من الخرطوم إلى جنوب لبنان.. نبيل فهمي يختبر الدبلوماسية في مناطق الخطر.. زيارة الأمين العام للجامعة العربية للسودان امتداد لتحركه الميداني في جنوب لبنان.. والردع آلية يطرحها لمواجهة التهديدات

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 11:00 ص
من الخرطوم إلى جنوب لبنان.. نبيل فهمي يختبر الدبلوماسية في مناطق الخطر.. زيارة الأمين العام للجامعة العربية للسودان امتداد لتحركه الميداني في جنوب لبنان.. والردع آلية يطرحها لمواجهة التهديدات نبيل فهمي الأمين العام لجامعة الدول العربية

بيشوى رمزى

لم تمض سوى ساعات على استقبال نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، السكرتير العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش في القاهرة، حتى وصل صباح الاثنين إلى العاصمة السودانية الخرطوم، حيث أجرى سلسلة من المباحثات مع القيادات السودانية، في زيارة تعكس جانبا من تحركات دبلوماسية امتدت خلال أيام من جنوب لبنان إلى السودان، بينما شهدت الكويت طرح رؤيته لتطوير أدوات الردع العربي وحماية سيادة الدول الأعضاء.

ولم تقتصر زيارة الخرطوم على تأكيد التضامن مع السودان، وإنما شملت مناقشة مسارات عملية لإنهاء الحرب، بدا من دعم مؤسسات الدولة ورفض الهياكل الموازية، مرورا بالبناء على المبادرة السودانية المقدمة إلى مجلس الأمن، وصولًا إلى مساندة حوار وطني جامع بقيادة سودانية، في إطار جهود تتقاطع مع التنسيق القائم بين الجامعة العربية والأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة.

وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المناطق التي شملتها؛ فالخرطوم تواجه تداعيات حرب ممتدة، وجنوب لبنان لا يزال عرضة لتهديدات أمنية مباشرة، بينما تقع الكويت في منطقة الخليج التي تواجه تحديات مرتبطة بالتصعيد الإقليمي وأمن الملاحة والطاقة، بما يطرح تساؤلات بشأن كيفية ترجمة رؤية فهمي لتطوير العمل العربي المشترك إلى أدوات دبلوماسية تتعامل مع الأزمات القائمة وتسعى إلى الحد من التهديدات المستقبلية.

من لقاء جوتيريش إلى مباحثات الخرطوم
 

جاء وصول فهمي إلى السودان بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على لقائه جوتيريش بمقر الجامعة العربية في القاهرة، حيث تناولت المباحثات الأزمات في السودان ولبنان وسوريا وليبيا، إلى جانب القضية الفلسطينية والتصعيد الإقليمي وسبل تعزيز الشراكة بين المنظمتين.

وفي الخرطوم، انتقل الأمين العام من التشاور الدولي بشأن الأزمة السودانية إلى لقاء الأطراف المعنية بها مباشرة، حيث اجتمع مع رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء كامل إدريس، وأعضاء لجنة تهيئة الحوار السوداني السوداني.

وخلال لقائه البرهان، أكد فهمي التزام الجامعة العربية بدعم سيادة السودان ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ورفض إقامة هياكل موازية للدولة، مشددًا على أهمية إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار وتخفيف معاناة السودانيين، إلى جانب دعم جهود التعافي وإعادة الإعمار.

أما خلال مباحثاته مع كامل إدريس، فقد برزت المبادرة السودانية المقدمة إلى مجلس الأمن في ديسمبر 2025، حيث أكد فهمي أهمية البناء عليها ضمن الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة بقيادة وملكية سودانية.

وفي المقابل، أعرب رئيس الوزراء السوداني عن انفتاح حكومته على جهود تحقيق السلام بما يحفظ سيادة البلاد ووحدة أراضيها ومؤسساتها، داعيًا الجامعة العربية إلى تكثيف جهودها خلال المرحلة المقبلة، سواء على المستوى الثنائي أو من خلال الآلية الخماسية التي تضم الجامعة والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي ومنظمة الإيقاد.

ويمنح هذا المسار توقيت الزيارة دلالة تتجاوز تقارب المواعيد؛ إذ يبرز إمكانية التكامل بين التنسيق الأممي العربي والتحرك المباشر للجامعة داخل السودان، دون أن يعني ذلك أن زيارة الخرطوم كانت نتيجة مباشرة للقاء جوتيريش.

الحوار داخل السودان.. من التضامن إلى المساندة العملية
 

برز جانب آخر من زيارة فهمي خلال لقائه لجنة تهيئة الحوار السوداني السوداني، حيث أكد ضرورة أن يكون الحوار بقيادة السودانيين أنفسهم، وأن يُعقد أساسًا في الخرطوم أو داخل الأراضي السودانية، بما يتيح لهم المشاركة في إعادة بناء دولتهم وصياغة مستقبلها السياسي.

ولم يقتصر النقاش على تأكيد أهمية الحوار، وإنما امتد إلى ترتيبات إطلاقه، وضرورة وضع خطة عمل تتضمن خطوات وموضوعات محددة، ومراعاة شواغل القوى السياسية والمواطنين، بما يساعد على بناء الثقة في العملية السياسية.

كما أكد فهمي أهمية استيعاب مختلف الآراء، في إطار احترام الدولة السودانية وسيادتها ومؤسساتها الوطنية، مع استعداد الجامعة العربية لتقديم الدعم المطلوب في مراحل محددة من العملية الحوارية.

ومن جانبها، أعربت لجنة تهيئة الحوار عن تطلعها إلى الاستفادة من خبرات الجامعة العربية وشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية، بما يسهم في تعزيز مصداقية الحوار وتهيئة الظروف اللازمة لانطلاقه.

وتكشف هذه المباحثات عن وظيفة دبلوماسية تتجاوز إعلان المواقف، تتمثل في دعم المبادرات الوطنية وتوفير المساندة السياسية والمؤسسية لها، دون الحلول محل الأطراف السودانية أو انتزاع ملكيتها للعملية السياسية.

من جنوب لبنان إلى الخرطوم.. الدبلوماسية في مناطق الخطر
 

لم تكن الخرطوم أولى المحطات التي اقترب فيها فهمي من مناطق تشهد صراعات وتهديدات أمنية، إذ سبقها بستة أيام تحرك ميداني إلى جنوب لبنان، شمل منطقة الزهراني وبلدة زوطر الغربية ومقر قيادة الجيش اللبناني في قطاع جنوب الليطاني بمدينة صور.

وخلال الجولة، اطلع الأمين العام على آثار الاعتداءات الإسرائيلية والأضرار التي لحقت بالمنازل والمنشآت والأراضي الزراعية، واستمع إلى إحاطات بشأن الأوضاع الأمنية والإنسانية، مؤكدًا دعم الجامعة العربية للبنان وسيادته ومؤسساته الوطنية.

وبعد أقل من أسبوع، انتقل إلى الخرطوم، في ظل استمرار الحرب السودانية وتداعياتها السياسية والإنسانية، ليجمع التحركان بين الحضور المباشر في منطقتين تواجهان طبيعتين مختلفتين من الأزمات.

ففي جنوب لبنان، ارتبطت الزيارة بدعم الدولة في مواجهة الاعتداءات الخارجية وتعزيز قدرتها على بسط سلطتها على أراضيها، بينما اتخذ التحرك في السودان طابعًا سياسيًا يرتبط بدعم مؤسسات الدولة والمساهمة في تهيئة مسار الحوار الوطني وإنهاء الحرب.

ورغم اختلاف السياقين، فإن القاسم المشترك يتمثل في انتقال الأمين العام إلى مواقع الأزمات نفسها، بدلًا من اقتصار التواصل على الاجتماعات في مقر الجامعة أو العواصم البعيدة عن مناطق المواجهة.

غير أن أهمية هذا الحضور لا ترتبط بمجرد الوصول إلى مناطق خطرة، وإنما بما يمكن أن يوفره من تواصل مباشر مع الأطراف المعنية، وفهم أكثر قربًا للتحديات، ودعم للمسارات السياسية والمؤسسية القائمة.

الكويت.. الردع في مواجهة التهديدات الإقليمية
 

على مسار موازٍ، حملت زيارة فهمي إلى الكويت بُعدًا يتعلق بمستقبل الأمن العربي، حيث طرح خلال محاضرته بالمعهد الدبلوماسي ضرورة تطوير منظومة العمل العربي المشترك، والبحث عن آليات أكثر فاعلية للردع وحماية سيادة الدول الأعضاء ومصالحها.

وتكتسب الدعوة أهميتها في ظل التهديدات التي تواجه منطقة الخليج، وما يرتبط بها من اعتداءات على أراضي دول عربية ومنشآتها المدنية، فضلًا عن المخاطر التي تهدد أمن الطاقة وحرية الملاحة الدولية.

وجدد فهمي خلال لقائه جوتيريش رفض الجامعة العربية الاعتداءات الإيرانية على أراضي ومصالح الدول العربية المجاورة، إلى جانب إدانة الاعتداءات الحوثية، مؤكدًا أهمية حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز.

وبينما ترتبط زيارة الخرطوم بمحاولة دعم تسوية سياسية لأزمة قائمة، ويتصل التحرك في جنوب لبنان بمساندة الدولة في مواجهة التهديدات الأمنية، يمثل طرح الردع من الكويت مسارًا يستهدف تطوير قدرة الدول العربية على حماية سيادتها والحد من تكرار الانتهاكات.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو الردع بديلًا عن الدبلوماسية، وإنما أحد الأدوات التي يمكن أن تتكامل معها، من خلال تطوير الاتفاقيات القائمة وتفعيل آليات العمل الجماعي بما يتناسب مع طبيعة التحديات الراهنة.

من الرؤية إلى الممارسة
 

تكشف تحركات نبيل فهمي الأخيرة عن ثلاثة مسارات متوازية لتطوير ممارسة العمل العربي المشترك؛ التنسيق مع المؤسسات الدولية، والحضور المباشر في مناطق الأزمات، والبحث عن أدوات جماعية لحماية سيادة الدول العربية.

وتضيف نتائج مباحثات الخرطوم مضمونًا عمليًا إلى هذه الصورة؛ إذ لم تقتصر الزيارة على تأكيد التضامن مع السودان، بل تناولت مبادرة سياسية محددة، وآليات تهيئة الحوار، ودور الجامعة في مساندة الجهود الوطنية والتنسيق مع الشركاء الدوليين.

ولا تمثل هذه المسارات وظائف مستحدثة للجامعة العربية، التي اضطلعت تاريخيًا بأدوار سياسية ودبلوماسية متعددة، لكنها تعكس إمكانية تطوير ممارستها بصورة أكثر ترابطًا، بحيث يتكامل التنسيق الدولي مع الحضور الميداني، وترتبط مواقف التضامن بمساندة المؤسسات الوطنية والبحث عن أدوات الحماية الجماعية.

وتظل النتائج الفعلية لهذه التحركات مرهونة بتطور الأزمات نفسها، واستعداد الأطراف المعنية للتجاوب مع المساعي السياسية، ومدى توافق الدول العربية على دعم الآليات المقترحة.

لكن ما شهدته الخرطوم من مباحثات بشأن الحوار السوداني والمبادرة الوطنية، بعد أيام من زيارة جنوب لبنان وطرح الردع من الكويت، يمنح التحركات الأخيرة مضمونًا يتجاوز كثافة النشاط الدبلوماسي، ويضع أمام الجامعة العربية اختبارًا يتعلق بقدرتها على تحويل الحضور السياسي والتنسيق الدولي إلى مساهمات عملية في حماية سيادة الدول الأعضاء ودعم استقرارها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة