لم يكن التناقض بين الخطاب العلني لجماعة الإخوان الإرهابية وأدبياتها التنظيمية الداخلية مجرد اختلاف في طريقة التعبير أو محاولة لمخاطبة جمهور متنوع، بل يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة المشروع السياسي الذي تتبناه الجماعة، وحدود إيمانها بمفاهيم الدولة المدنية والمواطنة والتعددية. ففي الوقت الذي تحرص فيه بعض قياداتها على استخدام مصطلحات الديمقراطية وحقوق الإنسان والمشاركة السياسية في خطابها الموجه إلى الخارج، تظل هناك تساؤلات بشأن مدى اتساق هذه الشعارات مع بنية التنظيم المغلقة، ومنظومة الولاء والطاعة، وتقديم مصلحة الجماعة على الاعتبارات الوطنية.
وفي هذا السياق، يقدم إبراهيم ربيع، القيادي المنشق عن الجماعة والباحث في شؤون الحركات المتطرفة، قراءة لطبيعة هذا الخطاب المزدوج، مستندًا إلى خبرته التي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود داخل التنظيم، وما كشفته تجربته من فجوة بين الصورة التي تقدمها الجماعة للرأي العام وآليات العمل التي تحكمها من الداخل.
خطابان لجمهورين.. المواطنة في العلن والولاء في الداخل
قال إبراهيم ربيع إن من أبرز سمات جماعة الإخوان اعتمادها على ازدواجية الخطاب، إذ لا تقدم خطابًا واحدًا ثابتًا لجميع المتلقين، وإنما توظف المفردات والشعارات وفقًا للجمهور المستهدف والمرحلة السياسية التي تمر بها. فهناك خطاب موجه إلى المجتمع والرأي العام يسعى إلى تقديم الجماعة باعتبارها تيارًا سياسيًا يقبل التعددية والدولة المدنية، في مقابل خطاب تنظيمي داخلي يركز على الالتزام والسمع والطاعة وتغليب مصلحة الجماعة.
وأضاف ربيع، أن عقيدة الجماعة تقوم على ازدواجية الخطاب والنفعية، واستغلال التدين الفطري لدى قطاعات من الجمهور في سبيل تمكين التنظيم من السلطة تحت شعار إقامة دولة الخلافة. وهي رؤية تضع المشروع التنظيمي في مقدمة الأولويات، وتجعل الشعارات المعلنة خاضعة لحسابات الوصول إلى السلطة وتوسيع النفوذ.
وتتضح هذه الفجوة في طبيعة البناء الداخلي للجماعة؛ فبينما تتحدث في خطابها العام عن المشاركة والحوار، يصف ربيع تجربته داخل التنظيم بأنها كشفت عن قيود على حرية التفكير والتعبير، وتقديم الطاعة التنظيمية على النقاش المستقل. وفي هذا السياق، يلخص القيادي المنشق ما يصفه بالمحظورات التي فرضها التنظيم على أعضائه بقوله: محرم عليك الضمير، محرم عليك التفكير، ومحرم عليك التعبير.
الدولة المدنية.. مصطلح سياسي أم قناعة تنظيمية؟
وأوضح ربيع أن استخدام الجماعة لمصطلحات حديثة مثل الدولة المدنية والديمقراطية لا يكفي وحده للحكم على طبيعة مشروعها، وإنما ينبغي النظر إلى المضمون الذي تحمله هذه المصطلحات في أدبياتها وممارساتها، ومدى قبولها الفعلي بقواعد الدولة الوطنية التي تقوم على المساواة بين المواطنين، واستقلال المؤسسات، وخضوع الجميع للدستور والقانون.
وأضاف أن الاختبار الحقيقي لأي تيار سياسي لا يكون في قدرته على ترديد شعارات التعددية، وإنما في مدى قبوله بنتائجها، واحترامه حق الآخرين في الاختلاف والمشاركة، وعدم إخضاع المؤسسات العامة لاعتبارات الولاء التنظيمي. فالدولة المدنية لا تعني مجرد استخدام تعبيرات سياسية مقبولة دوليًا، بل تعني وجود قواعد واضحة لا تسمح بوجود تنظيم موازٍ يفرض على أعضائه مرجعية تتقدم على القانون ومؤسسات الدولة.
وتدعم هذه الإشكالية دراسة أكاديمية للباحث خليل العناني، بعنوان "مواطنون أم ذميون؟ موقف جماعة الإخوان من الحقوق السياسية للأقباط في مصر"، نُشرت عام 2018، واعتمدت على تحليل تصريحات أعضاء وقيادات الجماعة خلال الفترة من 1981 إلى 2013. وخلصت الدراسة إلى وجود فهم ملتبس لمفهوم المواطنة، انعكس على تصورات الجماعة بشأن الحقوق السياسية والمدنية للأقباط والأقليات، وربطت هذا الالتباس بعوامل من بينها الالتزام الأيديولوجي، والحفاظ على التماسك التنظيمي، وحسابات القبول الاجتماعي والمنافسة مع التيارات الدينية المحافظة.
