لم يحتج حزب كيبيك الانفصالي إلى إقناع غالبية سكان المقاطعة بالاستقلال عن كندا حتى يعود إلى السلطة، بل لم يحتج حتى إلى الحصول على ثلث أصوات الناخبين.
فبعد أكثر من عقد على آخر حكومة قادها، أعادت انتخابات مقاطعة كيبيك الحزب إلى الحكم بقيادة بول سانت بيير بلاموندون، بعدما حصد 59 مقعدًا من أصل 127 في الجمعية الوطنية، بفارق خمسة مقاعد فقط عن الأغلبية المطلقة، رغم حصوله على نحو 27.9% من الأصوات.
نتيجة تحمل مفارقة ربما تكون أكثر أهمية من فوز الحزب نفسه؛ فالانفصاليون أصبحوا في موقع يسمح لهم بإعادة طرح استقلال كيبيك على جدول الأعمال السياسي الكندي، لكنهم يعودون إلى السلطة في وقت لا يزال فيه معظم سكان المقاطعة غير مقتنعين بمشروع الانفصال.
وهكذا، لم تحسم الانتخابات مستقبل كيبيك داخل كندا بقدر ما أعادت فتح سؤال ظلت أوتاوا لسنوات تأمل في تجاوزه: هل يمكن أن يتحول التصويت لحزب انفصالي إلى تصويت للانفصال نفسه؟
27.9% من الأصوات تعيد الانفصاليين إلى الحكم في كيبيك
أتاح النظام الانتخابي وتوزع الأصوات بين خمسة أحزاب رئيسية لحزب كيبيك تحويل أقل من 30% من الأصوات إلى الكتلة الأكبر داخل الجمعية الوطنية، ليعود إلى الحكم للمرة الأولى منذ أكثر من عقد. لكن النتيجة لم تمنح بلاموندون كل ما أراده.
فالحزب أخفق في بلوغ عتبة الـ64 مقعدًا اللازمة لتشكيل حكومة أغلبية، ما يعني أنه سيقود حكومة أقلية تحتاج إلى التعاون مع أحزاب المعارضة لتمرير التشريعات الرئيسية والبقاء في السلطة عند التصويت على الثقة.
ويضع ذلك قيودًا سياسية على حكومة تحمل واحدًا من أكثر المشروعات إثارة للجدل في التاريخ الكندي الحديث: إجراء استفتاء ثالث على استقلال كيبيك.
الأهم أن الفوز الانتخابي نفسه لا يمكن قراءته باعتباره تصويتًا لمصلحة الانفصال، إذ خاض الناخبون الانتخابات وسط قضايا تتعلق بتكلفة المعيشة والهجرة والاقتصاد والخدمات والرغبة في تغيير الحكومة، إلى جانب قضية السيادة.
حزب انفصالي في السلطة.. لكن 7 من كل 10 تقريبًا لا يريدون الانفصال
تكشف استطلاعات الرأي حجم الفجوة بين شعبية الحزب وشعبية مشروعه الأساسي.
ففي استطلاع أجرته «ليجيه» في مارس الماضي، قال 29% فقط من سكان كيبيك إنهم سيصوتون لمصلحة الانفصال إذا أجري استفتاء، مقابل 71% اختاروا البقاء ضمن كندا.
وبذلك يجد بلاموندون نفسه أمام معادلة غير معتادة: يستطيع قيادة حكومة كيبيك باسم حزب تأسس من أجل السيادة، لكنه لا يستطيع حتى الآن الادعاء بأن أغلبية سكان المقاطعة تريد هذه السيادة.
وهو فارق جوهري بين الانتخابات والاستفتاء.
فالناخب يستطيع التصويت لحزب كيبيك رغبة في تغيير الحكومة أو تأييدًا لسياساته الاقتصادية والاجتماعية أو دفاعًا عن الهوية واللغة الفرنسية، ثم يصوت في الوقت نفسه ضد الاستقلال إذا وُضع أمام سؤال مباشر بشأن مغادرة كندا.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام بلاموندون لن يكون الوصول إلى الاستفتاء فقط، وإنما تحويل الانتصار الانتخابي إلى أغلبية اجتماعية تؤيد مشروع الدولة المستقلة.
استفتاء ثالث يعيد ذكريات 1995 إلى السياسة الكندية
لم يبدأ الصراع حول استقلال كيبيك مع الانتخابات الأخيرة.
فالمقاطعة خاضت استفتاءين سابقين حول مستقبلها داخل كندا؛ الأول عام 1980 وانتهى برفض السيادة بفارق واسع، قبل أن تقترب كيبيك بصورة غير مسبوقة من الانفصال في استفتاء 1995.
حينها انتهت المواجهة بفارق ضئيل للغاية لمصلحة البقاء داخل كندا، لتتحول تلك التجربة إلى واحدة من أخطر اللحظات التي واجه فيها الاتحاد الكندي احتمال التفكك.
وبعد ثلاثة عقود، يعيد فوز حزب كيبيك الاحتمال إلى النقاش، بعدما تعهد بلاموندون بإجراء استفتاء جديد خلال فترة حكمه.
لكن الاستفتاء الثالث، إذا أجري، سيبدأ من بيئة مختلفة؛ إذ لا تشير مستويات التأييد الحالية إلى انقسام شبه متساوٍ كما حدث عام 1995، بل إلى أفضلية واضحة حتى الآن لمصلحة البقاء في كندا.
