أصبحت عملية القرصنة التي تعرضت لها منصة بينانس Binance عملاق العملات المشفرة، صباح اليوم الجمعة، أكبر عملية سرقة في التاريخ، إذ جرى الاستيلاء على 6.3 مليار دولار عبر هجوم إلكتروني.
وقالت صحيفة "تليجراف" إن "بينانس"، التي تُعد أكبر منصة لتداول العملات المشفرة في العالم، تسارع حالياً لاستعادة الأموال، وقد علّقت عمليات سحب الأموال الخاصة بالمستخدمين في أعقاب الهجوم، الذي أرجع المحللون مسؤوليته إلى قراصنة من كوريا الشمالية.
اختراق حاسوب أحد مهندسي "بينانس"
وفي تفاصيل الهجوم، ذكرت الشركة أن المهاجمين تمكنوا من اختراق حاسوب محمول خاص بأحد المهندسين التقنيين، ما أتاح لهم إجراء عمليات سحب غير مصرح بها. ويُعد هذا الاختراق أكبر بنحو أربع مرات من عملية سرقة منصة "باي بيت" (Bybit) في فبراير 2025، التي بلغت قيمتها 1.5 مليار دولار، وكانت تُعتبر سابقاً الأكبر من نوعها في السجلات.
الجزء الأكبر من السرقة تم خلال 20 دقيقة
وأفادت مجموعة "تي آر إم لابز" (TRM Labs) التحليلية بأن الجزء الأكبر من عملية السرقة تم في غضون 20 دقيقة تقريباً، مشيرة إلى تورط وحدة قرصنة نخبوية من كوريا الشمالية تُعرف باسم "تريدر ترايتر" (TraderTraitor).
وفي المقابل، سارعت "بينانس" إلى طمأنة عملائها، مؤكدة أن أموال المستخدمين في أمان، وأنها ستغطي أي خسائر من احتياطياتها الخاصة. وقال ريتشارد تينج، الرئيس التنفيذي المشارك للمنصة، صباح الجمعة، إن المهاجمين لم يكتفوا باستخدام صلاحيات أحد المهندسين للوصول إلى ودائع العملاء، مؤكداً أن الهجوم لم يكن مجرد عملية "بضغطة زر"، بل كان "أكثر تعقيداً". وكتب تينج على منصة "إكس" (X): "نحن نعمل بشكل وثيق مع جهات إنفاذ القانون لضمان التعامل مع الأمر على النحو الملائم".
يُذكر أن منصة "بينانس" تأسست عام 2017 على يد رجل الأعمال الكندي "تشانج بينج تشاو"، وسرعان ما نمت لتصبح مركزاً عالمياً لتداول العملات المشفرة.
تجميد جزء من الأموال المسروقة
وفي أعقاب الهجوم، قامت جهات إصدار العملات المشفرة "تيثر" (Tether) و"سيركل" (Circle) و"ريبل" (Ripple) و"وورلد ليبرتي فاينانشال" (World Liberty Financial) بتجميد ما قيمته 2.7 مليار دولار تقريباً من العملات المستقرة. ومع ذلك، ذكرت "تي آر إم لابز" أن المهاجمين نجحوا في سرقة 18,270 عملة "بيتكوين" وأكثر من 420,000 عملة "إيثر"، ما جعل هذه الأصول، التي تُقدَّر قيمتها بنحو 2.4 مليار دولار، "خارج نطاق سيطرة أي جهة إصدار".
محللون يشيرون بأصابع الاتهام إلى كوريا الشمالية
وعلى صعيد تحديد المسؤولية، قالت صحيفة "الجارديان" إن محللين عزوا الهجوم إلى قراصنة تدعمهم دولة كوريا الشمالية، مضيفة أن بيونج يانج لديها سجل في تنفيذ عمليات قرصنة تستهدف العملات المشفرة؛ إذ كانت، وفقاً لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، مسؤولة عن سرقة أصول افتراضية بقيمة تقارب 1.5 مليار دولار من منصة لتداول العملات المشفرة في طوكيو العام الماضي، في واقعة كانت تُعدّ آنذاك أكبر عملية سرقة للعملات المشفرة على الإطلاق.
وعلى الجانب الآخر، صرّحت يي هي، الشريكة المؤسسة لـ"بينانس"، بأن المنصة ستعمل على "تغطية جميع الخسائر الناجمة عن الاختراق".
وأكدت يي هي بدورها أن "بينانس" ستتحمل تغطية الخسائر، بينما أضاف متحدث باسم الشركة لاحقاً: "كونوا على ثقة بأن أموال المستخدمين في أمان تام". وتابع المتحدث: "تشير التحقيقات الأولية التي أجرتها ’بينانس‘ إلى أن الحادث الأمني ربما نتج عن اختراق حاسوب محمول خاص بأحد مهندسي العمليات التقنية ، ما سمح للمهاجم بالوصول إلى حاوية خدمة وإجراء عمليات سحب غير مصرح بها"، مضيفاً: "لم نعثر على أي دليل يشير إلى تسريب مفاتيح خاصة لأي محافظ رقمية".
هل يكشف الهجوم هشاشة النظام المالي؟
ونقلت "سكاي نيوز" عن إيزابيلا كامينسكا، المتخصصة في تغطية أخبار قطاع العملات المشفرة، قولها إن الهجوم "يبدو متطوراً للغاية ومُخططاً له بعناية فائقة". وأشارت إلى أن عملية الاختراق هذه تأتي في وقت تتزايد فيه المخاوف من احتمال انكشاف ثغرات سيبرانية جسيمة في النظام المالي، أو استغلالها من قِبل وكلاء يعملون بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأوضحت كامينسكا أن قطاع العملات المشفرة طالما سعى إلى تمييز نفسه عن القطاع المصرفي، من خلال الادعاء بأنه نظام لامركزي ومحصّن ضد الرقابة. لكن الصحفية السابقة في صحيفة "فاينانشال تايمز" أضافت: "الحقيقة -التي كانت قائمة دائماً- هي أن الغالبية العظمى من منصات العملات المشفرة، بل وحتى بعض الأصول ذاتها، تتسم بهيكلية مركزية لا تختلف عن تلك الموجودة في المنصات المصرفية التقليدية".