وتكشف الدراسة أن التحولات التي طرأت على خطاب الجماعة مع دخولها المجال السياسي لم تكن بالضرورة دليلًا على حسم جميع الإشكالات الفكرية المرتبطة بالمواطنة والتعددية، بل إن الخطاب ظل محكومًا بتداخل الاعتبارات الأيديولوجية والتنظيمية والسياسية.
مصلحة التنظيم فوق الاعتبارات الأخلاقية
وأشار ربيع إلى أن جوهر الازدواجية لا يرتبط فقط بتغيير المفردات بحسب الجمهور، وإنما يمتد إلى منظومة القيم التي تحكم السلوك التنظيمي، موضحًا أن مصلحة الجماعة كانت تُقدم في كثير من الحالات باعتبارها المعيار الذي تُقاس عليه المواقف والتصرفات، حتى عندما تتعارض مع اعتبارات أخلاقية أو قواعد عامة يفترض الالتزام بها.
وأضاف أن تجربته داخل التنظيم كشفت له عن وجود تبريرات جاهزة لبعض الممارسات التي كان يعترض عليها، وأن النقاش حولها لم يكن يُدار دائمًا باعتباره اختلافًا مشروعًا في الرأي، بل كان يُنظر إليه أحيانًا باعتباره خروجًا على الالتزام التنظيمي. مؤكدًا أن البناء الأخلاقي داخل التنظيم، وفق تقييمه، يقوم على الانتهازية والاستغلال، وأنه قد تُقدم تبريرات لممارسات مرفوضة أخلاقيًا إذا اعتُبر أنها تخدم مصلحة الجماعة.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها صادرة عن شخص عاش داخل التنظيم سنوات طويلة، وتولى مواقع ومسؤوليات مختلفة، قبل أن يبدأ مراجعة أفكاره ويعلن انفصاله عنه. فقد أوضح أنه بدأ طرح تساؤلات حول أسباب الجمع بين العمل الدعوي والتنظيم الحديدي السري، وحول طبيعة العلاقة بين الشعارات المعلنة والسعي إلى المكاسب السياسية والوصول إلى السلطة.
التقية السياسية.. قراءة في آليات توظيف المصطلحات
ويرى ربيع أن ازدواجية الخطاب تعكس توظيفًا سياسيًا للمفردات بحسب مقتضيات المرحلة، بحيث تظهر الجماعة أمام الجمهور بصورة تتلاءم مع تطلعاته، بينما تظل الأولوية داخل التنظيم لمشروعه الخاص وآليات الحفاظ على تماسكه ونفوذه.
وأضاف أن المشكلة لا تكمن في استخدام مصطلحات مثل الديمقراطية أو الدولة المدنية في حد ذاتها، وإنما في مدى الالتزام بمضمونها عند التطبيق، لافتًا إلى أن المعيار الفاصل هو الممارسة الفعلية: هل تقبل الجماعة تداول السلطة؟ وهل تحترم استقلال المؤسسات؟ وهل تسمح لأعضائها بمناقشة القرارات ومراجعة القيادة؟ وهل تتعامل مع المواطنين باعتبارهم متساوين، أم تضع الانتماء التنظيمي والعقائدي في مقدمة الاعتبارات؟
التنظيم المغلق.. الفارق بين الصورة المعلنة وآليات العمل
واختتم ربيع رؤيته بالتأكيد على أن فهم الخطاب الإخواني لا يمكن أن ينفصل عن طبيعة التنظيم وبنيته الداخلية، معتبرًا أن الفارق بين الصورة التي تقدمها الجماعة للخارج وآليات عملها الداخلية يمثل مدخلًا أساسيًا لفهم مشروعها السياسي، مضيفا، أن مواجهة هذا الخطاب تبدأ بإخضاع الشعارات للاختبار، ومقارنة ما تعلنه الجماعة بما تمارسه، وعدم التعامل مع المصطلحات السياسية باعتبارها دليلًا كافيًا على تبني قيمها. فالدولة المدنية تُقاس بضماناتها ومؤسساتها، والمواطنة تُقاس بالمساواة الفعلية في الحقوق والواجبات، والديمقراطية تُقاس بقبول الاختلاف وتداول السلطة، لا بمجرد ترديد هذه المفاهيم في البيانات الموجهة إلى الخارج.
وبين خطاب يتغير بتغير الجمهور، وبنية تنظيمية تضع الولاء والانضباط في صدارة أولوياتها، تظل الازدواجية السياسية واحدة من أبرز القضايا التي تثيرها تجربة الإخوان، وتفرض ضرورة قراءة مشروع الجماعة من خلال نصوصها ومواقفها وممارساتها، لا من خلال الشعارات التي تختارها لتقديم نفسها للرأي العام.