الجفاف وذوبان الجليد يفضحان أسرار الحروب في أوروبا.. سفن حربية وقنابل تزن مئات الكيلوجرامات وذخائر مدفونة منذ أكثر من قرن تعود للظهور في الأنهار وجبال الألب.. ومخاوف من انفجار مخلفات الحربين العالميتين

الجمعة، 30 أكتوبر 2026 07:00 ص
الجفاف وذوبان الجليد يفضحان أسرار الحروب في أوروبا.. سفن حربية وقنابل تزن مئات الكيلوجرامات وذخائر مدفونة منذ أكثر من قرن تعود للظهور في الأنهار وجبال الألب.. ومخاوف من انفجار مخلفات الحربين العالميتين الجفاف - أرشيفية

فاطمة شوقى

في مشهد يبدو وكأن الماضي يخرج من تحت الماء والجليد، تعيد موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الأنهار الجليدية في أوروبا كشف مخلفات الحروب العالمية، من سفن حربية ألمانية غارقة تحمل ذخائر ومتفجرات في نهر الدانوب، إلى قنبلة أمريكية تعود إلى الحرب العالمية الثانية ظهرت في قاع نهر بو الإيطالي، وصولًا إلى قذائف وذخائر ظلت مدفونة لأكثر من قرن تحت جليد جبال الألب.

ولا تقتصر هذه الاكتشافات على قيمتها التاريخية، بل تثير مخاوف تتعلق بالسلامة العامة والملاحة النهرية، إذ لا تزال بعض الذخائر القديمة قادرة على الانفجار رغم مرور عشرات السنوات على انتهاء المعارك. كما تكشف هذه الوقائع كيف يمكن للتغيرات البيئية أن تعيد إظهار آثار الحروب التي ظلت مخفية تحت المياه أو الثلوج لفترات طويلة.

 

صربيا.. نهر الدانوب يكشف أسطولًا حربيًا غارقًا

في صربيا، أدى الجفاف الحاد الذي ضرب أوروبا خلال صيف عام 2022 إلى انخفاض منسوب نهر الدانوب إلى مستويات استثنائية، كاشفًا عن أكثر من 20 حطامًا لسفن حربية ألمانية قرب بلدة براهوفو، على الحدود مع رومانيا.
وتعود هذه السفن إلى الحرب العالمية الثانية، عندما أغرقت القوات الألمانية مئات السفن في النهر عام 1944، خلال انسحابها أمام تقدم القوات السوفيتية. وبقيت أجزاء كبيرة من هذه السفن في قاع الدانوب لعقود، قبل أن يكشف تراجع المياه عن هياكلها المعدنية وأجزاء منها كانت مغمورة بالكامل.
ووفقًا لتقارير نشرتها صحيفة لاراثون الإسبانية ، لا تزال بعض السفن تحتوي على كميات من الذخائر والمتفجرات، ما يجعلها خطرًا محتملًا على حركة الملاحة النهرية. كما أدى ظهور الحطام إلى تجدد المطالب بالتعامل معه وإزالة السفن التي تعوق الممر الملاحي.
ولم تتوقف القضية عند اكتشاف السفن؛ ففي عام 2026، استمرت الجهود المدعومة أوروبيًا للتعامل مع حطام السفن الأكثر إعاقة للملاحة. وتشير تقارير إلى أن نحو 200 سفينة يُعتقد أنها لا تزال موجودة في قاع الدانوب قرب براهوفو، بينما تستهدف عمليات الإنقاذ إزالة عدد من الحطام الأكثر خطورة، بعد التعامل مع بعض السفن خلال السنوات السابقة.

 

إيطاليا.. قنبلة تزن 450 كيلوجرامًا تظهر في نهر بو

وفي شمال إيطاليا، كشف الجفاف الشديد الذي ضرب البلاد خلال صيف 2022 عن قنبلة تعود إلى الحرب العالمية الثانية، بعدما انخفض منسوب نهر بو، أطول أنهار البلاد، إلى مستويات غير معتادة.
وعثر صيادون على القنبلة بالقرب من بلدة بورجو فيرجيليو، قرب مدينة مانتوفا، في أواخر يوليو من ذلك العام. وبلغ وزنها نحو 450 كيلوجرامًا، وكانت من تصنيع أمريكي، وظلت مغمورة أو مخفية قرب مجرى النهر لعقود.
وأدى التعامل مع القنبلة إلى تنفيذ عملية أمنية واسعة، إذ أُجلي نحو 3 آلاف شخص من المناطق القريبة قبل أن تتولى فرق متخصصة إبطال مفعولها ونقلها للتخلص منها بصورة آمنة. كما توقفت حركة الملاحة في الجزء المعني من النهر، واتُخذت إجراءات احترازية شملت الطرق وخطوط النقل القريبة.
وأوضحت السلطات الإيطالية آنذاك أن انخفاض منسوب المياه الناتج عن الجفاف هو الذي أتاح ظهور القنبلة. وأظهرت الواقعة أن موجات الجفاف لا تؤثر فقط على الزراعة ومصادر المياه، بل قد تكشف أيضًا عن مخلفات عسكرية خطيرة ظلت بعيدة عن الأنظار لسنوات طويلة.

