عندما تتحدث عن جماعة الإخوان الإرهابية، قد يتصور البعض أنها لا تزال حركة دعوية تعيش على التبرعات وتدير شئونها بـ"الشفافية"، لكن الواقع الذى يكشفه الباحث فى شئون الحركات المتطرفة طارق البشبيشى يقدم صورة مختلفة تماماً.
فما يحدث داخل أروقة التنظيم فى الخارج لم يعد صراعاً فكرياً أو سياسياً، بل تحول إلى حرب ضروس على المال والنفوذ، يديرها من يصفهم البشبيشى بـ"اللصوص" الذين يستغلون الدين ستاراً، ويبيعون الأوهام للقواعد، بينما يستحوذون على الأصول والتمويلات. فى هذا التقرير، نستعرض تفكيك البشبيشى للسيكولوجية التى تحكم هؤلاء "اللصوص"، وكيف تحول التنظيم إلى ما يشبه "دكاكين" متناثرة تتصارع على ألفتات.
"اللصوص" الذين يديرون التنظيم: صراع على المال لا على الدعوة
قال طارق البشبيشي، والباحث فى شئون الحركات المتطرفة، إن الصراع الدائر بين جبهات الإخوان فى الخارج لم يعد خلافاً تنظيمياً هامشياً، بل تحول إلى حرب مفتوحة بالاتهامات والتسريبات والسباب، كشفت تفاصيلها المنصات الإعلامية والمحاكم الدولية . وأضاف أن قصة "الجبهات" تأخذ أكبر من حجمها، فلا خلاف أبداً بين هذه الجبهات على الهدف الذى أنشئت من أجله الجماعة، وإنما خلافهم الظاهرى من أجل المال والمصالح . وأكد أن التنظيم لا يعتمد على توريث المناصب، وإنما على اختيار عناصر تتوافر فيها الصفات التى تخدم أجندته التنظيمية .

طارق البشبيشي الباحث في شؤون الحركات المتطرفة
وأوضح البشبيشى أن التسريبات المتبادلة بين الجبهتين كشفت عن نزاعات وصلت إلى ساحات القضاء، مستشهداً بنزاع قضائى بين جبهة بقيادة محمود حسين وجبهة بقيادة صلاح عبدالحق، وصل إلى المحكمة وقضت بتقسيم مقر الجماعة مناصفة بين الجبهتين . وأضاف أن محكمة أفريقية نظرت قضية اتهم فيها أحد القياديين الإخوانيين الهاربين آخر بتزوير محررات رسمية وعقود ملكية، لبيع حصته فى شركة مقأولات ضخمة، مما أسفر عن استيلاء الثانى على الشركة بالكامل وخسائر مالية تقدر بنحو مليونى دولار .
آليات "اللصوصية": عقود صورية ورواتب تفاضلية
وفى كشفه لأساليب الاستيلاء على الأموال، أشار البشبيشى إلى أن التسريبات المتبادلة بين الجبهتين كشفت عن أساليب إجرامية لاختلاس أموال التنظيم، من بينها "عقود البيع الصوري"، حيث قامت قيادات ببيع ممتلكات تابعة للتنظيم لشركات واجهة يمتلكونها هم وأبناؤهم بأسعار زهيدة، ثم إعادة تقييمها بأسعار سوقية لتحويل ألفارق لحساباتهم الشخصية . وأضاف أن التسريبات كشفت عن تفأوت صارخ فى المخصصات المالية، حيث تترأوح رواتب الإعلاميين البارزين بين 5 إلى 12 ألف دولار شهرياً، بينما يحصل الشباب على 300 إلى 600 دولار فقط، مع توقف صرفها لعدة أشهر . وأكد أن جزءً من الصراع داخل التنظيم يدور حول السيطرة على الواجهات التى تمثل قناة للوصول إلى الرأى العام .
وذهب البشبيشى إلى حد وصف مكتب الإخوان فى إحدى الدول بأنه فى حقيقته "مكتب للمخابرات الدولية"، والواجهة "مكتب أمانة عامة لتنظيم الإخوان"، مشيراً إلى أن هذا المكتب المشبوه يقود فعلياً معظم التحركات ضد الدولة المصرية، وأن تحركات الإخوان فى أوروبا تتم وفق تفاهمات وتنسيقات استخباراتية مع بعض الدول الأوروبية .
سيكولوجية القطيع: عضو "مُدمن على الوهم"
ولم يقتصر تفكيك البشبيشى على القيادات، بل امتد إلى سيكولوجية القاعدة. قال إن عضو جماعة الإخوان الإرهابية يدرك فى أعماقه أن قياداته تمارس عليه التضليل وتدفعه إلى تصديق أوهام لا تستند إلى الواقع، إلا أنه يستمر فى الآنسياق خلفها بسبب اعتياده على هذا الخطاب وعدم قدرته على الآنفصال عنه . وأوضح أن العضو الإخوانى يعلم من داخله أنه "يعيش فى الوهم والسراب"، وأن قياداته "تستغفله وتقوده كالخروف داخل القطيع"، مضيفاً أنه يدرك كذلك أن ما يتلقاه هو وبقية الأعضاء "مجرد هلأوس سمعية وبصرية"، لكنه لا يستفيق من هذا الواقع، بل يبحث عن المزيد من الأكإذيب والخرافات التى تمنحه شعوراً مؤقتاً بالراحة حتى يستطيع النوم .
وأضاف أن العضو الإخوانى يشبه "المدمن فاقد الإرادة"، الذى لا يشغله سوى الحصول على جرعته من الوهم حتى يشعر بالطمأنينة، مؤكداً أنه يعلم أيضاً أن من يقدم له تلك الجرعات هو فى الحقيقة من يقوده إلى الهلاك، لكنه لا يمتلك القدرة على مقأومة من يبيعون له الخداع والتضليل . وأشار إلى أن محأولات إقناع العناصر المنخرطة فى التنظيم بترك تلك الأفكار تصبح شديدة الصعوبة بعد سنوات من التلقين، معتبراً أن الجهد الأهم يجب أن يوجه إلى رفع الوعى المجتمعي، حتى لا يقع مزيد من الشباب فريسة لما وصفه بـ"الإدمان ألفكري" الذى يصنعه التنظيم .
"دكاكين" متناثرة: أنهيار التنظيم الأم
وفى تحليله لبنية التنظيم بعد 2013، استخدم البشبيشى مصطلح "الدكاكين" لوصف الكيانات الصغيرة التى أنشأها الإخوان كواجهات مدنية تحمل أسماء حقوقية أو بحثية أو إعلامية، لكنها فى جوهرها أدوات لخدمة أجندة الجماعة . وأشار إلى أن هذه "الدكاكين" لا تمثل قوة حقيقية على الأرض، بل هى نتيجة طبيعية لأنهيار التنظيم الأم، فبعد أن كانت الجماعة تعمل كهيكل مركزى متماسك، أصبحت اليوم مجرد شبكة من الكيانات المتناثرة، كل منها يحأول أن يقدم نفسه بديلاً عن الآخر، فى مشهد أقرب إلى ألفوضى منه إلى التنظيم .
وأكد طارق البشبيشي فى تفكيكيه لسيكولوجية "اللصوص" الذين يديرون الإخوان يكشف عن مفارقة مزدوجة: قيادات تتقاتل على المال والنفوذ تحت شعارات الدين، وقاعدة تُدرك وهمها لكنها تستمر فى الآنقياد بسبب "الإدمان ألفكري". وبين "عقود البيع الصوري" و"رواتب الإعلاميين" و"المحاكم الدولية"، تتساقط صورة "الجماعة الدعوية" لتظهر حقيقتها كمنظومة اقتصادية هشة تتصارع على ألفتات. وبقدر ما يمثل هذا التفكك أزمة داخلية للتنظيم، فإنه يطرح على الرأى العام ضرورة التمييز بين من يبيع الوهم ومن يبحث عن الحقيقة، وبين من يستغل الدين لمصلحة شخصية ومن يلتزم بقيم الوطن.