تخوض الدولة الوطنية الحديثة اليوم معركة وعي كبرى لا تتعلق فقط بتثبيت أركان مؤسساتها، بل تمتد إلى جوهر فلسفتها القائمة على "المواطنة المتساوية" التي لا تفرق بين مواطن وآخر بسبب الدين أو العقيدة. في المقابل، تواصل جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها تنظيم الإخوان الإرهابي، السباحة عكس التيار عبر التمسك بأدبياتها الكلاسيكية التي لا تعترف بحدود أو مفاهيم الدولة القومية، مستبدلةً إياها بأحلام مثل "إقامة الخلافة" أو "أستاذية العالم".
لكن، وسط هذا الصدام المنهجي بين مفهومين متناقضين، يبرز السؤال الأهم: كيف يفسر الخطاب الإخواني مكانة ووضع غير المسلمين في ظل هذا البديل المنشود؟ وما هي حقيقة النصوص والأدبيات التي تعاملت مع الشركاء في الوطن كـ "مواطنين من الدرجة الثانية"؟
لتفكيك هذا التناقض الفلسفي والدستوري بالأدلة والبراهين، يستعرض هذا التقرير الرؤية التحليلية المعمقة للباحث في شؤون الحركات المتطرفة، أحمد بان.
إلغاء الدولة الوطنية.. الوطن العقائدي لا يعترف بالحدود
يذكر الباحث أحمد بان في مستهل تحليله أن الخطأ الجسيم الذي يقع فيه البعض هو التعامل مع جماعة الإخوان كـ "حزب سياسي عادي" يقبل بقواعد اللعبة الدستورية والدولة الوطنية، بينما تؤكد الأدبيات التأسيسية للجماعة عكس ذلك تماماً.
يوضح أحمد بان قائلاً: حين نتأمل أدبيات المؤسس حسن البنا، وتحديداً في رسالة التعاليم أو كتابات سيد قطب اللاحقة، نكتشف أن مفهوم الوطن عند الإخوان ليس رقعة جغرافية تجمع أبناء الوطن الواحد بغض النظر عن عقائدهم، بل هو عقيدة وتنظيم. الوطن في أدبياتهم هو دار الإسلام التي يجب أن تذوب فيها كافة الحدود لصالح مشروع أممي عابر للقارات يُعرف بـ أستاذية العالم أو الخلافة.
ويضيف بان موثقاً بالدليل الفكري: هذا النسق الإقصائي يعصف بالدولة الوطنية الحديثة من جَذْرها؛ لأن الدستور الحديث يقوم على مبدأ العقد الاجتماعي والمساواة المطلقة، بينما يقوم نسق الجماعة على أساس التمييز العقائدي. فالدولة الوطنية تعتبر الجميع شركاء متساوين في الحقوق والواجبات، بينما يرى الفكر الإخواني أن الولاء الأول يجب أن يكون للتنظيم ومشروعه الأممي، وهو ما يضعف فكرة الانتماء للوطن الأصلي.
مصير غير المسلمين في بديل الخلافة.. التهميش المؤدلج
وعن الوضع المخصص لغير المسلمين في ظل هذا البديل المنشود دولة الخلافة أو الأستاذية، يؤكد أحمد بان أن أدبيات الجماعة لم تُقدم قط نموذجاً حقيقياً للمواطنة المتساوية، بل ظلت حبيسة الأطر التاريخية الضيقة التي تصنف الشركاء في الوطن في مراتب أدنى.
قال أحمد بان: عندما يُسأل قادة الإخوان في خطاباتهم الدعائية الموجهة للخارج عن المسيحيين وغير المسلمين، يستخدمون مصطلحات مطاطة مثل المواطنة تجميلاً لصورتهم. لكن العودة للنصوص الكلاسيكية والمناهج الداخلية التي تُدّرس للأعضاء في الأسر تكشف الحقيقة الصادمة؛ حيث يُعاد إنتاج مفاهيم "أهل الذمة" بمعالجات تقليدية تضع قيوداً صارمة على تولي غير المسلمين لولايات الحكم الكبرى أو مناصب السيادة.
وأضاف بان موثقاً: في أدبيات التنظيم، يُنظر لغير المسلم باعتباره إما مستأمناً أو معفياً من أعباء معينة مقابل التزام طابع الخضوع لشروط الجماعة الحاكمة. هذا الطرح ينسف كلياً فلسفة الدستور المعاصر الذي يساوي بين المصريين جميعاً في الحقوق السياسية والمدنية. إنهم يريدون لغير المسلم أن يكون تابعاً في دولة تُدار بمنظومة فقهية مغلقة، لا شريكاً كامل الأهلية في إدارة مقدرات وطنه.
التناقض الفلسفي والدستوري.. الوجه الحقيقي للتنظيم
يشير أحمد بان إلى أن هذا التناقض ليس مجرد خلاف في وجهات النظر السياسية، بل هو صراع وجودي بين فلسفتين لا يمكن أن تلتقيا: فلسفة الدولة الدستورية الحديثة التي تحتضن التعددية، وفلسفة التنظيم العقائدي الذي لا يرى في المخالف إلا الآخر المستبعد.
يوضح بان هذه الثنائية قائلاً: التناقض بين الدولة الوطنية ودولة التنظيم هو تناقض بين العقد الاجتماعي وبين الوصاية الدينية. الدولة الوطنية تعترف بالإنسان بوصفه مواطناً له حقوق مكفولة بالقانون، بينما التنظيم يرى الإنسان بوصفه ورقة في مشروع أممي.
وحين تسعى جماعة الإخوان لإحياء فكرة الخلافة، فإنها تعيد تدوير منظومة تاريخية قامت في سياقات زمنية ولت، وتطبيقها اليوم في عصر الدول القومية الحديثة يعني بالضرورة تحويل غير المسلمين إلى مواطنين من الدرجة الثانية، منقوصي الحقوق والسيادة.
خطورة استمرار ترويج هذا الفكر
يقول الباحث أحمد بان: أن المعركة مع أدبيات الإخوان هي معركة حماية العُرى الوطنية من التمزق محذرا، إن الإصرار على ترويج هذه الأفكار الإقصائية عبر المنصات الرقمية وكتب التراث الحركي يمثل تهديداً خطيراً للنسيج المجتمعي. إن تفكيك وهم أستاذية العالم وإبراز زيف شعارات المواطنة المستعارة التي يطرحها التنظيم للخارج، هو واجب وطني وفكري ملزم، لأن البديل الذي تطرحه أدبيات الجماعة لغير المسلمين ليس سوى تهميش ممنهج يضرب استقرار الدول في مقتل.