 

جبال الألب.. ذوبان الجليد يعيد ذخائر الحرب العالمية الأولى

وعلى خلاف ما حدث في الأنهار، يتسبب تراجع الغطاء الجليدي في جبال الألب في كشف مخلفات عسكرية ظلت محفوظة تحت الثلوج والجليد منذ الحرب العالمية الأولى.
وفي أكتوبر 2026، أعلنت تقارير عن استعادة الجيش الإيطالي نحو 250 قطعة من الذخائر والمتفجرات التي ظهرت مع انحسار الجليد في مناطق جبلية بإقليم ترينتينو ألتو أديجي، من بينها مناطق قريبة من متنزه ستيلفيو الوطني. وترتبط هذه الذخائر بما يُعرف تاريخيًا بـ«الحرب البيضاء»، التي دارت بين القوات الإيطالية والنمساوية المجرية في الجبال خلال الفترة من 1915 إلى 1918.
وتشمل المخلفات قذائف مدفعية وذخائر أخرى، بعضها ظل محفوظًا في بيئة جليدية لأكثر من مائة عام. لكن بقاء هذه المواد تحت الجليد لا يعني أنها فقدت قدرتها على الانفجار؛ لذلك تتطلب عملية التعامل معها خبرات متخصصة وإجراءات دقيقة، خاصة في المناطق المرتفعة والوعرة.
ولا تقتصر الاكتشافات في جبال الألب على القذائف، إذ أدى تراجع الجليد سابقًا إلى ظهور ملاجئ عسكرية وكهوف استخدمها الجنود خلال الحرب العالمية الأولى، فضلًا عن أدوات شخصية ومقتنيات يومية تركها الجنود وراءهم. ففي عام 2021، كشفت أعمال بحث في جبل سكوروبيزو بمنطقة ستيلفيو عن ملجأ عسكري كان الجليد قد أخفاه، واحتوى على بقايا من الحياة اليومية للجنود.
وتكشف هذه الاكتشافات جانبًا آخر من آثار ارتفاع درجات الحرارة؛ فالجليد الذي حفظ بعض المواقع العسكرية على مدى قرن، بدأ ينحسر، لتظهر مقتنيات تاريخية ومخلفات خطرة في الوقت نفسه.

 

أوروبا تواجه إرثًا عسكريًا لم ينتهِ بانتهاء الحروب

وتوضح الوقائع في صربيا وإيطاليا أن تغير الظروف البيئية قد يكشف عن مخلفات عسكرية في أماكن لم تكن ظاهرة من قبل. ففي الأنهار، يؤدي الجفاف وانخفاض منسوب المياه إلى ظهور السفن والقنابل الغارقة، بينما يكشف انحسار الأنهار الجليدية في المناطق الجبلية عن ذخائر وملاجئ عسكرية قديمة.

ومع ذلك، من المهم التمييز بين هذه الحالات وبين اكتشافات أخرى تظهر بسبب أعمال الحفر أو البناء أو عمليات إزالة الألغام المعتادة؛ فليس كل ظهور لقنبلة قديمة مرتبطًا بالجفاف أو التغير المناخي.

وتظل المخاطر المرتبطة بهذه المخلفات قائمة حتى بعد مرور عقود على انتهاء الحربين العالميتين. فالسفن الغارقة قد تعوق الملاحة، والذخائر غير المنفجرة قد تهدد السكان والعاملين في المناطق المحيطة، كما قد تفرض عمليات تأمين المواقع وإزالة المتفجرات أعباء مالية ولوجستية على السلطات.

وهكذا، تعيد التغيرات التي تطرأ على الأنهار والجبال فتح ملفات من التاريخ العسكري الأوروبي، وتطرح تحديًا مزدوجًا: حماية السكان والملاحة من المخلفات الخطرة، والتعامل مع الآثار البيئية التي تكشفها موجات الجفاف وذوبان الجليد. فبينما تتراجع المياه والثلوج، تعود إلى السطح بقايا حروب انتهت منذ زمن، لكنها لم تختفِ تمامًا من المشهد الأوروبي.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة