في كل ذكرى لقرار حل جماعة الإخوان الإرهابية، تتجدد الحقائق الدامغة التي تكشف النوايا الخبيثة لهذا التنظيم الظلامي منذ نشأته، وكيف كان يسعى بكل قوة للسطو على مقدرات المجتمع المصري وفرض وصايته على حريات المواطنين، وفي مقدمتهم المرأة المصرية، وتظل الواقعة الشهيرة التي وثقها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر شاهدا تاريخيا صارخا على محاولات الجماعة الإرهابية لمصادرة حريات المصريين وفرض أفكارها المتطرفة بالقوة والإكراه.
في خمسينيات القرن الماضي، وفي أوج الصراع بين الدولة المصرية والتنظيم الإرهابي، جاء الحوار الشهير بين عبد الناصر والمرشد العام للجماعة الإرهابية حسن الهضيبي ليفتح أولى صفحات المواجهة الفكرية والاجتماعية، حيث طالب الهضيبي بفرض الحجاب إجباريا على جميع نساء مصر وكأن الجماعة الإرهابية تنصب نفسها وصية على أجساد ورغبات المصريات.
رد عبد الناصر يومها يفحم زيفهم ويرسخ ثوابت الحريات الفردية، حين قال للمرشد إنه لا يستطيع إقناع ابنته نفسها بارتدائه، ليطلق أحد الحاضرين جملته الساخرة الخالدة التي نسفت أوهام التنظيم بفرض السيطرة على حقوق المصريين:«خليه يلبسها هو».
«خليه يلبسها هو».. صفعة ساطعة على وجه التشدد والوصاية
لم تكن العبارة مجرد تهكم عابر بل كانت صفعة واضحة وصريحة في وجه مشروع ظلامي أراد تحويل الرأي المتطرف إلى قسر وإلزام عام، لقد كشفت الحادثة حقيقة المشروع الإخواني الخبيث: تنظيم تسلطي لا يعترف بالمواطنة ولا بالحرية الشخصية، بل يسعى لتكبيل المجتمع بالأغلال، واختزال الدين في صورة فرض ونفوذ وتدخل سافر في الحياة الخاصة للمواطنين.
فحقيقة الصراع بين الدولة والتنظيم الإرهابي لم تكن يوما على الدين أو العقيدة، بل كانت مواجهة بين دولة ترعى الحريات وتصون كرامة أبنائها، وبين جماعة متطرفة اتخذت من الدين عباءة للوصول إلى السلطة وقمع المجتمع.
الهجوم على المرأة.. استراتيجية إخوانية لتقزيم المجتمع
تاريخ الجماعة الإرهابية حافل بالمحاولات المستمرة لتحجيم دور المرأة المصرية، واستهداف مكتسباتها في التعليم والعمل والمشاركة السياسية، فالإخوان لم يروا في المرأة سوى أداة للتهميش ومساحة لممارسة القمع والتسلط فقد حاول التنظيم تحويل الاختيارات الشخصية والممارسات الدينية الفردية إلى قوانين قسرية، ملغيا عقيدة الاختيار الحر، كما سعى التنظيم دوما لحظر مشاركة المرأة في العمل والمجال العام، ومصادرة حريتها في تقرير مصيرها، وحاول اتخاذ التدين الظاهري ذريعة لفرض نفوذ سياسي وتسلط اجتماعي لا يخدم سوى أجندة التنظيم السرية.
قرار الحل عام 1954.. البداية الكاشفة لوجه الإرهاب
لم تكن مطالبات الهضيبي المتشددة سوى القشرة السطحية لما خفي تحت العباءة الإخوانية فالخلاف لم يكن فكريا أو اجتماعيا فحسب، بل كان تصادما مع تنظيم سري إرهابي يضمر الشر للمجتمع والدولة، وبحلول عام 1954، وعقب محاولة اغتيال عبد الناصر الفاشلة في حادث المنشية الشهير، اتخذت الدولة القرار التاريخي والحاسم بحل الجماعة الإرهابية وتفكيك بنيتها التحتية، وتكشف ذكرى الحل أن الدولة المصرية استشعرت مبكرا الخطورة الداهية لهذا التنظيم، الذي لم يتورع عن استخدام السلاح والمؤامرات للسيطرة على مقاليد الحكم وفرض وصايته بالقوة.
ذكرى الحل.. انتصار الحرية وسقوط مشروع الوصاية
تأتي ذكرى حل الجماعة الإرهابية لتذكر المصريين دائما بأهمية حماية دولتهم الوطنية، والتصدي لأي محاولات لإعادة إحيائه أو السماح بفرض الوصاية الفكرية على المجتمع، وتظل المرأة المصرية اليوم أكثر قوة ووعيا، متسلحة بمكتسباتها ومستندة إلى دولة ترعى حقوقها وتصون حريتها، ليظل رد عبد الناصر وتهكم الحاضرين «خليه يلبسها هو» رمزا حسيا لسقوط مشروع الفاشية الدينية أمام وعي الشعب المصري وقوة مؤسساته الوطنية.