في خطوة جديدة تعكس توسع استخدام التقنيات الحديثة في المجال الطبي، نجح المعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة في إجراء جراحة روبوتية لاستئصال الغدة التيموسية «Thymus gland» لمريض يبلغ نحو 40 عامًا، في تجربة وصفها فريق الجراحة بأنها جديدة من نوعها داخل المعهد.
وكشف عميد المعهد القومي للأورام تفاصيل استخدام الجراحات الروبوتية في علاج الأورام، مؤكداً أن هذا النوع من الجراحات يمثل تطوراً مهماً في التعامل مع الحالات التي تحتاج إلى دقة شديدة، لما يوفره الروبوت من رؤية أكثر وضوحاً وعمقاً وصورة ثلاثية الأبعاد تساعد الجراح على التعامل مع الأنسجة والأورام بدقة أكبر.
الدكتور محمد عبد المعطى عميد معهد الأورام والزميل محمد صبحى
وقال عميد المعهد، في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، إن جراحات الأورام أصبحت شديدة التعقيد، وهو ما يتطلب توفير رؤية أفضل وأوضح للطبيب، مشيرا إلى أن الجراحات الروبوتية تستخدم في عدد من جراحات الأورام، من بينها بعض حالات أورام البروستاتا والصدر والبطن، خاصة الحالات التي تتطلب درجة عالية من الدقة، مشدداً على أن استخدام الروبوت لا يعني الاستغناء عن خبرة الجراح، بل على العكس، يشترط أن يكون الطبيب الذي يعمل عليه جراحاً ماهراً في الجراحات المفتوحة، إلى جانب حصوله على التدريب اللازم.
الدكتور محمد عبد المعطى عميد معهد الأورام
وأشار إلى أن المعهد كان رائداً في إجراء الجراحات الروبوتية على مستوى الشرق الأوسط وأفريقيا منذ نحو 15 عاماً، وكان أول مستشفى في مصر وأفريقيا يحصل على روبوت جراحي، مؤكداً استمرار إجراء العمليات الروبوتية للمرضى وفقاً للحالات التي تستدعي هذا النوع من التدخل.
عميد المعهد: ضوابط دقيقة لتأهيل الأطباء للعمل في الجراحات الروبوتية
وأكد عميد المعهد أن هناك ضوابط دقيقة لتأهيل الأطباء للعمل في الجراحات الروبوتية، موضحاً أن الطبيب لا يُسمح له بالعمل على الروبوت إلا بعد أن يكون قد اكتسب خبرة جراحية كافية، وشارك في عدد معين من العمليات حسب طبيعة كل عملية، إلى جانب التدريب المتخصص، موضحا أن المعهد يستعين أحياناً بخبراء أجانب، وكذلك بأبناء المعهد الذين يدرسون ويتدربون في الخارج، للاستفادة من خبراتهم في هذا المجال ونقل الخبرات إلى الفريق الطبي.
كيف يوفر المعهد الجراحة الروبوتية مجاناً؟
وحول ارتفاع تكلفة الجراحات الروبوتية عالمياً، أوضح عميد المعهد أن المعهد القومي للأورام يقدم خدماته التشخيصية والعلاجية للمرضى دون تحميلهم تكلفة العلاج، بحسب جهة التغطية العلاجية لكل حالة، مشيرا إلى أن المرضى قد يتلقون العلاج على نفقة الدولة، أو من خلال التأمين الصحي، أو المبادرات الرئاسية لإنهاء قوائم الانتظار الجراحية، وكذلك المبادرات المختلفة الخاصة بالأورام، موضحاً أنه في الحالات التي تكون فيها الجراحة الروبوتية ضرورية أو تحقق فائدة أكبر للمريض مقارنة بالجراحة التقليدية، يسعى المعهد إلى توفيرها من خلال ميزانيته أو التبرعات أو المؤسسات الخيرية.
عميد المعهد: نعالج ربع مرضى الأورام في مصر
وتحدث عميد المعهد عن حجم الضغط الذي يواجهه العاملون داخله، قائلاً إن المعهد يعالج نحو ربع مرضى الأورام في مصر، وهو ما يضع عبئاً كبيراً على الأطقم الطبية والعاملين، مضيفا أن المعهد يستقبل الحالات بمختلف درجات المرض، سواء كانت في مراحل مبكرة أو متأخرة، وسواء تلقى المريض علاجاً خارج المعهد من قبل أو لم يتلقَ، مؤكداً أن المعهد يمثل «خطاً أحمر وملاذاً آمناً للمرضى كلهم».
الدكتور محمد عبد المعطى عميد معهد الأورام والدكتور عمرو كمال والمريض
فيما أكد الدكتور عمرو كمال، رئيس وحدة جراحة أورام الصدر بالمعهد القومي للأورام، موضحًا أن استخدام الروبوت الجراحي داخل المعهد ليس جديدًا، حيث بدأ منذ عام 2011، وشهد إجراء عدد من العمليات في تخصصات مختلفة، من بينها المثانة والرحم والمستقيم.
فكرة جديدة باستغلال إمكانات معهد الأورام
وقال الدكتور عمرو كمال إن فكرة إجراء جراحة روبوتية لاستئصال الغدة التيموسية بدأت من خلال التعاون بين عدد من أساتذة المعهد، ومن بينهم الدكتور محمد كمال، المتواجد في جامعة روتشستر بولاية نيويورك، إلى جانب فريق الجراحة وإدارة المعهد والدراسات والهندسة الطبية.
