تدخل أوروبا شهر أكتوبر وسط مشهد سياسي واقتصادي وأمني شديد التعقيد، تتداخل فيه أزمات خارجية مع ضغوط داخلية تهدد قدرة الحكومات الأوروبية على اتخاذ قرارات موحدة وسريعة، فمن ارتفاع أسعار الطاقة والوقود، إلى استمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية، وتوترات غرب البلقان، وصولًا إلى إعادة فتح ملف العلاقة مع بريطانيا بعد بريكست، تجد القارة نفسها أمام مجموعة من الملفات التي تتحرك في وقت واحد.
ولا تبدو هذه الأزمات منفصلة عن بعضها، إذ يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة الضغوط التضخمية، بينما تدفع الحرب الأوروبية الحكومات إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، في وقت تواجه فيه اقتصادات كبرى قيودًا مالية وسياسية. وفي الخلفية، تتسع النقاشات حول قدرة الاتحاد الأوروبي على الحفاظ على تنافسية اقتصاده ووحدة قراره في بيئة دولية أكثر اضطرابًا.
1- الطاقة تعود إلى واجهة الأزمات الأوروبية مع ارتفاع الأسعار
تظل الطاقة الأزمة الأكثر مباشرة بالنسبة للأسر والشركات الأوروبية. فقد أدى الصراع في الشرق الأوسط واضطرابات أسواق النفط والغاز إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود، بينما حذرت المؤسسات الأوروبية من أن صدمة الطاقة قد تمتد آثارها إلى التضخم والنمو والوظائف.
وتشير المفوضية الأوروبية إلى أن أزمة 2026 أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري، رغم أن أمن الإمدادات الأوروبي لا يواجه في الوقت الحالي خطرًا فوريًا بفضل تنويع مصادر الغاز والنفط وزيادة قدرات استيراد الغاز الطبيعي المسال. لكن المشكلة الأساسية أصبحت في السعر وليس فقط في توفر الإمدادات.
ووصل متوسط سعر الديزل في الاتحاد الأوروبي إلى نحو 2.23 يورو للتر في نهاية سبتمبر، ما انعكس على تكاليف النقل والزراعة والصناعة وعلى ميزانيات الأسر.
2- حرب أوكرانيا تفتح معركة جديدة قبل الشتاء
تستعد أوروبا لشتاء جديد بينما تستمر الحرب الروسية الأوكرانية، مع تركيز متزايد على حماية البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا. وتقول مؤسسات الاتحاد الأوروبي إن الهجمات الروسية ألحقت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية للطاقة، فيما فقد النظام الكهربائي الأوكراني قدرات كبيرة خلال الشتاء السابق.
وفي الأيام الأخيرة، تصاعدت الهجمات الروسية على المدن والمنشآت الحيوية، بالتزامن مع تحذيرات أوروبية من اتساع الهجمات الهجينة الروسية، بما يشمل الطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية وأعمال التخريب.
وتزيد هذه التطورات الضغط على الحكومات الأوروبية، التي تحاول الجمع بين دعم أوكرانيا والاستعداد الدفاعي من جهة، والحفاظ على القدرة المالية والاقتصادية من جهة أخرى.
3- الاحتجاجات تكشف اتساع الضغوط الاجتماعية
لم تعد أزمة الأسعار ملفًا اقتصاديًا فقط، بل تحولت إلى عامل سياسي واجتماعي. ففي إيطاليا خرجت احتجاجات ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة أسعار البنزين، بينما تشهد فرنسا احتجاجات طلابية واسعة أدت إلى إغلاق مئات المدارس جزئيًا أو كليًا.
وفي فرنسا، أعلنت السلطات أن نحو 400 إلى 500 مدرسة ثانوية قد تتأثر بالإغلاق، بينما تسببت الاحتجاجات في إصابة عشرات العاملين في قطاع التعليم.
وفي إسبانيا، تحولت أزمة السكن إلى أزمة سياسية بعد رفض البرلمان إجراءات حكومية لمعالجة المشكلة، وهو ما دفع رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى الدعوة لانتخابات مبكرة في 29 نوفمبر.
وهكذا أصبح ارتفاع الأسعار والسكن والخدمات العامة وقودًا لاحتجاجات وضغوط سياسية في أكثر من عاصمة أوروبية.
