تُمثل التربية العقائدية داخل تنظيم الإخوان الإرهابي أحد أخطر روافد الفكر المتطرف في التاريخ الحديث؛ إذ لم تكن الجماعة منذ نشأتها الأولى على يد حسن البنا مجرد تنظيم سياسي ينافس على السلطة، بل أُسست كحركة شمولية تدعي احتكار الحقيقة والتعبير الحصري عن الدين.
وتعمقت هذه العقيدة وقامت على تقسيم حاد ومباشر للمجتمع إلى فرقتين، فرقة تضم أعضاء التنظيم وقياداته، وفريق يشمل بقية أفراد الشعب المصري بكافة أطيافه ومؤسساته، هذا التقسيم العقائدي والمفاهيمي لم يكن مجرد اختلاف فكري أو تنظيري يدرس داخل الأسر الإخوانية، بل صُمم ليكون أداة تربوية ممنهجة تُغرس في عقول الأتباع منذ انضمامهم، لإقناعهم المستمر بأنهم "الفرقة الناجية" و"صفوة الخلق" المعصومة، وأن كل من هم خارج التنظيم يعيشون في جاهلية حديثة تتطلب التغيير القسري أو التقويم أو المواجهة المسلحة.
ونتج عن هذا الشحن العقائدي الممنهج حالة من الاستعلاء الإيماني والنفسي لدى عناصر الجماعة، حيث ألغت هذه التربية المسارات العقلانية والضمير الوطني لدى الأتباع، وبدلاً من ذلك، برر أتباع الجماعة لأنفسهم ممارسة العنف والترويع وإراقة الدماء ضد أبناء الوطن، باعتبارهم خوارج عن الحق، أو مرتدين، أو أعداءً للمشروع الإلهي المزعوم الذي تدعي الجماعة تمثيله.
ولم تتوقف عمليات الشحن والتعبئة الأيديولوجية عند حدود المفهوم النظري داخل الغرف المغلقة، بل تحولت بسرعة إلى سلوك إجرامي وعملي مباشر شهدته مصر في محطات تاريخية متتالية، فقد انعكست عقيدة "الفرقة الناجية" في استرخاص أرواح المصريين والاعتداء المباشر على مؤسسات الدولة، حيث اعتبر التنظيم الإرهابي أن كل مواطن أو مسؤول يقف ضد مخططاته السياسية والتوسعية هو هدف مشروع للتصفية الجسدية أو التكفير والتخوين.
وشهدت البلاد عبر تاريخها مع الجماعة موجات متتالية من الإرهاب الأسود الذي استهدف رجال الجيش والشرطة والمدنيين على حد سواء، بدءاً من العمليات التاريخية للنظام الخاص للتنظيم، وصولاً إلى الاغتيالات الحديثة للشخصيات العامة والقضاة، والتفجيرات العشوائية في وسائل النقل والميادين العامة والكنائس والمنشآت الحيوية، وإن هذا السلوك الإجرامي ينبع مباشرة من القناعة الراسخة لدى أتباع الجماعة بأنهم "أوصياء الله في الأرض"، وأن دماء وأموال ومؤسسات المجتمع الذي لا يخضع لأفكارهم هي استباحة مشروعة ومستباحة لخدمة أهداف الجماعة العليا وبقاء التنظيم.
كما تجلت خطورة هذه التربية الاستعلائية في محاولات الجماعة الإرهابية المستمرة لسحق الهوية الوطنية المصرية والتنكر لمفهوم الوطن، واستبدال ذلك بالولاء العابر للحدود للتنظيم الدولي، فالمواطن في أدبيات الإخوان ليس شريكاً في الوطن له حقوق وعليه واجبات، بل إما أداة مسلوبة الإرادة يتم استغلالها للوصول إلى التمكين والسلطة، أو غريم وعدو ينبغي إخضاعه وسحقه إن خالف الجماعة.
وخلال الأزمات الوطنية التي مرت بها مصر، أثبتت الوقائع الميدانية والجرائم التي نفذتها عناصر الجماعة الإرهابية، مثل استهداف المدارس ومحطات الكهرباء والمؤسسات الحيوية، أن الجماعة لا ترى في المجتمع المصري سوى كتلة من الخصوم الذين يجب تدمير مقدراتهم.
إن استغلال شعار "الفرقة الناجية" مكن قيادات الإخوان من مسخ عقول عناصرهم الشابة وتحويلهم إلى أدوات صماء لتنفيذ المخططات الإجرامية والتفجيرات واستهداف الأبرياء، بعد تجريدهم التام من أي انتماء وطني أو حس إنساني.
ويؤكد هذا السلوك أن وهم الاستعلاء والتكفير هو المحرك الأساسي والدينامو الموجه لجميع أعمال العنف والتخريب التي ارتكبتها جماعة الإخوان الإرهابية ضد الدولة المصرية والشعب المصري، وأن تصوير الجماعة لنفسها باعتبارها الحارس الوحيد للدين والمحتكر المطلق للحقيقة والفضيلة لم يكن سوى غطاء أيديولوجي ومظلة زائفة لممارسة الاستبداد والوصاية والسعي الحثيث للتمكين الحزبي الضيق على حساب مصالح الوطن.
وأثبتت التضحيات الجسام التي قدمها الشعب المصري ومؤسساته الوطنية الاصيلة أن هذا الفكر المنحرف والمستعلي لا مكان له في أرض الكنانة، وأن وعي المصريين بجميع أطيافهم ومكوناتهم قد أسقط مشروع "الفرقة الناجية" المزيف، كاشفاً عن الوجه الإجرامي الفاشي لتنظيم جعل من العقيدة والدين وسيلة لترويع الآمنين وهدم الأوطان وتمزيق النسيج المجتمعي، وأن التاريخ سيسجل أن وحدة الشعب المصري ووعيه الذاتي هما الحصن المنيع الذي تحطمت عليه كافة مخططات الاستعلاء الإخواني والتكفير المنظم.