مع انتخابات الكنيست الإسرائيلى تتجه الأنظار إلى خريطة جغرافية تكشف عن تحديات تتجاوز استطلاعات الرأي العامة، فمن كريات شمونة على الحدود اللبنانية إلى مستوطنات غلاف غزة، تبرز مؤشرات استياء من إدارة الحروب وتداعياتها، بعضها داخل مناطق اعتادت دعم حزب الليكود، بينما تواصل تل أبيب تمثيل أحد أبرز مراكز المعارضة السياسية لرئيس الوزراء.
ولا تعني هذه التحولات بالضرورة انتقال الأصوات إلى المعارضة؛ إذ قد يستفيد منها منافسون لنتنياهو داخل اليمين نفسه، لكن أهميتها تكمن في أنها تضع ولاء بعض معاقله التقليدية أمام اختبار، في انتخابات تتقارب فيها حسابات المعسكرات السياسية.
كريات شمونة.. الغضب يصل إلى معاقل الليكود
تبدو كريات شمونة، القريبة من حدود لبنان، واحدة من أبرز المناطق التي تعكس هذه المفارقة؛ فالمدينة التي منحت الليكود نحو 50% من أصواتها في انتخابات 2022، مقابل نحو 25% على المستوى الإسرائيلي، تشهد حالة استياء بين بعض سكانها بسبب استمرار التهديدات الأمنية وتداعيات النزوح وتعثر التعافي الاقتصادي.
فبعد إجلاء السكان لأكثر من عام نتيجة المواجهات مع حزب الله، لم تستعد المدينة حياتها الطبيعية بالكامل، رغم إعلان السلطات المحلية عودة نحو 80% من سكانها، وهي نسبة يشكك فيها بعض الأهالي الذين يشيرون إلى استمرار إغلاق متاجر وخلو شوارع من النشاط المعتاد.
وكشف استطلاع أجراه مختبر أجام بالجامعة العبرية خلال أكتوبر تراجع التأييد لنتنياهو في شمال إسرائيل عموما من نحو 29% قبيل انتخابات 2022 إلى 17%، وهو مؤشر إقليمي لا يقتصر على كريات شمونة.
لكن اللافت أن الغضب من نتنياهو لا يرتبط بالضرورة برفض الحرب؛ فبينما ينتقده بعض السكان لعدم الوفاء بوعوده الأمنية، يرى آخرون أن العمليات العسكرية ضد حزب الله لم تكن حاسمة بما يكفي، ما قد يدفع بعض الناخبين نحو أحزاب أكثر تشددا بدلا من المعارضة الوسطية.
غلاف غزة.. ذاكرة 7 أكتوبر تدخل صناديق الاقتراع
على الحدود الجنوبية، تحمل انتخابات الكنيست دلالات مختلفة في مستوطنات غلاف غزة، التي تعرضت لهجوم السابع من أكتوبر 2023، وما أعقبه من حرب امتدت تداعياتها إلى مختلف أنحاء المنطقة.
وفي كيبوتس بئيري، الذي فقد عددا كبيرا من سكانه خلال الهجوم، عادت مطالب محاسبة نتنياهو على الإخفاق الأمني إلى الواجهة مع اقتراب التصويت، وسط انتقادات لاستمرار حكومته رغم المسؤولية السياسية التي يحملها لها بعض السكان.
غير أن غلاف غزة لا يمثل كتلة انتخابية واحدة؛ فالكيبوتسات تميل تاريخيا إلى أحزاب يسار الوسط، بينما تتمتع أحزاب اليمين والليكود بحضور قوي في مدن مجاورة مثل سديروت وعسقلان.
وتكشف هذه التباينات أن تأثير هجوم أكتوبر على الخيارات الانتخابية لا يسير في اتجاه واحد؛ فبينما عزز لدى بعض الناخبين المطالبة بتغيير القيادة، لم يؤد بالضرورة إلى تغيير الولاءات الحزبية الراسخة لدى آخرين.
تل أبيب.. المعارضة التقليدية في مواجهة المعاقل المتململة
وعلى خلاف كريات شمونة، لا تمثل تل أبيب منطقة جديدة للضعف الانتخابي لنتنياهو، وإنما إحدى أبرز المدن التي تتمتع فيها أحزاب الوسط والمعارضة بحضور قوي.
ففي انتخابات 2022، حصل الليكود على نحو 17% من أصوات تل أبيب–يافا، وهي نسبة تقل عن حصته على المستوى الإسرائيلي، ما يعكس اختلافا سياسيا واجتماعيا بين المدينة ومناطق أخرى تشكل قواعد تقليدية لليمين.
لكن أهمية تل أبيب في انتخابات اليوم لا تكمن في استمرار معارضتها لنتنياهو بقدر ما ترتبط بما إذا كان التململ داخل معاقل الليكود في الشمال والجنوب سيضيف أصواتا جديدة إلى معسكر خصومه، أم سيعيد توزيع أصوات اليمين بين أحزابه المختلفة.
وهنا تظهر المفارقة الجغرافية؛ فنتنياهو لا يواجه التحدي نفسه في جميع المناطق، وإنما تتباين أسباب معارضته بين رفض سياسي تقليدي في تل أبيب، وغضب مرتبط بالأمن والنزوح في الشمال، ومطالب بالمحاسبة على إخفاقات 7 أكتوبر في الجنوب.
ومع أن إسرائيل تعتمد دائرة انتخابية وطنية واحدة، ولا تحسم المقاعد عبر الفوز بمدن منفردة، فإن هذه الخريطة تكشف مصادر القوة والضعف وراء الأرقام العامة للاستطلاعات.
اقرأ أيضا..
نتنياهو يراهن على المرضى والمساجين.. كيف يؤثر تصويت البريد بانتخابات الكنيست؟