لا تُولَد العقلية الصارمة الرافضة للآخر لدى عناصر جماعة الإخوان الإرهابية مصادفة، بل هي ثمرة مسار ممتد من التربية التنظيمية الصارمة التي تستهدف شل قدرات الفكر النقدي وتدجين الفرد داخل القالب الأيديولوجي للجماعة الإرهابية.
تحول الجماعة من تنظيم سياسي إلى واصى
وتبدأ رحلة التنشئة داخل الكيانات المغلقة للجماعة بالسيطرة على وعي المنتسب، وإعادة صياغة نظرته لنفسه ولمحيطه الاجتماعي، لتتحول جماعة الإخوان الإرهابية من مجرد تنظيم سياسي إلى وصي حقيقي وموجه أوحد للمجتمع، وأن الربط بين التنشئة الداخلية لجماعة الإخوان الإرهابية والنظرة الاستعلائية للمواطنين يوضح كيف أن الولاء المطلق للقيادة يطمس استقلالية الأفراد، ويؤدي حتمًا إلى رفض التعددية وتهميش حق الآخرين في التفكير والاختيار.
وتسعى جماعة الإخوان الإرهابية من خلال منظومتها التربوية والتثقيفية إلى ترسيخ مفهوم المرجعية العليا للقيادة في أذهان كوادرها؛ حيث تُطرح أدبيات التنظيم وتوجيهات مرشده على أنها الحق المرتكز على الفهم الصحيح للدين، ولا يقبل النقاش أو التشكيك، وتعتمد على السمع والطاعة المطلقة كشرط أساسي للاستمرار في هياكلها، مما يلغي التفكير الفردي النقدي لدى أتباعها بشكل كامل.
وتعمل جماعة الإخوان الإرهابية على تغشية العقول عبر تقنيات التلقين المباشر في الأسر والكتائب، حيث يُحظر على العضو البحث عن المقررات التنظيمية المعتمدة من قيادات جماعة الإخوان الإرهابية، وهذا الحصار الفكري الذي تفرضه الإخوان الإرهابية يجعل الكادر لا يرى الواقع إلا من خلال العدسة الملونة للتنظيم، ويكتسب تدريجيًا قناعة راسخة بأن الممارسات الإرهابية أو الأفكار الإقصائية للجماعة هي الصواب المطلق الذي يمثل المرجعية الوطنية والدينية الوحيدة.
وتضع جماعة الإخوان الإرهابية الولاء للكيان فوق كل اعتبار أخلاقي أو وطني، حيث تركز التربية الداخلية على تعميق الفكرة الأيديولوجية على حساب قيم الحوار والتفكير الحر، وداخل البيئة التنظيمية المغلقة التي تشيدها جماعة الإخوان الإرهابية، يُنظر إلى أي محاولة للمراجعة أو النقد الذاتي باعتبارها شقًا للصف، أو ضعفًا في الإيمان، أو استجابة للمخططات التي تستهدف الجماعة.
وبدلاً من أن تكون المراجعة الفكرية أداة للتطوير، تحاربها جماعة الإخوان الإرهابية بشراسة عبر تهميش العقول الناقدة وإبعادها، وتكريس مبدأ أن "المرشد هو الموجه الوحيد"، وهذا النهج الذي تتبعه الجماعة يقلص مساحة الاجتهاد لدى الأعضاء، ويجعل الانصياع الأعمى للممارسات الإرهابية والمواقف التنظيمية هو معيار الكفاءة والالتزام داخل أدبيات جماعة الإخوان الإرهابية.
إعادة تعريف العلاقة مع المجتمع: الانتقال إلى الوصاية
ولا يتوقف تأثير التربية المغلقة داخل جماعة الإخوان الإرهابية عند حدود الهيكل التنظيمي، بل ينعكس بشكل مباشر على نظرة أفرادها للمجتمع المصري بأكمله، فالشعور بالتفوق الأخلاقي والفهم "الأصح" للدين، الذي تزرعه جماعة الإخوان الإرهابية في كوادرها، يتحول تدريجيًا إلى تصور وصائي يرى أن المجتمع قاصر بحاجة إلى من يقوده ويوجهه، وأن الجماعة هي الوكيل الحصري الموكل بهذه المهمة.
ولا تنظر جماعة الإخوان الإرهابية إلى المواطنين باعتبارهم شركاء في وطن واحد يتمتعون بوعي واستقلالية، بل تتعامل معهم كجمهور «يحتاج إلى إعادة هداية» وفق النموذج الفكري للتنظيم الإرهابي، ومن هذا المنطلق الوصائي، تسعى جماعة الإخوان الإرهابية دائمًا لإملاء إرادتها على المجتمع وتحديد أولوياته، واحتكار الحديث باسم الشعب، متجاهلة التنوع الثقافي والاجتماعي العريق الذي يتسم به المجتمع المصري.
ويكشف التحليل الفكري لسلوك جماعة الإخوان الإرهابية عن تناقض صارخ في التعاطي مع مبدأ التعددية، ففي الوقت الذي تطالب فيه جماعة الإخوان الإرهابية بانتزاع مساحات للوجود السياسي والمجتمعي، ترفض في أدبياتها وممارساتها إتاحة الحق ذاته للبقية.، ترى الإرهابية في أي تيار سياسي أو فكري آخر مجرد «منافس غير مشروع» ينبغي تحييده أو الطعن في مصداقيته وإيمانه.
وقبول التعددية يتطلب الاعتراف بأن الحقيقة ليست ملكًا لطرف واحد، وهو ما تتصادم معه عقيدة جماعة الإخوان الإرهابية التي تبني وجودها على محورية الاستعلاء واحتكار الصواب، ولهذا، فإن الممارسات الإرهابية والفكرية للجماعة تستهدف باستمرار تقويض الفضاء العام المتعدد، وتحويل أي خلاف سياسي طبيعي إلى صراع عقائدي وأخلاقي، يهدف لإقصاء الآخرين وتهميش دورهم الوطني.
وتتجلى خطورة الوصاية التي تمارسها جماعة الإخوان الإرهابية عند مقارنة شعاراتها المعلنة برافعات الواقع والممارسات التاريخية التي سجلتها المواقف الشاخصة. طالما رفعت جماعة الإخوان الإرهابية شعارات براقة حول "خدمة الشعب" و"إرادة الأمة"، لكن سلوكها العملي والتنفيذي حين أتيحت لها الفرصة كشف عن منهج وصائي متجذر ينتقص من استقلالية المواطن المصري ويسفه اختياراته.
وتجسدت هذه الوصاية في أدبيات مؤسس التنظيم وقادته؛ حيث تم تقسيم الشعب في الخطابات الإخوانية إلى "مؤمن بالدعوة" و"غافل عنها"، ناهيك عن الممارسة العملية خلال فترة حكمهم حين حاولت جماعة الإخوان الإرهابية أخونة مؤسسات الدولة وفرض أفكارها بالقوة والترهيب، وأن المواقف المعلنة والتصريحات الشهيرة لقيادات جماعة الإخوان الإرهابية التي صرحت مرارًا بتفضيل الانتماء للتنظيم على حدود الوطن ومصلحته، تقف شاهدًا على أن الممارسات الإرهابية للجماعة ليست مجرد ردود أفعال، بل هي تطبيق عملي لعقيدة الاستعلاء والوصاية التي تنكر على المصريين حريتهم في التفكير والاختيار.
وتظل حماية التعددية المصرية الأصيلة وحرية الاختيار هي الرادع الأقوى ضد أفكار الوصاية والتفوق الزائف التي تسعى جماعة الإخوان الإرهابية لنشرها داخل النسيج الوطني، ولكن المصريين لهم بالمرصاد.