ترامب يؤجل حلم الاستقلال.. لماذا ينتظر بلاموندون خروجه من البيت الأبيض؟
المفارقة الأخرى أن زعيم الحزب الذي يريد إخراج كيبيك من كندا يرى أن الوقت الحالي ليس مناسبًا بالضرورة للقيام بذلك.
فقد ربط بلاموندون توقيت الاستفتاء بمغادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منصبه، في ظل الضغوط التجارية الأمريكية والمواجهة الاقتصادية بين واشنطن وأوتاوا.
وتكشف هذه الحسابات عن مشكلة تواجه المشروع الانفصالي نفسه؛ فكلما ازدادت الضغوط الخارجية على كندا، قد ترتفع بالنسبة للناخب الكيبيكي كلفة التخلي عن الدولة الكندية والدخول في مرحلة تأسيس دولة جديدة وسط بيئة اقتصادية وجيوسياسية مضطربة.
وبذلك يتحول ترامب، بصورة غير مباشرة، إلى عامل قد يدعم التماسك الكندي في مواجهة النزعات الانفصالية، حتى إذا كانت سياساته تجاه أوتاوا تمثل في الوقت نفسه أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة الفيدرالية.
كارني بين مواجهة ترامب وعودة «المسألة الكيبيكية»
وتضع النتيجة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أمام معادلة سياسية أكثر تعقيدًا.
فبينما تسعى حكومته إلى إدارة النزاع التجاري مع الولايات المتحدة والحفاظ على موقف كندي موحد، أصبحت حكومة واحدة من أهم مقاطعات البلاد في يد حزب يعلن أن هدفه النهائي هو تحويل كيبيك إلى دولة مستقلة.
ولهذا جاء رد كارني بعد الانتخابات حذرًا، إذ هنأ بلاموندون وركز على المجالات التي تستطيع الحكومتان التعاون فيها، وفي مقدمتها دعم الشركات والعمال المتضررين من الرسوم الأمريكية، وخلق الوظائف وبناء المساكن.
وتبدو المواجهة المبكرة مع الحكومة الجديدة خيارًا محفوفًا بالمخاطر بالنسبة لأوتاوا، إذ يستطيع الانفصاليون توظيف أي صدام مع الحكومة الفيدرالية لتعزيز خطابهم القائم على أن مصالح كيبيك يمكن إدارتها بصورة أفضل خارج الاتحاد الكندي.
بعد كيبيك.. ألبرتا تصوت على سؤال الانفصال في 19 أكتوبر
ولا تتوقف مشكلة كارني عند كيبيك. فبعد أسبوعين فقط من انتخابات المقاطعة، يتوجه سكان ألبرتا في 19 أكتوبر إلى صناديق الاقتراع ضمن استفتاء يتضمن سؤالًا بشأن مستقبل المقاطعة داخل كندا، وما إذا كان ينبغي بدء المسار المؤدي إلى استفتاء ملزم على الانفصال.
لكن دوافع النزعتين الانفصاليتين تختلف جذريًا.
ففي كيبيك، يرتبط المشروع بتاريخ قومي ولغوي وثقافي طويل، وبالرغبة في حماية الهوية الفرنسية داخل محيط شمال أمريكي يغلب عليه الطابع الناطق بالإنجليزية.
أما في ألبرتا، فتغذي النزعة الانفصالية بدرجة أكبر الخلافات المتعلقة بالطاقة والنفط والعلاقة الاقتصادية مع الحكومة الفيدرالية والشعور لدى قطاع من السكان بأن المقاطعة لا تحصل على ما يتناسب مع مساهمتها داخل الاتحاد.
ومع ذلك، لا تشير استطلاعات الرأي هناك أيضًا إلى وجود أغلبية انفصالية؛ إذ أظهر استطلاع حديث لـ«إبسوس» أن نحو 70% من سكان ألبرتا يعتزمون التصويت لمصلحة بقاء المقاطعة ضمن كندا، مقابل نحو 20% يؤيدون بدء مسار نحو استفتاء ملزم على الاستقلال.
الانفصال لا يحظى بالأغلبية.. فلماذا تمثل النتيجة مشكلة لكندا؟
قد تبدو الأرقام مطمئنة لأوتاوا: نحو 70% في كيبيك لا يؤيدون الانفصال، ونسبة مقاربة في ألبرتا تريد البقاء داخل كندا.
لكن التطور الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بعدد المؤيدين للانفصال، وإنما بعودة الفكرة نفسها من هامش السياسة إلى مؤسسات الحكم.
ففي كيبيك، أصبح الحزب الذي يتبنى الاستقلال هو الحكومة، بينما يستعد سكان ألبرتا للتصويت رسميًا على سؤال يمس مستقبل المقاطعة داخل الاتحاد.
ومن ثم لا تواجه كندا في الوقت الراهن أغلبية شعبية تريد تفكيك الدولة، بقدر ما تواجه عودة «قابلية الانفصال» إلى المجال السياسي بعد فترة بدا فيها أن المسألة الكيبيكية التاريخية فقدت الكثير من زخمها.
وهنا ربما تكمن النتيجة الأهم لانتخابات كيبيك: لم يصوت الكيبيكيون للاستقلال، لكنهم أعادوا إلى السلطة الحزب الذي يريد إقناعهم به.
وبين الوصول إلى الحكومة والحصول على تفويض بإنشاء دولة جديدة تبقى فجوة واسعة، سيكون على بلاموندون محاولة عبورها إذا أراد تحويل انتصاره الانتخابي إلى ما هو أكبر بكثير: إعادة رسم خريطة كندا نفسها.