. وأن هذه التطورات تكشف أن الخلاف لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، وإنما أصبح صراعًا على "من يمثل الجماعة"، وهي معركة تتداخل فيها القيادة مع الموارد والمنابر الإعلامية والشبكات الخارجية.
من الجبهات إلى الدكاكين التنظيمية
ووصف ربيع ما آلت إليه الجماعة الإخوانية الإرهابية بأنه انتقال من فكرة التنظيم المركزي إلى ما يشبه "الدكاكين التنظيمية" حيث أصبحت كل مجموعة تعمل على بناء مساحة نفوذ خاصة بها، وتبحث عن مصادر تمويلها، وتستخدم منابرها الإعلامية، وتحاول الحفاظ على جمهورها وقواعدها. حيث تشير تحليلات حديثة خلال هذا عام 2026 إلى استمرار وجود جبهات متعددة داخل الجماعة، من بينها جبهة لندن وجبهة إسطنبول وما يعرف بتيار المكتب العام أو الكماليين، مع تنافس على الشرعية والموارد والمنابر والنفوذ. مؤكدًا؛ أن تعدد هذه الجبهات لا يعني فقط تعددًا في الآراء، وإنما يعكس تفككًا في آليات صناعة القرار؛ فكل جبهة باتت قادرة على إصدار خطابها، وتحديد خصومها، والترويج لروايتها، وهو ما أدى إلى تحول الصراع الداخلي إلى معركة مفتوحة أمام الجمهور.
الإعلام.. سلاح الصراع الجديد
وأشار الباحث إلى أن المنصات الإعلامية أصبحت إحدى أهم أدوات الصراع بين الجبهات، لأن امتلاك قناة أو منصة أو شبكة من الحسابات لم يعد مجرد وسيلة للدعاية، وإنما أصبح وسيلة لإثبات الوجود داخل الجماعة نفسها. مؤكدًا أن التنافس بين جبهتي لندن وإسطنبول امتد إلى المنصات والوجوه الإعلامية، وأن الجبهة التي تملك منبرًا أكثر حضورًا تستطيع تقديم روايتها باعتبارها صوت التنظيم، في حين يجد الطرف الآخر نفسه مضطرًا إلى الرد والدفاع عن وجوده. مضيفًا؛ أن هذا الوضع أدى إلى نتيجة شديدة الدلالة، وهي أن الخلاف الداخلي لم يعد يدار خلف الأبواب المغلقة، بل أصبح مادة إعلامية في حد ذاته، ومع كل اتهام يظهر رد، ومع كل منصة تظهر منصة مضادة، ومع كل رواية تظهر رواية أخرى، حتى أصبح الجمهور يشاهد صراع الجماعة بدلًا من أن يتلقى خطابًا موحدًا منها.
المال والشرعية.. جوهر الصراع
ويرى ربيع أن العامل المالي يمثل أحد المفاتيح المهمة لفهم استمرار الانقسامات، لأن السيطرة على الموارد والشبكات الخارجية تمنح الجبهة قدرة أكبر على الحفاظ على وجودها الإعلامي والتنظيمي. مشيرًا إلى أن الخلافات بين جبهتي لندن وإسطنبول لم تعد تتعلق بالقيادة فقط، وإنما امتدت إلى إدارة الموارد والأموال والأصول والشبكات التابعة للتنظيم في الخارج. مؤكدًا؛ أن الصراع على المال في التنظيمات المغلقة لا ينفصل عن الصراع على القرار، فمن يمتلك الموارد يستطيع تمويل المنابر، والحفاظ على الشبكات، واستقطاب العناصر، وتقديم نفسه باعتباره الطرف القادر على الاستمرار.
الدولة المصرية في مرمى خطاب الجبهات
كما أشار الباحث؛ إلى أن تفكك الجماعة الإخوانية الإرهابية إلى جبهات لم يعنِ اختفاء خطابها المعادي للدولة المصرية، وإنما أدى في بعض الحالات إلى تعدد الأدوات والواجهات التي تستخدمها كل جبهة في تقديم هذا الخطاب. ولذلك فإن تعدد "الدكاكين" لا يعني أن الصراع الخارجي فقد هدفه، وإنما يعني أن كل مجموعة باتت تحاول توظيف القضايا المصرية بما يخدم روايتها وصراعها مع بقية الجبهات، وهو ما يجعل الخطاب أكثر اضطرابًا وتناقضًا، لكنه لا يلغي استمرار محاولات التأثير في الرأي العام المصري من الخارج.
من وحدة الصف إلى صراع على البقاء
وختام تصريحه لـ اليوم السابع ويقول إبراهيم ربيع أن المشهد الحالي يمثل تحولًا جوهريًا في بنية الجماعة؛ فالتنظيم الذي اعتمد تاريخيًا على فكرة وحدة الصف والسمع والطاعة أصبح أمام واقع تتعدد فيه مراكز القيادة والمنابر والموارد، وتتصارع فيه الجبهات على من يمتلك حق تمثيل الجماعة. مؤكدًا؛ أن أخطر ما كشفته السنوات الأخيرة ليس مجرد وجود خلاف بين قيادات، وإنما تحول الخلاف إلى بنية مستمرة؛ جبهات تتنافس، ومنصات تهاجم بعضها، وقيادات تتنازع الشرعية، وشبكات مالية وإعلامية تبحث كل منها عن مساحة مستقلة.
وهكذا، لم تعد جماعة الإخوان تظهر ككيان واحد يتحرك من مركز واحد، وإنما كمجموعة من الشظايا والجبهات المتنافسة التي تسعى كل منها إلى الحفاظ على وجودها ونفوذها، فيما تحولت المنابر الإعلامية من أدوات لتقديم خطاب موحد إلى ساحات للصراع الداخلي. وتكشف خريطة الانقسامات التي ظهرت منذ 2013 ثم تصاعدت مع صراع لندن وإسطنبول أن أزمة الجماعة لم تعد فقط في علاقتها بالدولة المصرية، وإنما أصبحت أيضًا أزمة داخلية حول القيادة والشرعية والمال والقدرة على البقاء.