لم يكن أشرف دحلان، وشادي أبو عطايا، وسامي بارود يعلمون أن وقوفهم عند بوابة الجامعة الإسلامية في غزة سيكون المشهد الأخير من حكايتهم مع المكان الذي اعتادوا حراسته، واليوم الذي بدأ كغيره من أيام العمل سينتهي بفاجعة تترك خلفها قلوبا مكسورة وبيوتا يغمرها الحزن.
استشهاد حراس الجامعة
لم يتوقعوا أن تكون تلك اللحظات الأخيرة التي تجمعهم بمكان ألفوه، ويتحول حضورهم اليومي إلى ذكرى تستحضرها العيون بدموع لا تجف، وتستعيدها القلوب بوجع لا تخفف حدته الأيام.
كانوا يؤدون واجبهم، يقفون في مواقعهم، ويمضون في تفاصيل عملهم المعتادة، دون أن يعلموا أن قصفا سيخطف أرواحهم، ويقطع خيوط الحكايات التي نسجوها مع أحبائهم على مدار سنوات، فعند بوابة الجامعة الإسلامية بغزة، حيث اعتادوا الحضور وممارسة عملهم، انتهت رحلتهم في الحياة، وبدأت رحلة أخرى من الألم والحنين لدى عائلاتهم وأصدقائهم وكل من عرفهم وألف وجودهم.
الشهداء الثلاثة
أسئلة بلا إجابات
كيف نبكيهم وقد كانوا بسمة يومنا؟ سؤال تختلط فيه مرارة الفقد بصدمة الرحيل، وتتوارى أمامه الكلمات عاجزة عن وصف ما يعتصر القلوب، كيف يمكن للأحبة أن يستوعبوا غياب من اعتادوا أصواتهم ووجوههم؟ وكيف يمكن لبيت كان يضج بالحياة أن يتقبل فجأة غياب أحد أركانه؟ إنها أسئلة لا تجد إجابات سهلة، لأن الموت حين يأتي على حين غرة لا يأخذ الأرواح وحدها، بل يترك خلفه فراغا يمتد إلى تفاصيل الحياة كلها.
رحل أشرف وشادي وسامي وهم يؤدون واجبهم، لكن رحيلهم لم يتوقف عند لحظة القصف، فقد امتد أثره إلى بيوت تنتظر أصحابها، وأمهات وآباء وأبناء وأصدقاء باتت الذكريات بالنسبة إليهم ملاذا أخيرا من قسوة الواقع، هناك، في تلك البيوت، يصبح للصمت صوت، وللأماكن الخالية حكايات، وللأشياء البسيطة قيمة مختلفة، فالمقعد الذي اعتاد أحدهم الجلوس عليه، والباب الذي كان يفتح عند عودته، والصوت الذي كان يملأ أرجاء المنزل، كلها تفاصيل تتحول بعد الفراق إلى شواهد على غياب يصعب تصديقه.
أحلام الضحايا
لم يكونوا مجرد أسماء تضاف إلى سجل الضحايا، بل كانوا بشرا يحملون أحلاما وآمالا، ولديهم تفاصيل يومية صغيرة، وأشخاص ينتظرون عودتهم في نهاية يوم العمل، لكل واحد منهم حكاية لم تكتمل، وأمنيات ربما كان يؤجل تحقيق بعضها إلى الغد، معتقدا أن الوقت ما زال يتسع لمزيد من الأيام واللقاءات والضحكات، لكن القصف لم يمنحهم فرصة للعودة، ولم يترك لأحبائهم فرصة وداع أخير يخفف شيئًا من قسوة الفراق.
في غزة، حيث يثقل القصف كاهل الحياة اليومية، لم يعد الموت خبرا عابرا يمكن تجاوزه بسهولة، فخلف كل اسم حكاية إنسانية، وخلف كل ضحية عائلة تواجه واقعا لم تختره، وذكريات تتحول إلى وجع متجدد كلما مر يوم جديد، وبينما تتواصل الحياة من حولهم، يحاول ذوو الراحلين التكيف مع غياب لا يشبه أي غياب آخر، غياب يفرض نفسه في المناسبات، وفي الأحاديث، وفي اللحظات التي يتمنى فيها أحدهم أن يشارك الراحل خبرا أو يطلب منه كلمة أو يسمع صوته مرة أخرى.
مأساة أشرف دحلان، وشادي أبو عطايا، وسامي بارود ليست مجرد واقعة رحيل مؤلمة، بل قصة إنسانية تختصر هشاشة الحياة حين تصبح مواقع العمل عرضة للقصف، وحين يعود الإنسان من يومه المعتاد إلى أهله خبرا يحمل الفاجعة بدلا من أن يعود إليهم بنفسه، إنها حكاية عن أشخاص أدوا واجبهم، وعائلات دفعت ثمنا إنسانيا باهظا، ووجع لا تستطيع الأرقام وحدها أن تشرحه، ولا تستطيع الكلمات مهما بلغت بلاغتها أن تحيط به.
ومع مرور الأيام، قد تخفت أصوات العزاء، وتنشغل الحياة بتفاصيلها المتلاحقة، لكن غيابهم سيظل حاضرا في ذاكرة أحبائهم، ستبقى أسماؤهم مرتبطة بالمكان الذي شهد لحظاتهم الأخيرة، وستظل صورهم تستدعي ابتساماتهم وملامحهم، وستبقى الأسئلة معلقة في قلوب من فقدوهم: لماذا انتهت الحكاية بهذه السرعة؟ ولماذا كان الوداع بهذه القسوة؟
رحل أشرف دحلان، وشادي أبو عطايا، وسامي بارود، وبقيت خلفهم بيوت تنتظر، وقلوب تفتقد، وذكريات لا يمحوها الزمن، وبين وجع الفقد ومرارة الغياب، تظل الحقيقة الأكثر إيلاما أن الذين كانوا يوما جزءا من تفاصيل الحياة أصبحوا اليوم جزءا من ذاكرة لا تريد أن تنساهم.