في الوقت الذي تمثل فيه السيول خطرًا على المناطق السكنية والطرق والبنية التحتية، تتحول كميات من مياهها إلى مورد مائي يمكن الاستفادة منه، بفضل منشآت الحماية والحصاد المائي التي تستهدف احتجاز المياه وتقليل اندفاعها.
وفي هذا الإطار، تواصل وزارة الموارد المائية والري متابعة موجة الأمطار والسيول التي شهدتها محافظات جنوب سيناء والبحر الأحمر وشمال سيناء، وسط تقديرات ميدانية أولية تشير إلى حجز نحو 12.4 مليون متر مكعب من مياه السيول بمنشآت الحماية والحصاد في محافظتي جنوب سيناء والبحر الأحمر.
وتعكس هذه الكميات أهمية منظومة الحماية من أخطار السيول، خاصة في المناطق التي تتسم بطبيعة جبلية وأودية تتجمع فيها مياه الأمطار وتتدفق بسرعة نحو المناطق المنخفضة والطرق والتجمعات السكانية.
كما تبرز أهمية التنبؤات الجوية والمتابعة الميدانية في الاستعداد لموجات الأمطار، بما يساعد على تقليل الخسائر والاستفادة من المياه المتدفقة في إطار منظومة متكاملة لإدارة الموارد المائية.
وتتابع وزارة الموارد المائية والري تطورات الحالة من خلال مركز التنبؤ بالفيضان وفرق العمل الميدانية، بالتنسيق مع المحافظات والجهات المعنية، لرصد حركة المياه بالأودية ومناسيبها ومتابعة الحالة الفنية لمنشآت الحماية والحصاد.
وكانت توقعات مركز التنبؤ بالفيضان للفترة من 24 إلى 26 أكتوبر 2026 قد أشارت إلى احتمالات سقوط أمطار متفاوتة الشدة على مناطق من جنوب سيناء والبحر الأحمر، وهو ما دعم اتخاذ الإجراءات الاستباقية للتعامل مع احتمالات تشكل السيول.
10 ملايين متر مكعب في جنوب سيناء
وفي محافظة جنوب سيناء، شهدت الأودية الممتدة من دهب إلى طابا جريان مياه السيول، بما في ذلك الأودية التي تصب في وادي وتير بمنطقة نويبع، مع رصد تدفقات المياه باتجاه خليج العقبة.
وتشير التقديرات الأولية إلى حجز نحو 10 ملايين متر مكعب من المياه بسدود وادي الزلجة وغليم وبحيرة الزلجة، ضمن منظومة الحماية والحصاد المائي بالمنطقة.
وتكتسب هذه المنشآت أهمية خاصة في جنوب سيناء، التي تضم نطاقات جبلية وأودية تتفاوت طبيعتها وقدرتها على تصريف المياه، إذ تسهم السدود والبحيرات الصناعية ومنشآت الحماية في إبطاء حركة المياه واحتجاز جزء منها، والحد من اندفاعها نحو المناطق المعرضة للخطر.
كما تتيح منشآت الحصاد المائي الاستفادة من المياه المتجمعة وفق طبيعة كل منشأة وظروف الموقع، بدلًا من فقدان كامل الكميات المتدفقة إلى البحر.
وفي إطار الإجراءات الاحترازية، جرى التنسيق مع الجهات المختصة لغلق طريق نويبع–طابا أثناء جريان السيول، بالتوازي مع متابعة منظومات حماية مدن نويبع وطابا ودهب، للحد من المخاطر التي قد تهدد المواطنين والمنشآت والطرق والبنية التحتية.
أما في محافظة البحر الأحمر، فقد أظهرت المتابعة الميدانية حجز نحو 2.4 مليون متر مكعب من مياه السيول بالبحيرتين الصناعيتين وسدي أم صليحة وأم حرينة، بمنطقتي شلاتين والشيخ الشاذلي، في إطار جهود حماية المناطق المعرضة لمخاطر السيول.
وفي شمال سيناء، ساهمت الأمطار التي شهدتها منطقة الكونتلا بمركز نخل في ملء بعض خزانات حصاد المياه، مع استمرار المتابعة الميدانية لمنشآت الحماية والحصاد وحصر كميات المياه المتجمعة.
وبذلك، يصل إجمالي كميات المياه التي تشير التقديرات الأولية إلى حجزها بمنشآت الحماية والحصاد في جنوب سيناء والبحر الأحمر إلى نحو 12.4 مليون متر مكعب، مع استمرار حصر المياه في باقي الأودية وتقييم الحالة الفنية للمنشآت بعد استقرار الأحوال الجوية.
لماذا تتكرر السيول في مصر خلال فصل الخريف؟
يرتبط تكرار موجات الأمطار والسيول في مناطق من سيناء وسلاسل جبال البحر الأحمر خلال الخريف بطبيعة المرحلة الانتقالية بين الصيف والشتاء، إلى جانب الظروف الجوية المحلية والتضاريس الجغرافية، فمع تغير الأنظمة الجوية وانخفاض درجات الحرارة تدريجيًا مقارنة بفصل الصيف، قد تتوافر ظروف تساعد على تكوّن سحب رعدية قادرة على إسقاط كميات كبيرة من الأمطار خلال فترات زمنية قصيرة.
ومن أبرز العوامل التي قد تسهم في هذه الحالات وجود امتدادات لمنخفضات جوية أو أخاديد منخفضة الضغط، بالتزامن مع توافر الرطوبة في طبقات الجو المناسبة ووجود عدم استقرار جوي.
وقد يؤدي التقاء كتل هوائية مختلفة الخصائص، أو صعود الهواء الرطب إلى طبقات أعلى، إلى نمو سحب ركامية رعدية تنتج أمطارًا غزيرة محليًا. وتختلف الآلية الجوية من حالة إلى أخرى، لذلك يتطلب تحديد السبب المباشر لكل موجة الرجوع إلى خرائط الطقس وتحليلات الأرصاد الجوية الخاصة بتاريخها وموقعها.
وتلعب التضاريس دورًا أساسيًا في تحويل الأمطار إلى سيول. فالمناطق الجبلية في جنوب سيناء والبحر الأحمر تضم مرتفعات وأودية تتجمع فيها مياه الأمطار المتساقطة على مساحات واسعة، ثم تتحرك المياه من المناطق الأعلى إلى المنخفضات في مسارات طبيعية.
وعندما تهطل الأمطار بغزارة خلال وقت قصير، قد تتجاوز كمية المياه قدرة التربة على الامتصاص والتصريف، فتتجمع بسرعة داخل الأودية وتتحول إلى تدفقات قوية قد تصل إلى الطرق والمناطق السكنية.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة في الأودية الجافة التي لا تشهد جريانًا مستمرًا للمياه، إذ قد تبدو آمنة في الظروف العادية، لكنها تتحول خلال دقائق إلى ممرات لتدفقات مائية مفاجئة.
كما أن طبيعة التربة والانحدارات ودرجة تشبع الأرض بالمياه، إلى جانب شدة الأمطار ومدتها ومساحة الحوض الذي تتجمع منه المياه، تؤثر جميعها في حجم السيول وسرعة وصولها إلى المناطق المنخفضة.
ولا يعني حدوث السيول في الخريف أن الأمطار الغزيرة ستتكرر بالضرورة في جميع المناطق أو بالمعدلات نفسها كل عام؛ فهذه الظاهرة تتأثر بتغير الأنظمة الجوية وتوزيع الرطوبة وشدة الحالات الجوية، كذلك لا يمكن إرجاع كل موجة سيول إلى التغيرات المناخية وحدها من دون تحليل علمي للاتجاهات المناخية وبيانات الأمطار على مدى زمني طويل.
الحماية والحصاد المائي في مواجهة المخاطر
وتؤكد موجة السيول الأخيرة أهمية الجمع بين التنبؤ المبكر بالأمطار، والاستعداد الميداني، ورفع كفاءة منشآت الحماية والحصاد المائي، إلى جانب تحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر وتنظيم الحركة على الطرق التي تعبر مجاري الأودية، فالتنبؤ بسقوط الأمطار يمثل خطوة أساسية، لكن فاعلية المواجهة تعتمد أيضًا على سرعة تبادل المعلومات بين الجهات المعنية، والاستجابة للتحذيرات، ومتابعة حالة المنشآت قبل موجات الأمطار وأثناءها وبعد انتهائها.
كما تمثل كميات المياه التي جرى حجزها مؤشرًا على أهمية مشروعات الحصاد المائي في المناطق التي تعتمد على الأمطار الموسمية والسيول مصدرًا إضافيًا للمياه، غير أن الاستفادة من هذه الكميات تتوقف على طبيعة المنشآت وأماكن تخزين المياه وجودتها وإمكانات استخدامها، ولا تعني بالضرورة أن جميع المياه المحتجزة أصبحت صالحة للاستخدام المباشر.
وتواصل وزارة الموارد المائية والري التنسيق مع المحافظات والجهات المعنية لمتابعة تطورات الموقف وحصر كميات المياه وتقييم الحالة الفنية لمنشآت الحماية والحصاد.
كما تهيب بالمواطنين الالتزام بتعليمات الجهات المختصة وعدم عبور مجاري السيول أو المعابر أثناء جريان المياه، نظرًا إلى إمكانية تغير سرعة التدفقات وارتفاع مناسيبها بصورة مفاجئة.
وتبقى المعادلة الأساسية في التعامل مع سيول الخريف هي تقليل مخاطرها على الأرواح والممتلكات، مع تعظيم الاستفادة الممكنة من مياهها؛ إذ لا تقتصر المواجهة على احتواء التدفقات بعد وصولها، بل تبدأ بالتنبؤ بها والاستعداد لها، وتنتهي بتقييم كميات المياه المحصودة وكفاءة المنشآت، بما يدعم إدارة أكثر كفاءة للموارد المائية في المناطق المعرضة للسيول.