منذ أكثر من تسعة عقود، ظلت جماعة الإخوان الإرهابية تُقدّم نفسها للناس في ثوب الحركة الدعوية والخيرية التي تجمع المال لخدمة الفقراء وإغاثة الملهوفين ودعم القضايا العادلة، ورفعت في وجه كل من يسأل عن أموالها شعارات "الشورى" و"الشفافية" و"المال دعوي لا سياسي". غير أن الأحداث المتلاحقة، والصراعات الداخلية التي انفجرت في السنوات الأخيرة بين قياداتها الهاربة في الخارج، أسقطت هذا القناع وكشفت عن حقيقة مختلفة تماماً.
فبينما كان الشباب الهاربون يتخبطون في أزمات الإقامة والترحيل والفقر، كان آخرون يتنازعون على ملايين التبرعات وأصول الشركات والمنصات الإعلامية. ومن رحم هذا التنازع ظهرت خناقات علنية بين حمزة زوبع وباقي الشلة المرتزقة الهاربة، تحوّلت إلى اتهامات متبادلة باختلاس الأموال والاستيلاء على الاشتراكات والاستحواذ على الغنائم.
أين ذهبت ملايين التبرعات وسط صراعات "زوبع والشلة المرتزقة الهاربة"؟
من جانبه، قال إبراهيم ربيع، القيادي المنشق عن جماعة الإخوان الإرهابية والباحث في شؤون التنظيمات الإرهابية، إن ملف التبرعات داخل الجماعة لم يكن يوماً ملفاً إنسانياً أو خيرياً، بل كان ولا يزال أداة لتمويل الصراعات الداخلية وشراء الولاءات، مؤكداً أن ما يحدث حالياً من "خناقات" بين حمزة زوبع وباقي الشلة الهاربة ليس سوى معركة على النفوذ والتمويل المتبقي. مضيفا، أن سياسة الاستيلاء على الأموال ليست وليدة اللحظة، بل هي جزء أصيل من تاريخ ونشأة هذه الجماعة القائمة على الاستيلاء على أموال الناس بالباطل، مستشهداً بواقعة شهيرة في الأربعينيات بطلها "عبد الحكيم عابدين"، زوج شقيقة حسن البنا، الذي استولى على أموال جمعها البنا من جهات مختلفة لإقامة مشاريع تجارية ومؤسسات تعليمية، وهو ما تسبب في خلافات حادة داخل الجماعة آنذاك، ولكن تم التستر عليه .
وتابع القيادي المنشق أن ما يحدث اليوم من صراع بين جبهتي لندن وإسطنبول، والذي يتزعم إحداها حمزة زوبع، هو الكاشف الأكبر لعقلية المصلحة والتمويل، موضحاً أن الطرفين يتبادلان الاتهامات علناً باختلاس أموال الاشتراكات والاستيلاء على أصول عقارية وشركات مسجلة بأسماء أفراد في تركيا وبريطانيا، في حين تُرك الشباب الهاربون يواجهون أزمات الإقامة والترحيل والفقر .
ثلاثة روافد أساسية للتمويل
وأشار ربيع إلى أن الجماعة تعتمد على ثلاثة روافد أساسية للتمويل، أولها الشركات الواجهة لغسيل الأموال التي تُقدر أصولها المجمعة بنحو 3.5 إلى 5 مليارات دولار، وثانيها التبرعات والعمل الإغاثي التي تُجمع سنوياً بعشرات الملايين من الدولارات تحت غطاء الأزمات الإنسانية، وثالثها التمويلات الاستخباراتية المشروطة من جهات دولية وإقليمية تحت غطاء "دعم الديمقراطية" أو "حقوق الإنسان" .
وأضاف أن هذه التبرعات لا يذهب للمستحقين، بل يتدفق لتمويل المنصات الإعلامية وشراء الولاءات السياسية ورواتب خيالية للقيادات الهاربة كنوع من "الترشيد المالي المقنع"، بينما يُترك القواعد في الخارج يتخبطون بين الفقر ومشاكل الإقامة، مما أثبت للقواعد أن الشعارات الدعوية لم تكن سوى واجهة لجمع المال وتأمين القيادات .
وقال ربيع إن واقعة سرقة أموال مخصصة لغزة في عام 1995 من قبل خيرت الشاطر ورجاله ليست سوى حلقة في سلسلة ممتدة، كاشفاً أن التحقيقات في القضية رقم 404 لسنة 2009 أظهرت أن نحو 2.7 مليون يورو جُمعت من مؤتمرات أوروبية عقب حرب 2008 على غزة، وضُبطت داخل مصر في حسابات شخصية مرتبطة بقيادات إخوانية، وليس في حسابات جمعيات خيرية .
وتابع أن وثيقة وُصفت بأنها بالغة الخطورة بعنوان "وثيقة المرشد العام: حين يصبح مال غزة ملكية تنظيمية"، موقعة من المرشد العام الأسبق محمد مهدي عاكف، تنص على عدم التصرف في أموال التبرعات الخاصة بفلسطين إلا بعد الرجوع إلى مكتب الإرشاد، ما يكشف عن تحكم مباشر للتنظيم في موارد الإعمار واستخدامها كأداة سياسية .
وأضاف ربيع أن حمزة زوبع تحديداً لم يكن يوماً سوى واجهة إعلامية تُباع مواقفها لمن يدفع أكثر، مستشهداً بشهادة مذيع سابق بقناة إخوانية أكد أن كل إعلامي في منابر الجماعة حصل على ثمن تحريضه ضد الدولة المصرية، وأن استديوهات الإخوان شهدت العديد من السقطات الأخلاقية لـ"أيمن نور وحمزة زوبع" بسبب الأموال .
وقال إن زوبع الذي يهاجم اليوم القيادات المنشقة بعبارات مثل "كانوا بيجروا وراء عربية الرش بتاعت الجماعة"، هو نفسه الذي استأجر لجاناً إلكترونية لإسكات المنتقدين واختراق هواتفهم، كما اتهمه أحمد بركات المنشق باستخدام نفوذه وأمواله لحجب الأصوات المنتقدة، مؤكداً أن "اللجان المأجورة" استهدفت حساباته بهدف تعطيلها وإغلاقها .
وأضاف ربيع أن هذه الممارسات تؤكد أن الجماعة تحولت إلى "منظومة مغلقة تسيطر عليها مجموعة محدودة تستحوذ على الموارد والمنصات الإعلامية"، وأن كثيراً من الشباب اكتشفوا حجم التناقض بين الشعارات المرفوعة والواقع المالي للقيادات، وقرروا العودة إلى الوطن وكشف الحقيقة للرأي العام .
30 يونيو 2013 الضربة القاضية التي أزاحت الستار عن التنظيم
واختتم إبراهيم ربيع بالإشارة إلى أن ثورة 30 يونيو 2013 كانت الضربة القاضية التي أزاحت الستار عن هذا التنظيم وفضحته أمام الشعب المصري والعالم أجمع، لتتوالى بعدها الفضائح والجرائم المالية التي ظلت الجماعة تتستر عليها طوال 90 عاماً، مؤكداً أن "من خان الله بتحريف دينه وخان الرسول بتوظيف نصوصه لخدمة ضلالاتهم، لن يتردد في سرقة الأموال، وأن سرقة الأموال هي أخف وطأة مما ارتكبوه من استباحة للدماء وخيانة للأوطان.