من الوقوف أمام السبورة لتعليم الأطفال إلى الانتظار في طابور الحياة بحثا عن لقمة العيش.. حكاية معلمة الإنجليزية وصال أبو حطب.. أغلقت الحرب مدرستها وأجبرتها إصابة زوجها على حمل مسؤولية أسرتها في غزة

الإثنين، 05 أكتوبر 2026 10:00 ص
من الوقوف أمام السبورة لتعليم الأطفال إلى الانتظار في طابور الحياة بحثا عن لقمة العيش.. حكاية معلمة الإنجليزية وصال أبو حطب.. أغلقت الحرب مدرستها وأجبرتها إصابة زوجها على حمل مسؤولية أسرتها في غزة المعلمة الفلسطينية وصال أبو حطب

كتب أحمد عرفة

لم تغلق وصال أبو حطب كتابها بإرادتها، ولم تختر أن تترك السبورة التي وقفت أمامها سنوات تشرح لطلابها كلمات اللغة الإنجليزية وحروفها، الحرب هي التي أغلقت السبورة في وجهها، وأجبرتها على أن تنتقل، في لحظة لم تكن مستعدة لها، من عالم التعليم إلى عالم آخر لا يشبهها، عالم البحث عن لقمة العيش ومحاولة تأمين احتياجات أسرتها وسط ظروف قاسية لا ترحم.

 

رحلتها في التعليم

كانت وصال معلمة، وترى في التعليم أكثر من مجرد وظيفة، كانت تقف أمام طلابها وهي تحمل رسالة، تحاول أن تمنحهم شيئا من الأمل والمعرفة، وتفتح أمامهم نافذة صغيرة على مستقبل أفضل، كانت السبورة مكانها الطبيعي، والكتب وأصوات الطلاب جزءا من يومها وحياتها، لكن الحرب في غزة غيرت كل شيء.

وصال أبو حطب المعلمة الفلسطينية
وصال أبو حطب المعلمة الفلسطينية

 

توقفت المدارس، وتوقفت معها تفاصيل كثيرة كانت تبدو عادية في السابق، لم يعد الذهاب إلى المدرسة أمرا بديهيا، ولم تعد الحصة الدراسية هي الأولوية، تحولت حياة الناس إلى سلسلة من الأسئلة الصعبة: أين نعيش؟ كيف نحصل على الطعام؟ كيف نحمي أبناءنا؟ وكيف نؤمن احتياجات الأسرة في ظل واقع يزداد قسوة يوما بعد آخر؟

آثار الحرب

وبالنسبة لوصال، لم تتوقف آثار الحرب عند إغلاق المدرسة، فبعد إصابة زوجها، وجدت نفسها أمام مسؤولية جديدة وثقيلة، وهي إعالة أسرتها في وقت أصبحت فيه أبسط الاحتياجات عبئا كبيرا.

في السابق، كانت وصال تعود من عملها وهي تفكر في الدروس التي ستقدمها لطلابها في اليوم التالي، والكلمات الجديدة التي ستشرحها، والطريقة التي ستجعل بها درس اللغة الإنجليزية أكثر قربا إلى أطفالها، أما اليوم، فأصبحت أفكارها تدور حول أسئلة مختلفة تماما تتمثل في كيف تؤمن الطعام لأسرتها؟ وكيف تواجه متطلبات الحياة؟ وكيف تتحمل مسؤولية البيت في الوقت الذي لا تزال فيه الحرب تفرض نفسها على كل تفاصيل حياتهم؟

وصال أبو حطب
وصال أبو حطب

 

تحديات الحياة اليومية

هكذا، انتقلت من الوقوف أمام الطلاب إلى الوقوف أمام تحديات الحياة اليومية، ولم تكن مستعدة لهذا التحول، لكنه لم يمنحها فرصة للاختيار، فإصابة زوجها جعلتها تتحمل أعباء إضافية، والحرب ضيقت أمامها الخيارات، وبينما كانت مهنتها تمنحها شعورا بالاستقرار والانتماء، وجدت نفسها تبحث عن أي فرصة يمكن أن تساعدها في توفير احتياجات أسرتها.

إنها ليست مجرد قصة امرأة فقدت عملها بسبب الحرب، بل قصة إنسانة تبدلت أولويات حياتها بالكامل، فالمعلمة التي كانت تساعد أبناء الآخرين على التعلم، أصبحت اليوم تكافح من أجل تأمين احتياجات أبنائها وأسرتها، والمرأة التي اعتادت أن تحمل الكتب إلى المدرسة، بات عليها أن تحمل مسؤولية بيت كامل فوق كتفيها.

ورغم كل ذلك، لم تختف وصال خلف الظروف، ما زالت تحاول أن تجد طريقا للاستمرار، وتحافظ على أسرتها، وتتعامل مع واقع فرض عليها أن تكون أقوى مما كانت تتصور، وفي كل مرة تنظر فيها إلى حياتها السابقة، تتذكر أنها لم تختر التخلي عن التعليم، والسبورة لم تكن هي التي تخلت عنها، بل الحرب هي التي انتزعتها من مكانها.

من السبورة إلى لقمة العيش، قطعت وصال مسافة لم تكن تتخيل يوما أنها ستقطعها، مسافة تختصر حكاية آلاف النساء في غزة، اللواتي وجدن أنفسهن أمام مسؤوليات جديدة بعد أن عصفت الحرب بمصادر رزق أسرهن، وأجبرتهن على البحث عن بدائل وسط ظروف بالغة الصعوبة.

وربما كان أصعب ما في حكاية وصال أن انتقالها لم يكن انتقالا من مهنة إلى أخرى فحسب، بل كان انتقالا من حياة اعتادت أن تبني فيها مستقبل الآخرين بالتعليم، إلى حياة تكافح فيها كل يوم من أجل الحفاظ على حاضر أسرتها، ومع ذلك، تبقى في قصتها مساحة للأمل.

المعلمة التي اعتادت أن تقول لطلابها إن المعرفة يمكن أن تفتح الأبواب، لا تزال تبحث هي الأخرى عن باب جديد للحياة، وباب يعيد إليها شيئا من الاستقرار، ويمنح أسرتها فرصة للعيش بكرامة، وربما يعيدها يوما إلى المكان الذي أحبته طويلا، أمام السبورة، بين طلابها، تحمل كتاب اللغة الإنجليزية من جديد، لكن حتى يحين ذلك اليوم، تواصل وصال رحلتها.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة