لا تستغرب عندما تجد شخصًا يكرهك رغم أنك لم تُسئ إليه يومًا، ولا تنصدم حين تقدم الخير لأحدهم، وتكون سببًا في سعادته، ثم يفاجئك في النهاية بالإساءة والجحود.
فالحقيقة أن النفوس ليست متشابهة، والقلوب ليست سواء، وليس كل إنسان يعرف قيمة المعروف أو يقدّر من أحسن إليه.
هناك من مهما قدمت له من خير، لن يرى فيك إلا ما تسمح له طباعه برؤيته، ولن يفهم تصرفاتك إلا من خلال ما يحمله قلبه من مشاعر وأفكار. فبعض الناس ينظرون إلى الآخرين من خلال أنفسهم، ويفسرون المواقف وفقًا لطبيعتهم، لا وفقًا لحقيقة ما يرونه.
ومهما كان قلبك نقيًا، ومهما حرصت على الخير للجميع، ستجد من يسيء فهمك، ومن يشكك في نواياك، ومن يفسر طيبتك على أنها ضعف، وجدعنتك على أنها استعراض، ومواقفك الصادقة على أنها محاولة للفت الأنظار.
وقد تبذل من أجل البعض الكثير، وتمنحهم من وقتك وجهدك واهتمامك ما لا تمنحه لغيرهم، ثم تكتشف أن كل ما قدمته لم يشفع لك عندهم، وأن المعروف الذي ظننت أنه سيبقى في الذاكرة قد أصبح، في نظرهم، أمرًا عاديًا لا يستحق التقدير.
وهنا يجب أن تدرك أن الخير لا يفقد قيمته لمجرد أن البعض لم يقدّره، وأن نقاء النية لا يعني بالضرورة أن الجميع سيفهمك أو ينصفك، فليس كل ما تقدمه من إحسان سيقابله إحسان، وليس كل من تمنحه الثقة يستحقها.
لذلك، كن كما أنت، متمسكًا بأصلك وتربيتك ومبادئك، وافعل الخير لأنك تؤمن به، لا لأنك تنتظر مقابلًا أو تبحث عن تقدير من الآخرين. ساعد من تستطيع مساعدته، وساند من يحتاج إلى دعمك، لكن لا تسمح لأحد أن يستغل طيبتك أو يجعل من إخلاصك وسيلة لإيذائك.
ولا تُرهق نفسك في محاولة إثبات أنك إنسان جيد لكل من أساء فهمك، ولا تجعل حياتك ساحة دائمة للدفاع عن نواياك وتبرير تصرفاتك؛ فمن أراد أن يفهمك بصدق، ستكفيه مواقفك، ومن قرر أن يسيء الظن بك، فقد لا تغيّر قناعته كثرة الأدلة ولا طول التبرير.
ليس مطلوبًا منك أن ترضي الجميع، ولا أن تكون الصورة المثالية في عيون كل من تعرفهم، فإرضاء الناس غاية لا تُدرك، ومحاولة كسب جميع القلوب قد تجعلك تخسر راحتك وسلامك النفسي دون جدوى.
الأهم من ذلك كله أن تراجع نفسك بصدق، وأن تحاسبها قبل أن تحاسب الآخرين، وأن تتأكد من سلامة نيتك وصحة أفعالك، وألا تجعل أحكام الناس هي المعيار الذي تقيس به قيمتك أو تحدد من خلاله طريقك.
فما قيمة أن يرضى عنك الناس إذا كنت تعلم أنك أخطأت في حق غيرك؟ وما الضرر في أن يسيء البعض فهمك وأنت تعلم أنك لم تظلم أحدًا؟
اجعل رضا الله غايتك، واعمل الخير خالصًا لوجهه، ولا تسمح لجحود البعض أن يطفئ في قلبك حب العطاء، أو أن يحوّل تجاربك الصعبة إلى سبب للتخلي عن مبادئك. وفي الوقت نفسه، تعلّم أن تضع حدودًا واضحة، وأن تميّز بين الطيبة التي ترفع قدرك والتنازل الذي يستنزفك.
فليس كل من أساء إليك يستحق أن تغيّر من أجله طبيعتك، وليس كل من أنكر معروفك يستحق أن تندم على الخير الذي قدمته له. يكفيك أنك فعلت ما يمليه عليك ضميرك، وأنك لم تجعل إساءة الآخرين مبررًا للإساءة إلى غيرهم.
وفي النهاية، قد ينسى الناس مواقفك، وقد ينكر البعض ما قدمته لهم، وقد لا تجد التقدير الذي كنت تنتظره، لكن ذلك كله لا ينتقص من قيمة الخير الذي فعلته، ولا من أجرك إذا أخلصت فيه النية لله.
كن طيب القلب، واعيًا في اختياراتك، كريمًا في عطائك، واضحًا في حدودك، ولا تنتظر جزاءك من البشر.
فما عند الناس قد يتغير، وما في قلوبهم قد يتبدل، أما ما كان خالصًا لوجه الله، فلا يضيع عنده.
وتذكّر دائمًا أن قيمتك الحقيقية لا يحددها حب الناس أو كراهيتهم، ولا ينقص منها جحودهم أو إساءة ظنهم؛ وإنما يحددها صدقك مع نفسك، وعدلك مع الآخرين، وإخلاصك فيما تفعل.
افعل الخير لأنه يشبهك، لا لأن الناس يستحقونه دائمًا. ولا تسمح لجحود البعض أن يغيّر نقاء قلبك؛ فما كان خالصًا لله لن يضيع، وإن أنكره البشر.
يكفيك أن تنام مطمئن الضمير، واترك للناس أحكامهم، ولله جزاء ما في القلوب والنيات.
افعل الخير لأنه يشبهك، وتمسّك بمبادئك لأنها أصلك، واترك للناس أحكامهم، ولله ما في القلوب والنيات.