. 122 ألف أوزبكي زاروا مصر في 2025 .. ونتطلع لزيادة السياحة المتبادلة
. زيادة الإقبال تعكس الاهتمام المتزايد بمقاصد مصر السياحية
. الأهرامات والأقصر والبحر الأحمر تجذب السياح الأوزبك
. المتحف المصرى الكبير فرصة لتعريف العالم بحضارة مصر.. ويمكن تبادل الخبرات مع متحف الحضارة الإسلامية
مهندس «مقياس النيل» أحمد الفرغاني أبرز أمثلة التعاون بيننا
ترتبط مصر وأوزبكستان بعلاقات تاريخية وثقافية ممتدة لقرون، شهدت تطورًا ملحوظًا منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في يناير 1992، وصولًا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة في فبراير 2023، خلال الزيارة الرسمية للرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف إلى القاهرة ولقائه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وأسهم الحوار الوثيق القائم على الثقة المتبادلة بين الرئيسين في تعزيز التعاون الثنائي في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية والعلمية والسياحية، في ظل توافق الرؤى بشأن قضايا الأمن الإقليمي والعالمي، ودعم التنمية المستدامة والحوار بين الحضارات.
وفي حوار خاص لـ«اليوم السابع»، يستعرض سفير أوزبكستان لدى مصر، منصور بيك كيليتشيف، أبرز محطات العلاقات بين القاهرة وطشقند، وأولويات الشراكة خلال المرحلة المقبلة، وفرص تعزيز التعاون الاقتصادي والسياحي والتعليمي، ودور الأزهر الشريف في دعم الروابط الدينية والعلمية.
وإلى نص الحوار :
كيف تقيّمون العلاقات المصرية الأوزبكية في الوقت الراهن؟ وما أبرز أولويات التعاون والزيارات المتبادلة خلال المرحلة المقبلة؟
تشهد العلاقات بين مصر وأوزبكستان تطورًا إيجابيًا وديناميكيًا، وترتكز على الاحترام المتبادل والثقة السياسية والروابط التاريخية والثقافية التي تجمع الشعبين. وتتمتع مصر بمكانة خاصة لدى أوزبكستان، إذ كانت أول دولة عربية تعترف باستقلالها في 26 ديسمبر 1991، فيما أُقيمت العلاقات الدبلوماسية رسميًا بين البلدين في 23 يناير 1992.
وفي إطار تعزيز العلاقات الثنائية، زار وزير خارجية أوزبكستان، بختيار سعيدوف، القاهرة في 13 يونيو 2026، حيث عقد لقاءات مع الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية. وتناولت المباحثات سبل تطوير الحوار السياسي، وزيادة التبادل التجاري والاستثمارات، وتعزيز التعاون في الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية، إلى جانب بحث فرص إطلاق مشروعات مشتركة وتوسيع الروابط الثقافية والإنسانية، فضلًا عن تبادل وجهات النظر بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
كما اتفق الجانبان على برنامج للتعاون بين وزارتي الخارجية للفترة من 2026 إلى 2028، إلى جانب مذكرة تفاهم بين المؤسسات البحثية المعنية بالسياسة الخارجية، بما يسهم في تعزيز التنسيق وتبادل الخبرات والتحليلات بشأن التطورات الدولية.
وتشمل أولويات التعاون الاقتصادي قطاعات الصناعة والأدوية والمنسوجات والصناعات الغذائية والإنشاءات والبنية التحتية والطاقة. كما نولي اهتمامًا خاصًا بالتعاون الزراعي والأمن الغذائي، بما في ذلك إنتاج البذور، وترشيد استخدام المياه، وتطوير الثروة الحيوانية والخدمات البيطرية والبحوث الزراعية، وهي موضوعات شهدت مباحثات خلال سبتمبر 2026.
ويمثل التعاون في إدارة الموارد المائية والتكيف مع تغير المناخ مجالًا واعدًا، خاصة فيما يتعلق بالإدارة الرقمية للمياه والري الذكي واستخدام الذكاء الاصطناعي. ونتطلع كذلك إلى توسيع التعاون السياحي وتحسين الربط الجوي، وتعزيز الشراكات في التعليم والشؤون الدينية والثقافة، بما يشمل التعاون مع الأزهر الشريف وتبادل المخطوطات والخبرات العلمية.
أما الزيارات رفيعة المستوى، فإن الجانبين يحرصان على استمرارها، وسيُعلن عن أي زيارات جديدة بمجرد الاتفاق على مواعيدها وبرامجها الرسمية. ونؤمن بأن التواصل المستمر بين المسؤولين يتيح فرصًا أوسع لترجمة التفاهم السياسي إلى مشروعات عملية تعود بالنفع على البلدين.
كيف يمكن تعزيز الروابط التاريخية والثقافية والدينية بين البلدين؟ وما الدور الذي يمكن أن يؤديه الأزهر الشريف في هذا الإطار؟
تستند العلاقات المصرية الأوزبكية إلى تاريخ طويل من التفاعل الحضاري والعلمي والتجاري والديني. وتوجد شواهد عديدة على هذه الروابط، من بينها إسهامات العالم أحمد الفرغاني في مصر، وارتباط اسمه بـ مقياس النيل في جزيرة الروضة بالقاهرة، فضلًا عن مسجد أحمد بن طولون، الذي أسسه أحمد بن طولون، المنحدر من أصول تعود إلى آسيا الوسطى. كما تعكس منطقة الأزبكية جانبًا من الحضور التاريخي لشخصيات من أصول أوزبكية في مصر.
ونرى فرصًا كبيرة لتطوير هذا الإرث المشترك من خلال دعم البحوث التاريخية والأثرية المشتركة، وتبادل الباحثين والطلاب وخبراء المتاحف، وترجمة المخطوطات، وإنتاج الأفلام الوثائقية وتنظيم المعارض التي تسلط الضوء على الروابط بين الحضارتين. ويمكن للجامعات والمؤسسات الثقافية والدينية في البلدين أن تؤدي دورًا مهمًا في تعريف الأجيال الجديدة بهذا التاريخ، وتطوير مسارات للسياحة التراثية والدينية.
ويحظى الأزهر الشريف بمكانة رفيعة في أوزبكستان، باعتباره مؤسسة إسلامية عالمية ذات إسهام بارز في نشر قيم الاعتدال والتسامح والحوار. ونعتبر التعاون معه فرصة لتعزيز التبادل الأكاديمي والديني، ودعم دراسة التراث الإسلامي، ومواجهة الفكر المتطرف من خلال المعرفة والتعليم والتفاهم بين الثقافات.
وخلال المشاورات التي أجراها الوفد الأوزبكي في أبريل 2026، أعرب فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، عن استعداده للتعاون بشأن إنشاء مركز للإمام البخاري داخل الأزهر، بالتنسيق مع المؤسسات الأكاديمية الأوزبكية. وتمثل هذه الفكرة فرصة مهمة لتعميق التعاون في دراسة التراث الإسلامي وإبراز إسهامات العلماء الذين تركوا أثرًا كبيرًا في الفكر الإسلامي.
ويتطلب المضي قدمًا في هذا المسار وضع خريطة طريق واضحة، وتشكيل فريق عمل مشترك، وإعداد مذكرة تفاهم شاملة تحدد مجالات التعاون وآليات تنفيذه. ونأمل أن يسهم هذا التعاون في تعزيز التبادل العلمي، وتيسير التواصل بين الباحثين والطلاب، وإتاحة فرص أوسع لدراسة التراث الإسلامي المشترك.
ما فرص التعاون بين المتحف المصري الكبير ومركز الحضارة الإسلامية في طشقند؟ وكيف يمكن الاستفادة منهما في تعزيز السياحة المتبادلة؟
يمثل المتحف المصري الكبير، الواقع بالقرب من أهرامات الجيزة، أحد أبرز المشروعات الثقافية والحضارية في مصر، ويضم المجموعة الكاملة لمقتنيات الملك توت عنخ آمون، إلى جانب نحو 100 ألف قطعة أثرية تغطي قرابة سبعة آلاف عام من التاريخ المصري. ويتيح المتحف فرصة استثنائية للتعريف بالحضارة المصرية وإسهاماتها الإنسانية، كما يمثل عنصر جذب مهمًا للسياحة الثقافية.
وفي المقابل، افتُتح مركز الحضارة الإسلامية في طشقند رسميًا في مارس 2026، ليكون مؤسسة متكاملة تجمع بين المتحف والمكتبة والأنشطة العلمية والتعليمية. ويقدم المركز سردًا تاريخيًا يمتد من الفترات السابقة لظهور الإسلام، مرورًا بازدهار العلوم في القرون من التاسع إلى الثالث عشر، وصولًا إلى النهضة التيمورية وأوزبكستان المعاصرة.
ويضم المركز قاعة مخصصة للقرآن الكريم تحتوي على المصحف العثماني التاريخي، إلى جانب مكتبة تضم أكثر من 2500 مخطوطة ومطبوع حجري، ونحو 40 ألف منشور مطبوع، وأكثر من 350 ألف مادة إلكترونية. وتمثل هذه المقتنيات مصدرًا مهمًا للباحثين والمهتمين بتاريخ الحضارة الإسلامية.
ونرى أن التعاون بين المؤسستين يمكن أن يشمل تبادل الخبرات في المتاحف وصون الآثار وترميمها، وتنظيم معارض مشتركة، وتطوير مشروعات رقمنة المقتنيات، وعقد المؤتمرات العلمية، وتبادل خبرات علماء المصريات والمتخصصين في الدراسات الإسلامية والتاريخ. كما يمكن التعاون في إعداد برامج تعليمية تستهدف الشباب، وتطوير حملات سياحية مشتركة تسلط الضوء على التراث الحضاري في البلدين.