الدكتور عمرو كمال رئيس وحدة جراحة الصدر بمعهد الأورام
وأضاف أن الفريق رأى إمكانية الاستفادة من الروبوت الموجود بالفعل في المعهد لإجراء جراحة من هذا النوع، لتبدأ مرحلة الإعداد والتنسيق بين مختلف التخصصات، وصولًا إلى تنفيذ العملية.
العملية استغرقت من ساعتين إلى 3 ساعات
وحول مدة إجراء الجراحة، أوضح الدكتور عمرو كمال أن العملية استغرقت إجمالًا نحو ساعتين إلى 3 ساعات، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الوقت يتعلق بمرحلة تجهيز الروبوت وإعداده للعمل، وهي العملية المعروفة باسم «Docking»..، موضحا أن عملية ضبط الجهاز والتعقيم وإدخال أذرعه استغرقت في هذه الحالة نحو ساعة ونصف، بينما استغرقت الجراحة نفسها قرابة ساعة ونصف.
من «فتح عظمة القفص» إلى الجراحة الأقل تدخلاً
وحول الفارق بين الجراحة التقليدية والجراحة باستخدام الروبوت، أوضح الدكتور عمرو كمال أن استئصال الغدة التيموسية بالطريقة التقليدية قد يتطلب إجراء شق في عظمة القفص، على غرار بعض عمليات القلب المفتوح.
وأضاف أن هذا النوع من الجراحات يرتبط بألم وصعوبة أكبر في مرحلة ما بعد العملية وفترة تعافٍ أطول، بينما تندرج الجراحة الروبوتية ضمن جراحات «التدخل المحدود» أو «Minimally Invasive Surgery»..
وأشار إلى أن الروبوت يتيح إجراء العملية من خلال فتحات صغيرة، مع استخدام كيس جراحي «Endobag» لإخراج الغدة أو الورم، بما يساعد على إتمام الإجراء وفق التقنية الجراحية المحددة.
أقل من 48 ساعة داخل المعهد.. والمريض لم يحتج إلى الرعاية المركزة
وأكد رئيس وحدة جراحة الصدر أن من أبرز مزايا الجراحة الروبوتية سرعة تعافي المريض وقصر فترة بقائه داخل المستشفى، موضحا أن المريض خضع للجراحة يوم الاثنين، وتمكن من مغادرة المعهد يوم الأربعاء، أي خلال أقل من 48 ساعة من إجراء العملية، ولفت إلى أن المريض لم يحتج إلى دخول وحدة الرعاية المركزة بعد الجراحة.
الروبوت لا يجري العملية وحده.. الطبيب هو من يتحكم في الجراحة
وشدد الدكتور عمرو كمال على أهمية تصحيح مفهوم شائع لدى بعض المرضى بشأن الجراحة الروبوتية، مؤكدًا أن الروبوت لا يعمل بصورة مستقلة، موضحا أن الجراحة الروبوتية تعتمد على الطبيب الجراح الذي يتحكم في النظام من خلال وحدة التحكم «Console»، بينما توجد أذرع الروبوت بجوار المريض ويتم توجيهها بواسطة الجراح.
موافقة المريض وشرح البدائل حق أساسي قبل الجراحة
وأكد الدكتور عمرو كمال أن المريض يجب أن يكون على دراية كاملة بتفاصيل العملية قبل إجرائها، سواء كانت جراحة روبوتية أو تقليدية، مؤكدا أن الفريق الطبي يشرح للمريض خطوات العملية، والمضاعفات المحتملة، والبدائل المتاحة، و أن اطلاع المريض على هذه التفاصيل حق أساسي له قبل اتخاذ قرار الخضوع للجراحة.
وفي الجانب الإنساني من القصة، التقى «اليوم السابع» بالمريض محمد، الذي خضع لأول جراحة روبوتية داخل المعهد القومي للأورام لاستئصال ورم بالغدة التيموسية، وذلك بعد نحو 10 أيام من إجراء العملية، خلال حضوره للمعهد لإجراء المتابعة الدورية.
وروى محمد تفاصيل تجربته، مؤكداً أنه لم يكن يشعر بالخوف قبل إجراء العملية، وأنه ترك الأمر لله، موضحاً أنه علم قبل الجراحة أن الفريق الطبي سيبدأ باستخدام الروبوت، وفي حال عدم إمكانية استكمال العملية بهذه الطريقة كان سيتم اللجوء إلى فتح الصدر بالطريقة التقليدية.
وقال محمد إنه بعد خروجه من غرفة العمليات كانت أول الأشياء التي لفتت انتباهه أنبوب الصدر، موضحاً أنه وجد أنبوباً واحداً، وهو ما جعله يحمد الله، بعدما كان يعلم أن الجراحة التقليدية كانت قد تستلزم فتحاً أكبر في القفص الصدري.
استئصال الغدة التيموسية باستخدام الروبوت بمعهد الأورام
وأضاف أنه فوجئ بسرعة خروجه من المستشفى، موضحاً أنه دخل لإجراء العملية ثم غادر بعد نحو 48 ساعة، وحضر بعد ذلك إلى المعهد لإجراء المتابعة الدورية.
وأضاف: «الدكاترة ما قصرواش في أي حاجة، كل الفريق كله ما قصرش في أي حاجة، حتى في العمليات، وبعد ما طلعت من العمليات، في كل حاجة ما قصروش».
ووجه المريض رسالة شكر إلى الفريق الطبي قائلاً: «أنا بشكرهم، من أول دكتور لحد آخر دكتور، كل الدكاترة، بشكرهم كلهم»، مؤكدا أنه موجود بالمعهد حالياً للمتابعة فقط بعد نجاح العملية.