لم يعد السؤال في لشبونة وبوينس آيرس متعلقًا بعدد الأهداف التي يمكن تعويضها أو بعدد الألقاب التي يمكن الفوز بها بعد رحيل اثنين من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. السؤال الحقيقي أصبح اقتصاديًا وتسويقيًا: ماذا يحدث عندما يغادر كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي المشهد الدولي، ومعهما جزء من القوة الناعمة التي ساهمت لعقدين في الترويج لبلديهما ومنتخبيهما حول العالم؟
فبينما تستعد البرتغال لمرحلة ما بعد رونالدو، تدخل الأرجنتين بدورها عصر ما بعد ميسي، وسط تحذيرات وتحليلات تتحدث عن تحديات تتجاوز المستطيل الأخضر إلى عالم الرعاية والإعلانات والعلامات التجارية والسياحة والتأثير العالمي.
ما قبل رونالدو وما بعده
في البرتغال، بدأت الصحافة المحلية تتحدث صراحة عن «ما قبل رونالدو وما بعده». ونقلت وسائل إعلام برتغالية عن خبراء تسويق ورياضيين أن القيمة المالية والتجارية للاتحاد البرتغالي لكرة القدم ستتأثر بغياب اللاعب الذي تحول خلال العقدين الماضيين إلى أشهر وجه برتغالي على مستوى العالم، وأحد أهم أدوات الترويج للبلاد خارج حدودها، كما أشارت التحليلات إلى أن رونالدو لم يكن مجرد نجم للمنتخب، بل علامة تجارية عالمية ارتبطت باسم البرتغال وساهمت في تعزيز حضورها الدولي وجذب الاهتمام السياحي والاستثماري والإعلامي.
ويؤكد خبراء التسويق أن القيمة التي منحها رونالدو للبرتغال يصعب قياسها بالأرقام فقط، لأن تأثيره امتد إلى ما هو أبعد من عقود الرعاية أو مبيعات القمصان. فقد تحول اللاعب إلى سفير عالمي غير رسمي للبلاد، وأصبح اسمه مرتبطًا بالبرتغال في الأسواق الدولية بقدر ارتباطه بكرة القدم.
ميسى لم يكن فقط رمزا رياضيا بل طفرة تجارية
أما في الأرجنتين، فإن الصورة تبدو مختلفة قليلًا لكنها لا تقل أهمية. فميسي لم يكن فقط رمزًا رياضيًا، بل كان المحرك الرئيسي لأكبر طفرة تجارية شهدها الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم في تاريخه الحديث. ووفق تقرير «AFA Marca Global»، ارتفع عدد الرعاة المرتبطين بالمنتخب الأرجنتيني من خمسة فقط عام 2017 إلى أكثر من مئة راعٍ في عام 2026، في قفزة تضاعفت بنحو عشرين مرة خلال أقل من عقد.
ويشير التقرير نفسه إلى أن الفترة الممتدة بين 2021 و2026، والتي شهدت التتويج بكوبا أمريكا وكأس العالم وفيناليسيما، تزامنت مع ما وصفه الاتحاد الأرجنتيني بـ«عصر ميسي». وخلال تلك السنوات ارتفع عدد الرعاة من 34 إلى أكثر من 100 راعٍ، أي ما يعادل ثلثي النمو التجاري الذي حققه الاتحاد خلال العقد بأكمله.
هذا النمو لم يكن مجرد أرقام على الورق. فالأرجنتين تحولت إلى منصة تسويقية عالمية جذبت شركات دولية كبرى وعقود رعاية في أسواق جديدة من آسيا إلى الشرق الأوسط وأمريكا الشمالية. كما واصل الاتحاد توقيع اتفاقيات تجارية وتراخيص دولية جديدة مستفيدًا من الزخم الذي صنعه المنتخب بقيادة ميسي.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تبدأ الشركات الراعية التفكير مبكرًا في مرحلة ما بعد ميسي. فقد تحدثت تقارير اقتصادية في الأرجنتين عن مساعي الرعاة إلى الحفاظ على «تأثير ميسي» واستثماره لسنوات مقبلة، بعدما رفع النجم الأرجنتيني القيمة التجارية للارتباط بالمنتخب إلى مستويات غير مسبوقة.
رغم التشابه بين الحالتين فإن هناك فارقًا مهمًا بين البرتغال والأرجنتين
ورغم التشابه بين الحالتين إلا أن هناك فارقا بين البرتغال والأرجنتين ، حيث أنه فى الحالة البرتغالية، يرتبط الحديث أساسًا بصورة الدولة وعلامتها التجارية العالمية. رونالدو كان يمثل بالنسبة لكثيرين أول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر البرتغال، ما جعله أداة دعائية استثنائية يصعب استبدالها.
أما في الحالة الأرجنتينية، فإن التأثير الأكبر يتركز داخل المنظومة التجارية للمنتخب نفسه. فقد نجح ميسي، بالتوازي مع الإنجازات الرياضية، في تحويل المنتخب الأرجنتيني إلى واحدة من أقوى العلامات التجارية في كرة القدم العالمية، وجذب عشرات الشركات إلى الاستثمار في هذه العلامة.
لكن على الرغم من هذه المخاوف، لا يتوقع الخبراء أن يؤدي رحيل النجمين إلى أزمات اقتصادية مباشرة في البلدين. فاقتصاد البرتغال لا يعتمد على رونالدو وحده، كما أن الاقتصاد الأرجنتيني أكبر بكثير من تأثير لاعب كرة قدم مهما بلغت شعبيته. غير أن الخسارة الحقيقية ستكون في ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد الصورة»؛ ذلك النوع من القيمة الذي يصعب قياسه بالأرقام لكنه ينعكس على السياحة والاستثمار والرعاية والانتشار الإعلامي.
ولهذا تبدو السنوات المقبلة بمثابة اختبار حقيقي للاتحادين البرتغالي والأرجنتيني. فالعالم اعتاد لعقدين تقريبًا أن يرى البرتغال من خلال رونالدو، والأرجنتين من خلال ميسي. ومع اقتراب إغلاق هذين الفصلين التاريخيين، تبدأ رحلة جديدة عنوانها البحث عن نجوم جدد، ولكن أيضًا عن نموذج اقتصادي وتسويقي قادر على الحفاظ على الإرث الذي تركه اثنان من أعظم الأسماء في تاريخ الرياضة.
وبينما يمكن العثور على مهاجم جديد أو صانع ألعاب جديد، يبقى السؤال الأصعب: هل تستطيع البرتغال والأرجنتين تعويض القيمة العالمية التي منحها رونالدو وميسي لعلامتيهما التجاريتين؟ أم أن عصرًا كاملًا من الدعاية المجانية والنفوذ الرياضي يقترب من نهايته؟.