كشفت ممارسات جماعة الإخوان الإرهابية عن تناقضات جوهرية بين الصورة التي سعت إلى ترسيخها لنفسها باعتبارها «الصفوة الطاهرة» التي تحتكر الحديث باسم الدين والأخلاق، وبين الاتهامات والممارسات المرتبطة بمسيرتها السياسية والتنظيمية، بما أعاد طرح التساؤلات حول حقيقة الشعارات التي استخدمتها الجماعة لتقديم قياداتها باعتبارهم نموذجًا للالتزام الأخلاقي.
واعتمدت الجماعة على خطاب يقوم على تقديم أعضائها باعتبارهم الأكثر التزامًا بالقيم الدينية والأخلاقية، في محاولة لاكتساب الثقة والتأثير في قطاعات من المجتمع، إلا أن هذا الخطاب اصطدم بانتقادات واسعة لممارساتها ومواقف قياداتها، فضلًا عن التناقض بين الشعارات المعلنة والسلوك السياسي والتنظيمي.
وتبرز خطورة هذه السردية في محاولتها استخدام الدين والأخلاق باعتبارهما وسيلة لمنح الجماعة حصانة معنوية، وتصوير الخلاف معها باعتباره خلافًا مع القيم الدينية ذاتها، وهو ما يخلط بين الدين بوصفه منظومة من المبادئ الأخلاقية، وبين تنظيم سياسي يسعى إلى تحقيق أهدافه ومصالحه.
كما أن تقديم القيادات باعتبارها نماذج أخلاقية لا يجوز انتقادها يفتح الباب أمام تبرير الأخطاء وتجنب المساءلة، بدلًا من إخضاع المواقف والممارسات لمعايير واضحة تقوم على المسؤولية والشفافية واحترام حقوق المواطنين.
ويؤكد هذا التناقض أن الشعارات الأخلاقية لا تكفي وحدها لإثبات النزاهة أو اكتساب ثقة المجتمع، وأن تقييم أي جماعة أو تنظيم يجب أن يستند إلى ممارساته الفعلية ومواقفه من القانون وحقوق المواطنين، بعيدًا عن محاولات احتكار الدين أو ادعاء التفوق الأخلاقي على الآخرين.
ومع تراجع مصداقية خطاب «الصفوة الطاهرة» أمام الانتقادات الموجهة إلى الجماعة وممارساتها، تتأكد أهمية الفصل بين القيم الدينية التي تحظى باحترام المجتمع، وبين توظيف هذه القيم في الصراع السياسي، بما يضمن عدم تحويل الدين إلى أداة تمنح أي تنظيم حصانة من النقد أو المساءلة.
قال طارق البشبيشي، الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية والمنشق عن جماعة الإخوان، إن الصورة التي حاولت جماعة الإخوان الإرهابية تسويقها لنفسها باعتبارها «الصفوة الطاهرة» التي تحتكر الالتزام الديني والأخلاقي، سقطت أمام التناقضات التي كشفتها ممارسات الجماعة وقياداتها، مؤكدًا أن الشعارات الدينية لم تكن كافية لإخفاء حقيقة الأهداف السياسية والتنظيمية التي سعت الجماعة إلى تحقيقها.
وأضاف البشبيشي أن جماعة الإخوان الإرهابية اعتمدت لسنوات على صناعة صورة ذهنية لقياداتها باعتبارهم نماذج أخلاقية تتجاوز النقد والمساءلة، واستخدمت الخطاب الديني لاستقطاب المواطنين وتعزيز نفوذها، وتصوير الخلاف معها باعتباره خروجًا على القيم والمبادئ، في محاولة لفرض وصاية فكرية وأخلاقية على المجتمع.
وأوضح أن أخطر ما في هذه السردية هو توظيف الدين لمنح التنظيم حصانة معنوية، بما يسمح بتبرير المواقف والقرارات التنظيمية، والتقليل من خطورة الممارسات التي تتعارض مع الشعارات المعلنة، مشيرًا إلى أن المعيار الحقيقي لأي جماعة لا يرتبط بما ترفعه من شعارات، وإنما بما تتخذه من مواقف وما تتحمله من مسؤولية تجاه المجتمع.
وأشار البشبيشي إلى أن التناقض بين ادعاءات الطهر الأخلاقي والممارسات المنسوبة إلى الجماعة وقياداتها يكشف زيف محاولة احتكار الحديث باسم الدين، لافتًا إلى أن الاختلاف السياسي لا يجوز تحويله إلى أداة لتصنيف المواطنين أخلاقيًا أو التشكيك في التزامهم الديني لمجرد رفضهم أفكار التنظيم أو سياساته.
وأكد أن سقوط سردية «الصفوة الطاهرة» يعيد التأكيد على أن الدين ليس ملكًا لتنظيم سياسي، وأن القيم الأخلاقية لا يمكن احتكارها أو استخدامها لتبرير المصالح التنظيمية، مشددًا على أهمية الوعي المجتمعي في كشف التناقضات بين الخطاب والممارسة، وإخضاع جميع التنظيمات والقيادات لمعايير النقد والمساءلة دون استثناء.