أما على صعيد السياحة، فقد زار مصر نحو 122.2 ألف مواطن أوزبكي خلال عام 2025، فيما بلغ العدد نحو 83.4 ألف زائر خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2026. ويعكس هذا الإقبال اهتمامًا متزايدًا بمصر، خاصة المقاصد السياحية الترفيهية والثقافية، ومنها منتجعات البحر الأحمر والأهرامات والقاهرة والأقصر والإسكندرية.
وفي الوقت نفسه، نرغب في تشجيع المزيد من المصريين على زيارة أوزبكستان، والتعرف على مدنها التاريخية، وفي مقدمتها سمرقند وبخارى وخيوة وطشقند، وزيارة المواقع المرتبطة بعلماء ومفكرين مسلمين تركوا بصمة بارزة في التاريخ الإسلامي.
ولتحقيق ذلك، نحتاج إلى توسيع الربط الجوي وتوفير خيارات سفر مناسبة، وتطوير حملات ترويجية باللغتين العربية والأوزبكية، وإعداد برامج سياحية متنوعة تناسب العائلات والمهتمين بالثقافة والتراث والسياحة الدينية. كما يمكن تعزيز الشراكة بين شركات السياحة ومنظمي الرحلات، وتنظيم زيارات تعريفية للصحفيين والمدونين وممثلي الشركات السياحية، إلى جانب المشاركة في المعارض والمهرجانات السياحية.
ومن المهم أيضًا تحسين المعلومات السياحية المتاحة باللغة العربية في أوزبكستان، وتطوير الخدمات اللغوية التي يحتاج إليها الزوار الأوزبك في مصر. ويمكن أن يسهم التعاون في مجالات التعليم والشباب والحرف التقليدية في توسيع نطاق السياحة لتتجاوز الزيارات الترفيهية إلى تجارب ثقافية وإنسانية أعمق. فالسياحة ليست نشاطًا اقتصاديًا فحسب، بل وسيلة فعالة لتعزيز التواصل بين الشعوب وبناء التفاهم المتبادل.
كيف تصفون الجذور التاريخية للعلاقات بين مصر وأوزبكستان، وما أبرز المحطات التي تعكس عمق هذه الروابط؟
ترتبط مصر وأوزبكستان بعلاقات تاريخية وثقافية ودينية وتجارية تمتد إلى قرون، وأسهمت طرق التجارة القديمة، وفي مقدمتها طريق الحرير، في انتقال السلع والأفكار والمعارف بين مناطق آسيا الوسطى ومصر. وتقدم الشواهد التاريخية والأثرية دليلًا على هذا التواصل، الذي لم يقتصر على التجارة، بل شمل العلم والدين والثقافة أيضًا.
ومن أبرز الأسماء المرتبطة بهذا التاريخ العالم أحمد الفرغاني، الذي ترك إسهامًا مهمًا في مصر من خلال مقياس النيل الذي أُنشئ في جزيرة الروضة عام 861. وفي عام 2007، أُقيم نصب تذكاري بالقرب من الموقع بمبادرة من الرئيس الأوزبكي الراحل إسلام كريموف، في إشارة إلى الاعتزاز بالإرث العلمي المشترك.
وتظهر الروابط التاريخية كذلك في منطقة الأزبكية بالقاهرة، التي ارتبط اسمها بالأمير سيف الدين أوزبك اليوسفي، بعدما منحه السلطان المملوكي قايتباي مساحة من الأرض بلغت نحو 60 فدانًا. ومع مرور الوقت، تطورت المنطقة لتصبح من أحياء القاهرة المعروفة بحلول أواخر القرن الخامس عشر.
ومن الشخصيات البارزة أيضًا السلطان سيف الدين قطز، الذي حكم مصر بين عامي 1259 و1260، وارتبط اسمه بانتصار عين جالوت عام 1260، الذي شكل محطة مهمة في التاريخ الإسلامي. كما شهدت فترات المماليك والعثمانيين انتقال أفراد وجماعات من آسيا الوسطى إلى مصر، وأسهموا في الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية.
وخلال الحقبة السوفيتية، استمرت بعض أشكال التواصل بين مصر وأوزبكستان، إذ عمل مترجمون وخبراء أوزبك في مصر خلال ستينيات القرن العشرين، كما درس نحو 200 طالب مصري في الجامعات الأوزبكية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وشارك خبراء أوزبك ضمن فرق سوفيتية في مشروعات مرتبطة ببناء السد العالي في أسوان.
وقد شكل استقلال أوزبكستان نقطة تحول في العلاقات الحديثة، حيث اعترفت مصر باستقلالها في 26 ديسمبر 1991، وأُقيمت العلاقات الدبلوماسية رسميًا في 23 يناير 1992. ومنذ ذلك الوقت، عمل البلدان على تطوير التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي، مستندين إلى رصيد تاريخي مشترك وإرادة لتعزيز الشراكة في المجالات التي تخدم مصالح الشعبين.