4- غرب البلقان يعيد اختبار قدرة أوروبا على ضبط جوارها
في غرب البلقان، تتزامن تطورات سياسية وانتخابية مع استمرار الطموح للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وتكتسب البوسنة والهرسك أهمية خاصة، بعدما جرت الانتخابات وسط انقسامات عرقية وسياسية عميقة، بينما يواصل ميلوراد دوديك وحلفاؤه تبني مواقف تتحدى الضغوط الغربية وتدفع باتجاه مزيد من التوتر حول مستقبل جمهورية صربسكا، وتحاول بروكسل في الوقت نفسه الحفاظ على مسار التوسع الأوروبي، مع التركيز على الاستقرار المؤسسي في كوسوفو وتسريع الإصلاحات في دول المنطقة. كما يمثل أكتوبر محطة مهمة لمناقشة مستقبل التوسع والإصلاح الداخلي للاتحاد.
5- بريكست يعود إلى الطاولة من بوابة العلاقة مع بريطانيا
بعد سنوات من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تعود العلاقة بين لندن وبروكسل إلى دائرة الاهتمام السياسي. فقد طرح رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام مراجعة واسعة للعلاقة مع الاتحاد، ولم يستبعد مستقبلًا إمكانية العودة إلى عضوية التكتل، في تحول سياسي لافت مقارنة بالمواقف البريطانية السابقة.
ولا يعني ذلك أن عودة بريطانيا أصبحت مسارًا قريبًا أو محسومًا، لكن مجرد إعادة طرح الفكرة يفتح نقاشًا أوسع حول تكلفة بريكست ومستقبل العلاقات التجارية والأمنية والطاقة بين الطرفين.
وتعمل بروكسل ولندن بالفعل على ملفات تتعلق بالطاقة والكهرباء والأمن والدفاع والتجارة، فيما يظل التعاون في مواجهة التهديدات الروسية أحد الملفات المشتركة الأساسية.
6- الاقتصاد الأوروبي يواجه معادلة صعبة بين التضخم والنمو
الأزمة السادسة تختصر كثيرًا من الأزمات الأخرى: الاقتصاد. فارتفاع أسعار الطاقة يعيد إشعال التضخم، بينما يؤدي ارتفاع تكاليف الاقتراض وعدم اليقين السياسي إلى الضغط على الاستثمار والاستهلاك.
وبحسب أحدث بيانات يوروستات، نما اقتصاد منطقة اليورو 0.6% في الربع الثاني من 2026مقارنة بالربع السابق، وارتفع اقتصاد الاتحاد الأوروبي بنسبة 0.7%. لكن مؤشرات الأشهر الأخيرة تظهر أن صدمة الطاقة تمثل خطرًا على استمرار هذا الزخم.
وقال كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي فيليب لين إن ارتفاع أسعار الطاقة يمثل خطرًا تضخميًا، في وقت تضغط فيه عوائد السندات وتكاليف الاقتراض وتشديد السياسة المالية على النمو.
كما تواجه دول مثل فرنسا وإيطاليا ضغوطًا مالية متزايدة، بينما تطالب بعض الحكومات بمزيد من المرونة في القواعد المالية الأوروبية للتعامل مع ارتفاع تكاليف الطاقة.
أوروبا أمام اختبار وحدة القرار
تضع هذه الملفات الستة الاتحاد الأوروبي أمام معادلة شديدة الصعوبة: دعم أوكرانيا والاستعداد الدفاعي، احتواء أسعار الطاقة، حماية القدرة الشرائية، التعامل مع الاحتجاجات، الحفاظ على الاستقرار في البلقان، وإعادة ترتيب العلاقة مع بريطانيا، وكل ذلك في ظل حاجة ملحة إلى تعزيز النمو والتنافسية.
وتزداد صعوبة المهمة لأن الحلول الوطنية لا تكفي دائمًا لمواجهة أزمات عابرة للحدود. فالطاقة والأمن والهجرة والتجارة وسلاسل الإمداد كلها ملفات تحتاج إلى تنسيق أوروبي واسع، بينما تكشف الخلافات حول التمويل والقواعد المالية والسياسات الوطنية أن الوصول إلى موقف موحد ليس أمرًا سهلًا.
ولهذا يبدو أكتوبر شهرًا حاسمًا بالنسبة لأوروبا، ليس لأن القارة تواجه أزمة واحدة، بل لأنها تحاول إدارة ستة مسارات متزامنة، يمكن لكل واحد منها أن يفرض كلفة سياسية واقتصادية جديدة على الحكومات الأوروبية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى قرار أوروبي أكثر سرعة وتنسيقًا.